كل هذه العذوبة (ما نحن إلا شمعتان محترقتان على هيكل حب عذري) (وما قلبنا إلا ذلك الزيت السحري الذي يحترقان به, أو تلك المضني قصيري الأجل, ما كان يمكن أن نسطع مثلما نسطع الآن في عمرنا هذا القصير وقد لمسنا فيه ذلك اللهيب المقدس. ** كوني كالزهرة اذ تعشق القمر, ولها فيه شريكات ترنو اليه في وجد وقد خضلت من نداها بدموع كوني كالريح إذ تعشق الغصن وهو مع الرياح يميل كوني كالضفة إذ تهوي الموج, وهو لكل الضفاف معانق كوني ككل هاتيك العاشقات اللاتي كلفن بمن ليس لهم قلب في هذه الدنيا أشياء لاتملك.. من الخير أن تظل للجميع. ** أيها الكون وقد نشدت لبابك عصرت في الشعر شرابك وأذبت في النغم حنانك انبغ ما فيك تعبير يلم شتاتك ** عندما غصت داخل نفسي, طفوت ومعي لآلئ نادرة انها تجارب أعمال وأعمار, مرت خلال دهور لاتحصى وتبلورت في بوتقة القِدَم. وكلما انبعثت من موت جديد, زادت مع كّر الزمان أصالتها انها تلك الأغاني التي تنساب بلا وعي من مزماري في لحظات الاشراق الخاطفة. ** غني النفس يعيش مع نفسه, ويعيش فقيرها مع الناس رب هب لي من خصبها ما يغنيني عن صحبة الغير فرب معزول في صَدَفته يرى فيها عالما أربح من الكون فكل ما فيه مضمر فيها من الأزل للأبد ولا يعوزها لادراكه غير لحظة اشراق ** كانت تلك قطوفا من ابداعات نفس شاعرة أطلق عليها صاحبها اسم (مقطوعات) وأودعها بين دفتي كتب شتى أصدرها بعناوين مفعمة بأريج الشعر من قبيل: الأغنية.. والأرغن والفسق وحديقة الورد وعصفورة الكناريا. اسمه (حسين عفيف) .. وهو اسم يكاد يتوه, ان لم يته فعلا وسط دوامات الانشغال وهدير آلة الطبع وماكينة النشر في وطننا العربي.. دع عنك أن الرجل عاش حياته راهبا في محراب الحياة.. لم يخص تجربة الزواج بل عاش اخواته البنات وعمل في سلك القضاء في مصر منذ عقد الثلاثينيات وما بعدها حين كان منصب القضاء يقتضي من شاغله حياة قوامها الزهد والعزلة ترفعا عما قد يشين السلوك ولو من أبعد الشبهات وابتعادا عن مجريات الحياة اليومية في الشوارع والأسواق وقد وصل حسين عفيف الى درجة المستشار الرفيعة وان كان قد أرتقي الى درجة نراها بدورها عالية وراقية وهي درجة الأديب المطبوع والشاعر الموهوب.. وربما حال بينه وبين ذيوع الشهرة الأدبية أن اختار في الكتابة سبيل الشعر المنثور, أو هو النثر الشاعري وكان ذلك ابتداء من صدور ديوانه الباكر بعنوان (الأغنية) في عام 1940 وكان وقتها في الثامنة والثلاثين من عمره. وكما عاش حسين عفيف حياته القضائية والابداعية في هدوء ورقة.. فقد رحل أيضا عن دنيا الأحياء في رقة وصمت وهدوء وكأنما شاء أن يرحل على استحياء شديد ولم ينل من آيات التذكر سوى بضعة سطور أكثر من متواضعة نشرتها الأهرام يوم 7/6/1979 جاء فيها أنه (شيعت بالأمس جنازة الأديب المستشار حسين حسن عفيف تغمده الله برحمته وأسكنه جناته) . ولكم وددت لو كتبت لك سطورا للتعريف بهذا الأديب الذي ارتاد آفاق قصيدة النثر كما أصبحت تسمى, وباب الاجتهاد فيها واسع رحيب حتى ألجأتنى حاجة نسيتها الآن كي أفتش في زوايا ورفوف مكتبتنا المنزلية العامرة.. وقتها صادفت كتابا دقيق الحجم محشورا بين مجلدات شديدة التضخم كأنما تدل بقوتها وجبروتها على ذلك الكتاب الصغير الذي شعرت انه يومئ الي بنظرة قرأت فيها معاني الاعتطاف.. فاذا به بالكتاب يحمل عنوانا بالغ الاقتضاب وهو (حسين عفيف) بقلم الأديب الباحث نبيل فرج (وهو بالمناسبة شقيق كاتب المسرح الكبير ألفريد فرج) وكم هممت, والنفس أمارة, بأن أرد الكتاب الى موضعه.. بل نقول الى مكمنه لولا أن لاحت نظرة الى أولى صفحاته فاذا بها تحمل بدايات مقدمة بقلم العم لويس عوض على سن ورمح.. ولما كنت أعرف أن الدكتور لويس كانت تربطه صلة صداقة ومودة مع الشاعر حسين عفيف فقد لان قلبي لاستعطاف الكتاب فكان أن أخرجته من عزلته أو فلنقل من حشرته وانفقت باقي ساعات اليوم لانجاز قراءته (59 صفحة من القطع الصغيرة) فكانت هذه السطور. ولد الشاعر الناشر حسين عفيف في طنطا, عاصمة دلتا النيل في عام..1902 في أسرة تهتم بالعلم والأدب وكان من أصدقاء الأسرة رجال أعلام من طراز القارئ الشيخ محمد رفعت أعظم من رتل آيات الذكر الحكيم والقارئ الشيخ علي محمود وكان من أحكم أهل الصفة سواء في ترتيل القرآن أو في انشاد القصائد الدينية (وهو بالمناسبة أيضا واحد من أهم الأستاذة الذين تعلم على يديهم الموسيقار محمد عبدالوهاب أصول الأداء السليم في فن الموسيقي الشرقية) وكان من أصدقاء أسرة عفيف أيضا أزهريون كبار مثل الشيخ عبدالوهاب النجار والشاعر النحوي الدرعمي (نسبة الى دار العلوم) علي الجارم بك. واذا اختطف المنون رأس الأسرة, وجد الفتى الشاعر حسن نفسه كما يقول الدكتور لويس عوض (وليا على سبعة أشخاص يطعم من يطعم ويعلم من يجب أن يتعلم ويزوج من يجب أن يتزوج) وهكذا عاش حسن عفيف اعزب ومسئولا عن أسرة كبيرة وقاضيا يتنقل بين أقاليم مصر وأديبا انضم الى جماعة شعراء أبولو الرومانسية التي شكلوها في فواتح الثلاثينيات وان كان قد اختار طريقا مغايرا لنهج تلك الجماعة. وفي هذا يقول عمنا لويس عوض: كانوا ينظمون (الشعر) وكان حسين عفيف يجمجم بشيء يشبه سجع الكهان أو يشبه نشيد الانشاد (المنسوب الى سليمان الحكيم في أشعار التوراة) أو يشبه شطحات الصوفية.. هذا ا لذي نسميه الشعر المنثور. وكان أكبر مؤثرين في تكوينه الأدبي هما رابندارنات طاغور شاعر الهند الكبير ثم لامارتين شاعر فرنسا الكبير. في هذا الاطار يتحدث حسين عفيف نفسه عن مكوناته الأدبية فيقول عن ابرز المؤثرات الفنية التي شكلت ذائقته الشعرية: عندما قرأت بعض سور القرآن وأنا صبي وبخاصة سورة مريم فسعدت بما فيه من جمال فأخذت أتابع كل نثر جميل يقع تحت يدي ومن ذلك ما كان يترجم نثرا من شعر طاغور وبايرون وشيلي ولامارتين وغيرهم وأحاول أن أسير على نسق هذا الأسلوب المنطلق الذي يحوي في الوقت نفسه مضمون الشعر.. ولقد تأثرت أبلغ الأثر في الشعر العربي بكل من أحمد شوقي وبشارة الخوري وعلي الجارم من المحدثين ومن القدماء ابي فراس الحمداني وعمر بن أبي ربيعة وابن النبيه (صاحب قصيدة أم كلثوم الشهيرة ومطلعها: * أفديه ان حفظ الهواء أو ضيعا مَلَكَ الفؤاد فما عسى أن أصنعا كما تأثرت بالجني وامرىء القيس فماذا عن مصادر الإلهام عند مبدع الشعر المنثور حسين عفيف؟ هو يجيب بنفسه قائلا: أهم مصدر للالهام هو الجمال حيثما وجد وهو أوفر ما يكون في المرأة ويلي ذلك الزهور والطبيعة والطيور الجميلة والفن الجميل وبعض الأحداث التي تؤثر في النفس أخيرا.. لماذا يفضل حسين عفيف ابداع الأدب بأسلوب الشعر المنثور! مرة أخرى يجيب قائلا: الشعر المنثور يتميز بالانطلاق.. واذا كانت قيود الشعر المنظوم تتيح الانضباط فإن انطلاق الشعر المنثور يتيح عمق النفس.. وهو يستعيض عن موسيقى الوزن والقافية بموسيقى داخلية تنبعث من نفس الكاتب. هكذا تحدث الشاعر حسين عفيف.. تقرأ دواوينه النثرية ان أجزت هذا التعبير فتشعر بحق أنك بازاء انسان آوى الى كهفه التراثي, يصغي الى موسيقى حميمة تنبعث من كيانه الداخلي ويرهف السمع في الوقت نفسه الى موسيقى الحياة من حوله تترامى اليه من بعيد مفعمة بشجن الحياة و شجونها وهو يصوغ من هذا كله كلمات و(مقطوعات) تفيض رقة وتقطر عذوبة وجمالا.