أثار عرض النص المسرحي (مغامرة المملوك جابر) للكاتب الراحل سعد الله ونوس والمخرج المصري مراد منير قلقا كبيرا في أوساط النقاد الصحفيين بين مؤيد ومعارض, وتعرض العمل لهجوم ضار كاد يتسبب في إغلاق المسرح! السبب الأساسي هو الرؤية غير المألوفة للمخرج مراد منير، والتي أتاحت للممثلين وخاصة أحمد بدير مساحة كبيرة من الارتجال, كما ان الكثيرين استنكروا ان يبدأ المسرح القومي بجورج (أبيض) وينتهي الحال بحسن (الأسمر). نفذ مراد منير وصايا سعد الله ونوس المسرحية حول العرض المسرحي وهي: تعمد كسر الطوق اليابس للعرض والتخلص من طقوس العمل الدائري ليبعث الألفة بين المتفرجين, وتقديم صورة عفوية تتخللها حكاية ذات مغزى بحيث يتحول العرض إلى ما يشبه (سهرة منوعات) ! بل ان المؤلف لا يمانع من تدخل المتفرجين في مجريات الأحداث وتعليقهم على العرض, والحوار بين الممثل والمتفرج وكل الوسائل الممكنة لخلق عرض حي ممتع يدفع المتفرج لتأمل مصيره. ونفذ مراد منير وصايا الناقد المسرحي الراحل د. على الراعي الذي رصد (النمر الشعبية) ووظيفتها الاجتماعية كما حقق مقولة بيتر بروك الذي قال أنه لابد ان يكون المسرح شعبيا وإلا فلا داعي له! في كواليس المسرح القومي قابلنا المخرج مراد منير وكان لنا معه هذا الحوار: هجوم شديد * تعرض هذا العرض إلى الهجوم والنقد الشديد كيف تأثرت بذلك؟ ـ أنا سعيد بالصراع النقدي حول العمل فهذا يعني القضية ولا يضعفها ورغم ان الأمر وصل إلى رغبة رئيس هيئة المسرح في إغلاق العرض إلا ان هناك بعض الأقلام المحترمة والجريئة التي تصدت لذلك وأنا أراهن على الأجيال الجديدة من الشباب وأسعى للحوار معها من خلال مسرح جاد وممتع, وسأظل حيا وشابا رغم العمر الطويل الذي قضيته في المسرح. * لماذا تدمن إخراج نصوص الراحل سعدالله ونوس؟ وما هي المساحة المشتركة بينكما؟ ـ لقد قال سعد الله ونوس مؤلف النص ان هذه المسرحية ليست إلا مشروعا للعمل, لأن بها المساحات والثغرات الفارغة والمشتركة عمدا لإبداع المخرج والممثلين ولكي يملأها العرض المسرحي بما يلائم الظرف والمكان, والمؤلف الراحل كان يحلم بمثل هذا العرض الذي تمتلئ فيه المساحتان, عرض تشترك فيه الصالة عبر حوار مرتجل وغني يؤدي في النهاية إلى الإحساس العميق بالجماعة وبالقدر الواحد ودون التفاعل مع المتفرج تفقد المسرحية كل مبرراتها وقيمتها, وميزة سعد الله ونوس كمؤلف انه يفتح مساحات في العرض لكي يمارس المخرج إبداعه ويضع رؤيته الخاصة للنص المسرحي وكأن المخرج مؤلف آخر للعرض المسرحي, وأنا مخرج لا أستطيع ان أسير بجانب العرض مفسرا فقط, لابد ان اقدم تفسيري الخاص للعرض وللحياة وللعالم.. هناك كتاب آخرون يصنعون نصوصا مغلقة. يرفضون التدخل في نصوصهم وكأنها نصوص مقدسة. المخرج سيد العمل * هل تعتقد ان المخرج هو سيد العمل؟ ـ بالطبع فالمخرج يختار النص الذي يريده ولو كان هناك اختلاف في الرؤية فلابد ان يكون هناك عدم التقاء أصلا.. المخرج لديه عناصر أخرى, ديكور وإضاءة وممثلين وموسيقى وجمهور وغيره. * ما هي رؤيتك للمسرح الشعبي والجاد وهل تحاول الوصول إلى صيغة تجمع بين مسرح الدولة والمسرح التجاري؟ ـ كانت روحي حائرة, أبحث عما أصنع وأتاني صوت د. على الراعي صدفة, وقال بحيوية مدهشة المسرح فرجة وتساءلت المذيعة, ماذا تعني الفرجة؟ فقال ان يكون المسرح ممتعا في جميع لحظاته وبجميع نوعيات جمهوره سواء كان جمهور الترسو أو جمهور المتأنقين القابعين على قمة الثقافة, المسرح الآن يلجأ للغناء والضحك والاستعراض ليقدم أعقد الأفكار ويختلط هذا حتى بالميلودراما التي تبكي حتى تدمي. ولقد كانت كلمات الراعي هي الرسالة. * ما هي مساحة الارتجال والخروج على النص وكيف تقوم بضبطها كمخرج؟ ـ أتابع الارتجال والخروج على النص وأنا خلف الكواليس ونحن نلتقط الأحداث الطازجة ونعبر عنها مثل قضية الخلع والكثير من الأحداث السياسية وكل ما يتم ارتجاله يتكرر يوميا وكأنه جزء من النص, نحن نقصد كسر الإبهام دون أي تشتيت للمشاهد, والارتجال جزء هام من المسرح الشعبي. * وهل تعتقد ان العرض باللغة الفصحى يناسب المسرح الشعبي الذي تهدف إليه؟ ـ اعتقد انه مناسب وليس غامضا لأنني أتابع رد الفعل لكثير من المشاهدين من الجمهور العادي فأجد أنهم يتفاعلون جيدا مع النص, لقد قمت بدعوة مديرة المنزل وأمها للعرض وكانت المفاجأة أنهما استوعبا القصة تماما دون أي غموض. * لكن رغم اختيارك للفصحى فإن الكثير من التعليقات الساخرة قد أصابتها وخاصة الكلمات العربية المهجورة! ـ غير معقول ان اختار الفصحى ثم استهزأ بها, لأن اختياري لها يعكس موقفا أصيلا. مطرب شعبي * وهل كان اختيار المطرب الشعبي حسن الأسمر هدفا أم وسيلة لاستدعاء جمهوره؟ ـ حسن الأسمر مطرب شعبي ممتاز وليس عيبا ان يأتي جمهوره من البسطاء والحرفيين للمسرح القومي وما يهمني ان تصل رسالتي وهذا مكسب للمسرح, وليس المطلوب ان يصبح المسرح القومي مسرحا ميتا. * استخدمت أسلوب ألف ليلة وليلة في رواية الحدث الدرامي سجعا فهل هذا مقصود أم محض تشابه؟ ـ هذا مقصود طبعا ويتواءم مع طقس العرض حيث تدور الأحداث في بغداد مكانيا وزمانيا في العصر العباسي وهذا الأسلوب تعود عليه الجمهور في متابعة الحكي. * كيف استطعت إقناع ممثل كبير ونجم شباك بالعمل في المسرح القومي رغم الأجور القليلة؟ ـ أحمد بدير ممثل محترم لا يبحث عن المال قدر بحثه عن النصوص الجيدة والقيمة الفنية ولقد عرض عليه أحد المنتجين مبلغا هائلا أثناء عمله في العرض ليتركه ولكنه رفض وبدير من أهم ممثلي المسرح في السنوات الأخيرة, ويجيد فن الارتجال كامتداد طبيعي لكل فناني الفرجة الشعبية مبدعي الكوميديا المرتجلة حتى نجيب الريحاني وعلي الكسار وقد عمل معي من قبل في مسرحية الملك هو الملك. داخل برواز مراد منير أسس جماعة المسرح التجريبي بالإسكندرية وبعد تدريبات معملية شاقة أخرج لها مجموعة من أعمال (جان جينية يولنسكو تشيكوف توفيق الحكيم). في 1978أسس جماعة المسرح المصري بقصر ثقافة الريحاني واستمرت التجربة حتى 1984 وكانت أهم أعمال هذه المرحلة: (المساخيط, المتنبي, زيارة السيدة العجوز). أخرج لمسرح الدولة (منين أجيب ناس لنجيب سرور, الملك هو الملك, الأيام المخمورة لسعدالله ونوس, لولي لأحمد فؤاد نجم, والفيل) واخرج للقطاع الخاص (ملك الشحاتين لنجيب سرور اثنين في قفة لألفريد فرج) قدم عروضه منين أجيب ناس في بغداد 1985 والملك هو الملك في دمشق 1989 وأحدث دويا جميلا على المستوى العربي. القاهرة ـ بيان الثقافة