ضمن الانشطة المصاحبة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي اختتمت فعالياته في ابوظبي امس, نظمت الليلة قبل الماضية بالمجمع الثقافي ندوة لمناقشة كتاب (النخبة الخليجية بين الايديولوجيا والجغرافيا للدكتور سعيد عبدالله حارب, نائب مدير جامعة الامارات لشئون خدمة المجتمع، ادار الندوة الاديب ناصر الظاهري, رئيس اتحاد كتاب وادباء الامارات, حيث اشار الى اسهامات المؤلف في حقل التعليم والثقافة, إلى جانب عرض موجز شامل لأهم منجزاته مستعرضا اهم خصائص ومميزات الكتاب المطروح للمناقشة. استهل المؤلف حديثه بتقديم عرض للمحاور الرئىسية للكتاب, والتي تنطلق اساسا من التيارات الايديولوجية التي مرت بها منطقة الخليج بدءاً من عقد الخمسينيات الى ما بعد حرب الخليج الثانية, حيث كانت تمثل فترة انتعاش التيار القومي والوطني حيث اشار الى ظهور الناصرية والحركات القومية التي تنادي بالعروبة. ويرى الباحث ان مطلع الثمانينيات مثل حقبة تراجع المد القومي كما شهدت ظهور التيار الاسلامي, والتي شكلت النخبة الايديولوجية المؤثرة في المنطقة وذلك لعدة عوامل منها طبيعة اهالي المنطقة اللذين يميلون الى التدين والحفاظ على القيم الاسلامية من عادات وتقاليد ومبادىء. ولكن مع اقتراب فترة التسعينيات اشار الى نهضة التيار الليبرالي, ومثلت النخبة الليبرالية التي حسب تصور المؤلف مستقلون لا تنتمي الى ايديولوجية معينه فكانت تحتويهم المؤسسات, لذلك كانوا اقرب إلى مؤسسات الدولة, فهم كانوا على عكس الاسلاميين الذين حدث فيما بينهم توترات وحساسية تجاه مؤسسات الدولة عندما احتوت في بداية تأسيسها نسبة كبيرة من القوميين, وهذا أساسه المنافسة على المؤسسات مابين التيار الاسلامي, والتيار القومي, لكن بعد ازمة الخليج الاولى والثانية حدثت تحولات جعلت من التيارين القومي والاسلامي يقفان على أرض مشتركة واحدة لذلك كانت رؤيتهم تميل الى اعتبار الجغرافية عاملاً مهما اكثر من الايديولوجية وذلك بسبب ما تعرضَّ له كلا التيارين من عدم استقبال ودعم من الخارج الذي يعتبر المركز عندما خرجوا من المنطقة أبان حرب الخليج, فكانت العودة الى الجغرافية الواحدة بداية قطع الجذور مع المراكز ومثال ذلك انفصال الاخوان المسلمين في الكويت عن الاخوان المسلمين في مصر, وفي الحقبة نفسها بدأت تظهر بوادر الالتقاء المشترك بين التيارات المختلفة مع عدم نفي خصوصية كل تيار, حيث اشترك الجميع في الموقف ضد التطبيع مع اسرائىل كما حدث من خلال المؤتمر الشعبي ضد التطبيع حيث شاركت فيه كل التيارات في الكويت بمشاركة خليجية, وبقيت المنافسة قائمة على المؤسسات واصبحت المواقف أكثر مرونة حيث ابدى الاسلاميون مؤخرا من ائمة المساجد والخطباء عدم رضاهم عن الاعتداء التي تعرضت له فتاة في الكويت في حرم الجامعة بحجة انها غير محجبة, لانهم باتوا يرفضون الممارسة الخاطئة, وفي الاصل كان الاسلاميون في منطقة الخليج أبعد عن العنف وحتى بعض المحاولات الارهابية كانت فردية وليست ظاهرة كما كان يحدث في بعض البلدان العربية, إذ من طبيعة الشارع الخليجي عدم الاعتياد على العنف والارهاب. ويختتم د. سعيد عرضه بتأكيده على عدم الايمان والاقرار بثقافة خليجية, إنما هناك (خصوصية خليجية تنبع من الارتباط بمظاهر البيئة, وهذا يجب ألاّ يدعوا الى العزلة, فالثقافة الخليجية بالنهاية هي ثقافة عربية اسلامية تقوم على الانتماء للامة لغة وعقيدة وتاريخاً. نقاش مثمر النقاط التي اثارها المؤلف كانت موضع جدل وتفاعل كبيرين من الحضور, الذي اغنى الموضوع بمداخلاته, فكانت المداخلة الاولى حول دور النخبة من التيارات المختلفة التي عرضها المؤلف في حماية اللغة العربية لاسيما أنها شهدت تراجعاً في المنطقة كجزء من المهمة الثقافية لهذه النخبة, وتعقيباً على ذلك: يرى الباحث بان الوضع غير المرضي للغة العربية في الوطن العربي عامة, حيث اشار الى وجود لهجات مختلفة مصرية وسورية, متنوعة وبحكم علاقات الدول العربية بدول الجوار دخلت مفردات غريبة على المجتمع الخليجي, مشيراً الى انتشار بعض المفردات الفارسية في سوريا والعراق لكنها لم تطغى على اللسان العربي في المناطق لقلتها ولتركيبة المجتمعات في تلك الدول, على عكس التركيبة الموجودة في دول الخليج التي يوجد فيها عنصر العمالة الاجنبية, لذلك يظهر تراجع اللغة العربية واضحا اكثر من باقي الدول العربية الاخرى. ويشير الى ان هذا الامر لايقوم على المبادرات الفردية, مؤكدا على أهمية المشاريع العربية المشتركة وعلى رأسها مشروع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بشأن حماية اللغة العربية, واشهار جمعية حماية اللغة العربية في الدولة. وفي مداخلة اخرى حول الارهاصات لكل تيار من التيارات التي تطرق لها المؤلف في عرضه للكتاب, اشار الى ان التيار الاصلاحي وبتأثير من الاصلاحيين الذين برزوا في عصر النهضة المصرية, حيث امتدت تأثيراتهم الى عرب الخليج فكانت بوادر تطالب بمطالب لاتتمثل في تيار معين وذلك لانه لم يكن هناك في تلك الحقبة مؤسسات دولة كما هو عليه الحال فيما بعد. وعندما سئل عن سبب اغفاله لدور النخبة الاقتصادية قال بأن تقسيمه للنخب لم يكن وفقا لمفهوم محدد خارج الايديولوجيا والجغرافيا, مؤكدا ان هناك نخبة سياسية واقتصادية وغيرها من القيادات, كما اشار احد الحضور الى وجود نخب قيادية في المؤسسات السياسية والرياضية وغيرها من المؤسسات. ويعتبر كتاب د. سعيد حارب شهادة واقعية لاحد ابناء المنطقة حول مجريات الوضع الايديولوجي والثقافي والسياسي خلال عقود من الزمن مرت خلالها المنطقة بتحولات جذرية متأثرة بما كان يحدث في العالم العربي والدولي خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, وانعكاسات ذلك على المنطقة العربية بشدة, لذلك شكل الكتاب إضافة هامة من اجل كل قارىء يسعى لرؤية شمولية لتاريخ المنطقة. أبوظبي ـ عبد الرزاق المعاني