النسيان آفة يبتلى بها الإنسان دونا عن بقية مخلوقات الله, لأن الذاكرة منحة إلهية اختص بها الخالق الإنسان, وهي تخضع كغيرها لقانون الوجود والفناء, النقص والزيادة, القوة والضعف, وخلافا للبدايات في الطفولة والصبا حيث الذاكرة ناصعة و(حديدية) كما يقولون: يبدأ المرء في الشكوى من ضعف الذاكرة, أو النسيان, وتداخل الأسماء والأماكن, وهكذا, تخضع الأمم والشعوب لنفس القانون, وإن كانت آفة نسيانها, أشد وقعا وايلاما. لن نجد أخطر من فقدان أمة لذاكرتها الجمعية, فلن تصبح المسألة آفة نسيان فرد, بل فقدان وجود, وطمس هوية, وتهاوي قلاع وحصون كانت تحميها من غزاة, متأهبين للحظة تمكن فيروس النسيان, لينقضوا بعربدتهم الهوجاء, لاثارة الفوضى, والعبث بمخزون الأمة الحضاري, وتلويثه وادخال أجيالها الجدد إلى نفق النكران المظلم.. نكران ثوابت الماضي والدين ونكران ريادة من تحمل عبء شق طرق ممهدة وسقى شجرة النهضة بدمائه قبل عرقه. وعلى شاكلة برامج تنشيط الذاكرة الفردية لمن أصيبوا بآفة النسيان, تحتاج الأمم لبرامج مستمرة لتنشيط ذاكرة أبنائها, وتقويتها, وتحصينها واكسابها المناعة ضد محاولات الطمس والمسخ, وتكريس القطيعة مع الماضي, لانه لا مستقبل لمن لا ماضي له. والحفاظ على ذاكرتنا القومية والاسلامية فرض عين على كل مثقف, وواجب تجاه الأجيال الجديدة التي تترك نهبا لتيارات وافدة تحاصرها من كل جانب, وتقيم سدودا منيعة, تحرمها من التواصل مع حضارة الأجداد, حتى الأسماء المتداولة للأشخاص والأماكن صارت وافدة وغريبة عن نسيجنا الحضاري. وطيلة القرن الماضي ومع بدايات الغزوات الأوروبية الحديثة لمجتمعنا العربي الإسلامي, روج الغرب عبر المستشرقين وتلاميذهم من أبناء جلدتنا لاكذوبة ان الخصام مع ماضينا والاجتراء على قيم ديننا مفتاح سحري للعبور إلى الحداثة والنهضة ومسايرة العصر, وما زال البعض تنطلي عليه الخدعة, رغم افتضاح زيفها. وبنظرة سريعة للغرب وربيبته اسرائيل, ندرك ان التنشيط المزيف للذاكرة المصنوعة كان سر نجاح شرذمة اليهود في استيطان فلسطين, وكان الحرص على استحضار أسماء توراتية للأماكن والأشخاص هو جوهر برنامجهم. أما نحن فنساق للتفريط في ذاكرة حية وتاريخ صحيح وحضارة تأبى أن تموت إلا بأيدي أبنائها.. فأي غضب مرتقب يحيق بنا.. إن لم ننشط ذاكرتنا القومية؟ سيد زهران