يصف النقاد ادب الخيال العلمي بأنه وليد القرن العشرين وأنه ثمرة من ثمار الثورة الصناعية التي شهدها العالم منذ أكثر من قرن وتكللت بغزو الفضاء والصعود الى القمر عام 1969. وهذا الادب يجمع بين انجازات العلوم والتكنولوجيا وبين مخاوف وأحلام ورؤى تتجاوز حدود الزمان والمكان, وقلق على مصير الانسان ومستقبله. وقد تجسد ادب الخيال العلمي في روايات وقصص وافلام سينمائية, ولمع عدد من كتابه أمثال: (جول فيرن) الفرنسي و(هربرت جورج ويلز) و(ليم كلارك) البريطانيين, و(بلاييف) الروسي. ومنذ بداية هذا القرن جرب الكتاب العرب ادب الخيال العلمي ومثل الريادة فيهم الكاتب المصري يوسف عز الدين عيسى المولود عام 1914 كما كتب في هذا الادب عدد من ادباء مصر العربية ومنهم توفيق الحكيم ومحمد عزيز الحبابي ومصطفى محمود وغيرهم.. وفي سوريا لمع اسم الكاتب الدكتور طالب عمران. وعلى مستوى الاديبات تنفرد الاديبة الكويتية طيبة أحمد الابراهيم عن الاديبات العربيات بكتابة ادب الخيال العلمي, فقد كتبت خمس روايات في هذا المنحى, صدرت الرواية الأولى منها في الكويت عام 1968 وهي الانسان الباهت, كما صدر لها عام 1991 روايتان هما: الانسان المتعدد, وانقراض الرجل. في عام 1980 نشرت جريدة السياسة الكويتية رواية (الانسان الباهت) على حلقات, وقد كانت اول كاتبة عربية وربما عالمية تنبأت بعملية الاستنتساخ على الانسان قبل تطبيقه العملي على النعجة دوللي في عام 1997. وحتى الان اصدرت الكاتبة خمس روايات في ادب الخيال العلمي هي: (الانسان الباهت) و(الانسان المتعدد) و(انقراض الرجل) و(ظلال الحقيقة) و(القرية السرية) والتي صدرت في عام 1999.. وبهذا فإن الاديبة الابراهيم تحقق الريادة في كتابة الخيال العلمي على ثلاث مستويات: الكتابة الروائية والقصصية في ادب الخليج, ادب المرأة العربية, والتطبيقات العلمية والاستنساخ بالذات. في الكويت التقت (البيان) الاديبة طيبة الابراهيم وحاورتها حول ادب الخيال العلمي والقضايا الادبية المطروحة على الساحة الكويتية. * ما هي الدوافع التي جعلتك تكرسين ادبك للخيال العلمي على الرغم من أنه مليء بالغرائب؟ ـ أولا أحب أن اقول أن اعمالي لم تقتصر على ادب الخيال فلدي عددا من الاعمال الادبية وهي (لعنة المال) (القلب القاسي) (اشواك الربيع) (مذكرات خادم) (سعيدة) (حذار أن تقتل) كتبتها قبل كتابة روايات الخيال العلمي وهي تصب في المحنى الاجتماعي. اما رواية (البلهاء) والتي صدرت مؤخراً وهي العاشرة في أعمالي, فهي تختلف عما سبقها بكونها ذات وقائع قريبة جدا من الحقيقة وقد تكون اقرب الى السيرة الذاتية. وفي هذا العام ايضا 1999 اصدرت رواية (القرية السرية) وهي من روايات الخيال العلمي. اما بالنسبة للدوافع التي تجعلني اكتب ادب الخيال العلمي فهي غير محددة في ذهني بصورة منفصلة, والذي اعرفه ان ثمة عوامل عديدة تتضافر وتقرر في النهاية المقومات الخاصة بفكر اي فرد, اي أنه توجد احتمالات لا نهائية لنفس العوامل التي تتعرض لها مجموعة من الناس, ومع ذلك تكون لها تأثيرات مختلفة بين فرد وآخر بحسب طرائق تداخلها في الاذهان مكونة افكارا متباينة لدى البشر تبعا لتلك الفروق الاحتمالية. ولذلك لايمكن رد اهتمام معين الى بواعث ودوافع بعينها, فأشياء كثيرة تساهم في تحديد المسار الفكري للانسان عموماً, ولكن قد توجد بعض السمات بالنسبة للاديب تحديدا لكي يبرز بنمط معين من الفكر تجعله يسير في هذا الاتجاه دون غيره. ميل نظري * ما هي الادوات الفنية التي تستخدميها في رواية الخيال العلمي.. هل ترين ان من الضروري ان يكون كاتب الخيال العلمي عالماً؟ ـ من السمات الاساسية لكاتب الخيال العلمي الميل النظري لكل ماهو مؤطر في جانب العلوم مع وجود الذهنية الاستيعابية لمعلومات العصر مع تلك المخيلة التي يجب أن تسبق التقنيات العلمية المعاصرة في تصور لما ستكون عليه الحياة من تطور أو انتكاسات نتيجة تلك الافكار العلمية, ثم تلك العناصر المساندة والتي تكون شخصية الفرد عامة وهي الدراسة والاطلاع الدؤوب وأخيراً الممارسة في ذات المحنى لكي تتوطد الخبرة. * إلى أين تريدين الوصول من كتابة روايات الخيال العلمي.. هل تسعين الى اكتشافات لم يسبقك اليها أحد؟ ـ ما أريده تحديدا هو ان تتفوق رواياتي على مجموع روايات الخيال العلمي بما تطرحه من رؤى. وأعتقد ان لكل رواية فكراً محدداً خاصاً بها سواء كانت منفردة أو مسلسلة يعبر عن نظرة معينة لأي أمر من الأمور أو يكون معالجاً لوضع ما, وبالنسبة لي الموضوع يختلف من رواية لأخرى فقد أعجب بالفكرة العلمية واتخيل فيما لو نجحت تطبيقاتها ماذا سيكون تأثيرها على الواقع المباشر أو على البشر أنفسهم, وهل تؤدي تلك الأفكار والتقنيات الى تحسين حياة الانسان أم الضرر به حسبما أتخيل ذلك. واحيانا تكون القصة العلمية نتيجة لأمنية اتمناها ولا أستطيع تحقيقها إلا باختلاق موضوع يعتمد على التقنية العلمية, قد لاتكون موجودة ولكن في طور الفكرة أو التجريب غير المكتمل فأكملها مستعينة بخيالي وبذلك أشعر بالارتياح النفسي على أساس من تحقيق لتلك الأمنية حتى ولو على الورق. * هل هذا ما أردت قوله في رواياتك الثلاث: الانسان الباهت, الانسان المتعدد وانقراض الرجل؟ ـ هذه الروايات الثلاث تتخذ الانسان منطلقا لها, فمجالها الانسان نفسه وإجراء التقنيات العلمية عليه, فقد نبهت الى المضاعفات التي تنتج عن عملية توأمة الانسان لنفسه (نسخ الانسان) كما نبهت الى النتائج المترتبة على طفل الانبوب. فكما أن الخيال العلمي يبشر بالتقدم الحضاري للعلوم, عليه واجب التحذير قبل الخوض بتقنية علمية تقوم بتغير صفة جذرية لدى الانسان مما يؤدي الى خلق انماط من البشر مختلفة. ففي روايتي (الانسان الباهت) تنبأت بأن إنسان الأنابيب سيكون مصابا بعقم نوعي وأنه لن يتكاثر إلا بالطريقة نفسها (التلقيح داخل الأنبوبة) وهذه أول صيحة تحذيرية تطلقها إحدى روايات الخيال العلمي. * ما هي الأولوية لدى كاتب الخيال العلمي: التشويق والاثارة.. ام الحقائق والاكتشافات العلمية؟ ـ ادب الخيال العلمي لايسعى الى كشف الحقائق العلمية كما هي, بل يستخدمها لتجاوز الواقع الذي تطرحه تلك الحقائق إلى ما هو أبعد من ذلك عن طريق الخيال في محاولة منه للمساهمة في العملية التطويرية, ولا يهدف الى المتعة والتشويق فحسب وإلا لاتخذ منحى أكثر سهولة, مع أنه لا يتطلب ممن يكتب هذا الادب أن يكون شديد الصرامة بالغ الجدية, فالمتعة المتولدة من قراءة العمل يسندها ويعززها البناء الغني والدرامي للعمل. * هل تمثل روايات الخيال العلمي مرحلة متطورة على الروايات الأدبية الاخرى ثم كيف ترين مستقبلها؟ ـ أدب الخيال العلمي يكاد يكون نادراً في العالم كله, والخيال العلمي أو العلوم التجريدية لها شريحة معينة من القراء سواء كان ذلك في الدول العربية أو في أي مكان آخر في العالم وهذه الشريحة آخذة في النمو والاتساع كلما ازداد اعتماد البشر في حياتهم على ما تقدمه الانجازات العلمية, ولذلك فإن روايات الخيال العلمي تعتبر جنسا متطورا على الرواية الادبية الكلاسيكية والمستقبل سيكون لها. غزارة انتاج * وأين موقع القارىء العربي في هذه الشريحة والتي ترين انها تتسع مع الوقت؟ ـ أنا أعتقد أن استيعاب القارىء العربي لروايات الخيال العلمي لا يقل عن اي قارىء في العالم فهو مثقف ومتابع والعقلية العربية ليست في حالة جمود تمنعها من الاستيعاب وإذا حدث ذلك للبعض فهذا يعود لعوامل اخرى وليس الى الذهنية. وبتواضع أقول ان كل من قرأ رواياتي ذهل. * أنت من الاديبات اللواتي يعتبرن غزيرات الانتاج حيث صدر لك حتى الآن عشر روايات. هل تكرسين حياتك للكتابة؟ ـ بدأت الكتابة منذ الثالثة عشر من عمري وكانت الرواية الاولى التي كتبتها هي (لعنة المال) وقد بقيت حبيسة الادراج الى عام 1996 فدفعت بها الى النشر بعد ان اجريت عليها بعض التعديلات, وبعد ذلك بعام كتبت رواية (القلب القاسي) وهي ثاني رواية أكتبها. وفي عام 1979 كتبت رواية (في ظلال الحقيقة) وهي الأولى في روايات الخيال العلمي, ولكنها لم تصدر الا في عام 1995 اي بعد صدور رواية (الانسان الباهت) و(الانسان المتعدد) و(انقراض الرجل) والأخيرتين صدرتا في عام 1991 وهذا يعني أن أول ماكتب ليس الاول في النشر, إذ تمر على الرواية فترات من السبوت ثم المراجعة عدة مرات قبل أن ترى النور. ووقتي ليس مكرساً كله للكتابة, فأنا عضو في رابطة الادباء الكويتيين, واتحاد الكتاب في سوريا ونادي القصة في مصر ايضا وعضو في مركز الحوار بأمريكا واقوم بنشاطات ثقافية متعددة على مستوى الكويت والدول العربية والاجنبية اضافة الى عملي الاساسي في وزارة الاعلام, قسم مراقبة النصوص في تلفزيون الكويت. * تنفردين عن المرأة العربية بكتاب أدب الخيال العلمي فأنت اول روائية تكتب في هذا النوع من الأدب.. هل تجدين في ذلك امتيازا للمرأة العربية وبشكل خاص الخليجية؟ ـ الندرة في كتابة ادب الخيال العلمي لاتقتصر على المرأة العربية بل تشمل الكتاب العرب ايضا وتفردي في كتابة هذا النوع من الرواية لا يعتبر الامتياز الوحيد لدور المرأة الكويتية الثقافي, فلدينا نسبة 50% تقريبا من مجموع النساء الكويتيات ممن يحملن شهادة جامعية, ومعظم نساء الكويت مثقفات ثقافة أكاديمية. اما اللواتي احترفن الادب فهن اعضاء رابطة الادباء الكويتيين وهن كثر وكل واحدة منهن قدمت اسهامات متميزة.