خارج أسوار مدينة صعدة العريقة في أقصى شمال اليمن, يقضي الشيخ عثمان حسين الفايد يوماً حافلاً بالعمل. فمنذ الساعات الأولى من الصباح الباكر, تعج الساحة الممتدة أمام منزله المحصن بأفراد من قبيلته وهي قبيلة عابدين طلبا لمشورته في نزاعات تتراوح بين المشاجرات الزوجية والقتل. وقد اكتسب عثمان (28 عاما) الذي تم اختياره شيخاً للقبيلة من قبل كبار السن فيها, صيتا ذائعاً لعدله وسرعته في اصدار الاحكام حتى ان افرادا آخرين من قبائل اخرى يلجأون اليه لفض النزاعات فيما بينهم. وبانقضاء ساعات الصباح, يقوم المتظلمون, الذين يبلغ عددهم بضع عشرات في آن بتسليم بنادقهم الاوتوماتيكية عند الباب الرئيسي ويدخلون غرفة مريحة تملؤها الوسائد والفراش الارضي الوثير لانتظار ان يحين دورهم. وفي الطابق العلوي من المنزل, وتحت الثريات المدلاة من السقف المزخرف بنقوش من الجص لغرفة الاستماع للشهادات المطلية باللون الأبيض, يبحث عثمان في القضية الشائكة لبشير, وهو احد ابناء القبيلة والذي قام قبل عدة اشهر بقتل رجل بينما كان يحاول تحصيل دين له. وكان بشير الذي اعتقلته الشرطة قد هرب من السجن وسارع الى الاحتماء بمنزل الشيخ بذبح عدد من رؤوس الضأن والثيران على عتبة المنزل وغمس بندقيته من طراز كلاشينكوف بالدم, وهو تعبير تقليدي عن طلب الحماية. وقد رافق عثمان بشير الى السجن حيث اوضح للشرطة أنه اصبح الآن أسيره وأنه سوف يسوي امره حسبما يريد. ويقول الشيخ موّضحا: (انها قضية صعبة. والكثير يعتمد على ما اذا كانت هذه الاموال مستحقة بالفعل. فعندما مضى بشير لتحصيل دينه, قامت أسرة الرجل باطلاق النار في الهواء لابعاده. فرد على اطلاق النار وقتل واحداً منهم. والآن يطالب باقي افراد العائلة باعدام بشير) . واثناء المداولات وسماع الشهود في القضية, أسرّ عثمان بأنه سيترك القاتل في السجن لسنة أخرى حتى تهدأ خواطر اسرة الفقيد ويفقدوا جزءاً من تعطشهم للانتقام. ويقول الشيخ: (عندها يمكنني التفاوض على اتفاق حول الدّية, سيتم إطلاق سراح بشير وسيكون الكل راضياً) . هذا نموذج للطريقة التي تسير بها الأمور في اليمن التي يتألف سكانها من 17 مليون نسمة ينقسمون إلى قبائل مختلفة تحافظ على عاداتها وتقاليدها الضاربة بجذورها عميقاً في التاريخ. روابط افريقية لم تحظ اليمن بالاهتمام الخارجي الكافي كغيرها من دول الشرق الاوسط. وقد اشتهر اليمنيون ذوي البشرة السمراء الداكنة والمنازل ذات السقوف المنخفضة المصنوعة من القش بوجود صلات وثيقة لهم مع افريقيا التي تبعد بضعة اميال عنهم حيث لا يفصلهما سوى البحر الاحمر. ووراء سهل تهامة, تنتصب التلال المرتفعة, معقل القبائل اليمنية. وهي تمتد من الحدود السعودية في الشمال الى خليج عدن في الجنوب. وتمتاز هذه المنطقة الجميلة بقممها الوعرة ووديانها الخضراء الضيقة. وتتوج قمم الجبال قلاع رائعة وقرى مبنية من الحجر. وباتجاه الجنوب يؤدي الطريق من صنعاء عبر الممرات الجبلية الى المحيط والميناء الطبيعي الكبير في عدن. والى الشرق, يتجه الطريق من المرتفعات الى سهل صحراوي يمتد عبر اليمن وصولا الى عمان. وفي الجهة الشمالية, تمتد هذه المنحدرات الصحراوية عبر الحدود مع السعودية لتلتقي بالصحراء السعودية مترامية الاطراف. وباتجاه الجنوب الشرقي, يمتد واد عميق تزينه الواحات الخضراء هو وادي حضرموت عبر الاراضي الصحراوية في جرف كبير شكلته انهار كانت تجري في القدم في هذه المنطقة. وشأن القرى القائمة في التلال المرتفعة, تبدو البلدات المبنية في قاع الوادي وكأنها من عالم معزول ومختلف. لكن المظاهر خداعة.. فاليمنيون دأبوا على الهجرة بعيداً عن بلادهم منذ امد بعيد, وكانت الجيوش اليمنية في مقدمة جيوش المسلمين الاوائل الذين حملوا لواء الاسلام الى اقاصي الارض وأحد هذه الجيوش فتح مدينة بوردو في فرنسا واستقر فيها لفترة قصيرة. وفي بلدات حضرموت تشاهد وجوها تبدو مألوفة أكثر في شوارع جاكرتا وكوالالمبور أو مانيلا. وهؤلاء الناس هم من المتحدرين من المهاجرين الحضارمة, الذين كانوا تجاراً تسلقوا الجبال المحيطة بالوادي وشقوا طرقهم عبر الصحراء الوعرة الى البحر. ومن هناك ركبوا المحيط الهندي ووصلوا الى اطرافه والي ابعد من ذلك قبل أن يعودوا بصحبة زوجاتهم الاجنبيات للاستقرار وسط اشجار النخيل في الوادي. 50 مليون قطعة سلاح لقد سادت امبراطوريات وبيدت في اليمن على امتداد اكثر من 3000 عام. اما جمهورية اليمن نفسها, فهي جمهورية حديثة فقد اتخذت شكلها الحالي عام 1990 عندما توحدت الجمهورية العربية اليمنية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كانت تهيمن على جنوب وشرق البلاد انطلاقا من عدن منذ طرد الاستعمار البريطاني منها في عام 1967. وقد تبنت الجمهورية الموحدة دستورا ديمقراطيا وبرلمانا منتخبا وصحافة حرة نسبيا.ً وتعرف اليمن بحرص أهلها على تقلد السلاح, حيث توجد في اليمن 50 مليون قطعة سلاح. وتوجد لها اسواق رائجة في جميع ارجاء البلاد. ففي صعدة على سبيل المثال, توجد سوق اسبوعية تعرض فيها مجموعة مذهلة من الاسلحة التي تتراوح بين بنادق الكلاشنكوف المألوفة والتي يحمل بعضها اسم مايكل جاكسون وبنادق الموزر الالمانية ذات الطلقة الواحدة والتي تعود الى القرن التاسع عشر. ويضع احد التجار لافتة على محله تقول: (علموا ابناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل) في محاولة منه لجذب الزبائن. ورغم توافر القنابل اليدوية في الاسواق فان اليمنيين لايقبلون على شرائها والسبب في ذلك برأيهم هو ان هذه القنابل تستخدم لقتل الناس. اما البنادق, وبشكل خاص الكلاشنكوف, فانها تعد جزءاً من الزي التقليدي للرجل اليمني, تماماً مثل الغترة الحمراء والخنجر. حضرموت الجميلة وتمتاز حضرموت بمبانيها التي ترتفع الى طوابق عدة والمبنية من الطوب الطيني والتي تجتذب اعداداً كبيرة من السياح من مختلف انحاء العالم الذين يأتون لمشاهدة ذلك الجمال الطبيعي وتلك الحياة التي لم تلوثها يد الحضارة المعاصرة. وتعيش المرأة في بعض مناطق اليمن, وخاصة الريفية منها, حياة منعزلة عن العالم الخارجي, وتنحصر علاقتها خارج محيط العائلة بنظيراتها من النساء فقط حتى انهن طورن لهجة خاصة بهن لا يفهمها الغرباء أبداً. وتغطي الاغلبية الساحقة من النساء اليمنيات انفسهن برداء اسود يخفي الجسم. غير أن هذا الوضع لا ينطبق على المدن الكبيرة, حيث تعمل المرأة بوظائف حكومية مرموقة وتقود السيارات بشكل طبيعي. وقد بدأ اليمنيون يتقبلون فكرة العمل تحت اشراف وقيادة المرأة. وهذا كله يعود الى التأثير الذي أحدثه التلفزيون والتعليم. وفي بعض الاماكن, تجد ان وتيرة التغيير تمضي بشكل أسرع. ففي ضواحي مدينة المكلا تنتصب صفوف من البيوت الحديثة التي تعبر عن الطفرة العقارية التي شهدتها البلاد بعودة بعض ابناء اليمن من الخارج لاستثمار اموالهم وبفعل الآمال الكبيرة التي وجدت بفعل احتياطيات النفط والغاز الكبيرة التي اكتشفتها شركة النفط الكندية أوكسيدنتال, حيث يصل انتاج اليمن من النفط في الوقت الراهن الى 210 آلاف برميل يوميا وهي كمية من المقرر زيادتها بالفعل. ويقول وليد جزراوي وهو الرئيس المحلي لشركة كنديان او كسيدنتال وهو كندي من اصل عراقي رداً على سؤال عما اذا كانت عمليات انتاج النفط يمكن ان تتأثر بفعل العوامل القبلية غير المواتية على نحو ما حدث في حقول نفط مأرب التي تحولت انابيب النفط بها هدفا لعمليات التفجير: (لا, فالمنطقة لاتتسم بالعنف على الاطلاق وهو يشير الى أنه حتى اذا ثارت المشكلات فإنه من الممكن تسويتها بحسب الآليات التي أفرزتها الاعراف الاجتماعية في المنطقة. حكايات وأساطير وفي اليمن تنفرد الاساطير والحكايات التي تتناقلها الاجيال, وعلى سبيل المثال تشير الاساطير الى ان القات ادخله الى اليمن راع لاحظ التأثير المنشط لاوراق القات على قطيع الاغنام الذي كان يرعاه, فجرب بنفسه مضغ بعض الاوراق, فمنحته الطاقة التي كفلت له السهر واليقظة طوال الليل. ويتعامل ابناء اليمن مع اساطير بكثير من الاعزاز ومن هذه الاساطير مايفيد ان شم, الابن الاكبر من ابناء نبي الله نوح هو الذي بنى مدينة صنعاء, وان اضواء قصر غمدان التي شيدت صنعاء صرحه في حوالي الوقت الذي ولد فيه المسيح كان من الممكن مشاهدتها من المدينة, التي تقع على بعد سبعمائة ميل الى الشمال. وفي قرية نائية ومتربة في الشمال يصادف المرء البقايا التي يعمل الصدأ فيها أنيابه لاسطورة يمنية جديدة انتشرت في أرجاء البلاد طولا وعرضا وهي الهليوكوبتر المصنعة من قطع غيار شاحنة من طراز جي. إم. سي والتي حلقت عاليا بالفعل, وقد بدا هذا أمر مشكوك في احتمال وقوعه على الاقل من وجهة نظر علوم الطيران, ولكن القروين يحتفظون بذكريات مايقولون انه وقع بالفعل عندما حلقت هذه الطائرة للمرة الاولى والاخيرة, ثم هبطت عموديا في موقعها الذي استقرت فيه أخيرا, وما من شيء فيما يبدو يمكن أن يهز هذه الذكريات ويسلبها حيويتها وتوهجها في أذهان القرويين. وعلى الرغم من هذا التعاطف مع الاساطير قديمها وحديثها. فإن الحياة في اليمن تمضي في الحركة بإيقاع سريع, وإن كان هذا الايقاع يغدو متمهلاً في بعض المناطق, حيث يبدو ايقاع الحياة في حضرموت على شيء من التمهل, ويسود الشعور بمناخ يتحدى الزمن, ويبدو هذا جليا بشكل خاص في شبام حيث ترتفع الابنية الرشيقة المقامة من المواد الطينية في عزلة تميزها في قلب الوادي. وفي الأصيل لن تغيب عن عيني الزائر جموع السياح الذين يقفون خارج البلدة حاملين كاميراتهم لكي يودعوا الافلام التي تحتويها هذه الكاميرات سحر هذه اللحظات الفريدة التي يعيشونها, عندما تكسو الشمس الغاربة المدينة بحلة من الذهب, غير ان لقطاتهم سرعان ما يرتسم فيها مشهد مذهل حيث تنهار دار عتيقه امامهم مباشرة متحوله الى ركام من الطين الجاف, مثلما قلعة من رمل اكتسحها فتهاوت امام لطماته الباطشة. ويقول أحد السكان معقبا على هذا المشهد: (العائلة التي كانت تسكن هذه الدار رحلت الى السعودية منذ ثماني سنوات, وتركت وراءها صنبورا تتقاطر منه المياه, فذابت الدار بأسرها من جراء هذه القطرات) . الواقع يتحدى الخيال ولايملك السائح إلا أن يتأمل في هذا الواقع الذي يتحدى الخيال, ويشبه قصة من قصص الرعب التي تدور حول الرمل وقطرات الماء والطين. وعلى الرغم من ذلك فإن الشجاعة تواتي هذا السائح يتسلق الدرج الذي يصعد به سبعة طوابق, ليصل الى سقف يطل على حافة المدينة ومن هناك يرقب الشمس وهي تغوص فيما وراء جدران الوادي وتتراجع اصوات ابناء المدينة وهم يتحدثون ويضحكون في هدأة المساء في الاسفل. لكن هدوء المساء ما تلبث ان تقطعه من بعيد صيحات لاعبي كرة القدم المفعمة بالحيوية والذين اتخذوا من الارض الرملية ملعباً مرتجلاً, وانطلقوا يمارسون رياضتهم المفضلة. ويقول احد مرشدي السياح معقبا على المشهد: (إنهم جميعا من الشباب الذين يعانون من البطالة, وقد عادوا من حيث كانوا يعملون في دولة عربية مجاورة فلا فرص للعمل هناك هذا العام) . وبوسع السياح ان يحدقوا ملء أعينهم في الأفق الممتد امامهم, ولكن الامر ليس كذلك بالضبط حينما ينظرون الى مباني المدينة فهناك خصوصية النساء اللواتي يظهرن من النوافذ والتي لا ينبغي ان تنتهكها الأعين الفضولية, سواء من جانب السياح أو غيرهم. ومهما أطلت البقاء في اليمن فإنك لابد لك وانت مغادر من ان تحمل بعض الطرائف التي توضح طبيعة الروح المتدفقة بالحيوية, وحب الحياة التي تحفل بها اليمن على الرغم من كل الصعاب والمشاق. فعلى سبيل المثال لايملك السائح الفضولي الا ان يحدث نفسه بضرورة كشف النقاب عن الحقيقة وراء أسطورة حديثة لايدري احد موضع الجد او والهزل فيها في إحدى مناطق صنعاء, حيث هناك مبنى مؤلف من مجموعة من الشقق التي تطل على طريق مطار صنعاء, وربما يرد ذكر هذا المبنى في حوار مع السفير الهولندي لدى اليمن مثلا, بل ان أمره قذ ذاع الى حد تتناقله معه الالسنه, حيث تجد من لايتردد في القول ان الجن تسكن هذا المبنى. وعندما تسمع مثل هذا مع الحديث فإنك لا تدر بالضبط مدى شعورك ولا طبيعة ما يمكن ان يكون عليه رد فعلك. هل تصمت رهبة وخوفاً؟ أم تضحك سخرية وطربا؟ حقيقة الاكذوبة على أي حال يكفي القول إن الامور وصلت الى حد أن أحد كاردي الشياطين والجن قدم من فرنسا خصيصا لمحاولة طرد الجني المزعوم ساكن هذا المبنى لا لشيء الا ليمنى بالفشل فيبتلع غيظه ويحمل عصاه ويرحل مغادرا اليمن بأسره. اما انت فإن الفضول يحملك على الذهاب الى هذا المبنى العتيد, وأنت بين مصدق ومكذب, وما تلبث ان تقابل هناك عابر طريق ينقل اليك خوفه ورهبته, حيث يؤكد لك ان المكان مسكون ولكن الحديث عنه ليس من شأنه, ولايلبث ان يغادرك مسرعا وقد اكتسى وجهه بلون الرماد خوفاً وفزعا. وإن هي إلا لحظات حتى تجد شابين يخرجان من المبنى ويدعوانك إلى أن تحكم بنفسك اذا كان مسكونا من عدمه. ومن حقك ان تضرب كفا بكف عندما تعلم الحقيقة البسيطة التي يقولانها لك وهما يضحكان ملء شدقيهما ومن القلب. كل الحكاية ان هذا المبنى يملكه عمر احد هذين الشابين, ومن سوء طالع ذلك الهم ان مسئولا حكوميا كبيراً اعجب بموقعه اشد الاعجاب وتصوره مكانا مثاليا لمشروع عقاري كبير يريد أن ينفذه, ومن هنا فإنه لايتردد في القيام بجهود كبيرة, بما في ذلك قيام الجنود باقتحام المبنى خلال احداث عام 1994, ولكن هذا كله لا يفلح في اقناع مالك المبني العنيد بمغادرة المكان, ولذلا فإن المسئول اياه لايجد مخرجاً إلا أن ينشر اعلانا صغيرا في نشرة صادرة عن وزارة الداخلية مفاده ان الجن قد سكن هذا المبنى, وبسرعة التقطته الصحافة في صنعاء فنشرته على سبيل الطرافة, ولكن طرفة الامس تحولت بها جد اليوم وصرامته. وعلى الرغم من أن هذه الحيلة الخبيثة افلحت في ثني المستأجرين عن الاقامة في المبنى, إلا أن المالك ظل على عناده فجعل ابن اخيه وصديقا له يقيمان في إحدى الشقق في قلب المبنى ليبرهن للجميع على ان المبنى ليس به جن ولا أرواح ولامن يحزنون. وعندما تعود الى السيارة التي استأجرتها لتقول للسائق الذي اقلك الى هذا المبنى وكأنك اكتشفت شيئاً لم يسبق اليه احد انه ليس في المبنى جن فإنك تجده يضحك وهو يقول لك انك كان ينبغي عليك ألا تصدق الامر منذ البداية لأنه.. ما من جن الا بني آدم, حسبما يؤكدون وسط ضحكاته الطالعة من القلب. إعداد: ضرار عمير