بقلم: مهدي عيسى الصقر عند حافة الشارع, وسط هدير السيارات, واحتكاك عجلاتها المسرعة على اسفلت الطريق, وبين لغط المارة, ووقع خطواتهم المضطربة المتعجلة, على أرضية الرصيف, جلس ثلاثة كهول. جلسوا, في صمت, على مصطبة خشبية واحدة, بين كشك لبيع المرطبات, وحوض ورد كبير, من الاسمنت المسلح, يتوسطه عود أسود يابس.. بقايا شجيرة وردة ميتة. كان الوقت ضحى, والكهول الثلاثة يجلسون مولين ظهورهم لزحام الشارع, على وجوههم تلوح علامات الرضى, ربما كان ذلك بسبب الدفء الذي كانت تبعثه, في عظامهم المثلوجة, أشعة شمس الشتاء. أو ربما كان السبب ايضا, هو ان فواجع هذه الدنيا, وأهوالها, ماعادت تباغتهم, مثلما كانت تفعل, عندما كانوا اصغر سناً. كان واحد منهم كهلاً طويلا, ناحل العظام, يرتدي معطفاً أزرق جديدا, فوق دشداشته البيضاء, جلس عند حافة المصطبة, بجانب حوض الورد, يدخن ساهماً وكان الكهل, الذي يجاوره, قصيرا يرتدي نظارة طبية, يحدِّق من خلالها الى المارة في الطريق, ولكن لم يكن يبدو على وجهه أنه كان يهتم كثيرا بما يرى. اما الثالث, الذي كان رجلا ضخم العظام, فجلس على طرف المصطبة, المجاورة للكشك, ممدداً احدى ساقيه, في الشمس, كفاه الكبيرتان ترقدان ساكنتين, في حضنه, فوق رأس عصاه الغليظة الصفراء, الممتدة مع امتداد الساق أمامه. كان الكهول الثلاثة يستمتعون بأشعة الشمس الدافئة, بدون ان يتبادلوا كلمة واحدة, نحو ساعة من الزمن, مرت عليهم, وهم على جلستهم الساكنة, لا ينظر الواحد منهم في وجه صاحبيه. كانوا متآخين, في صمت, يشدهم رباط خفي. ولم يكن لديهم الشيء الكثير ليقولوه, كانوا قد استنفذوا كل ما لديهم, من كلام, في جلساتهم اليومية, على مر السنين... حتى ذكريات سنوات عمرهم الطويلة استنفذوها فيما مضى من الايام.. كرّروها حتى الملل, ثم ما عادوا يتكلمون عنها كانوا, أحيانا, يبتدعون مواضيع جديدة يتحدثون فيها, ولكنهم, في الحقيقة, كانوا يستريحون للصمت أكثر. لذلك فهم يقضون ساعات فراغهم الطويلة, يجلسون هكذا, في سكون, وفي صمت. تنبه الكهول الثلاثة, على جلبة اصوات, وشاهدوا الناس يتراكضون, وراء سيارة كبيرة صعدت الى الرصيف, ثم توقفت, أمام وكالة لبيع الألبان, على مقربة. تحرك الكهل الذي كان يمدد احدى ساقيه, في الشمس, ثم نهض واقفا مستندا على عصاه. حين وقف بدا مثل بقايا عملاق خربته السنون. راقباه, وهو يمشي بصعوبة, متوجهاً صوب الوكالة, مستعيناً بعصاه, يجرّ ساقا أعطبها شلل خفيف. شاهداه, بعد ذلك يأخذ مكانه, في نهاية طابور, من الرجال والنساء والصبية لم يقل أي منهما شيئاً, وتابعا جلستهما الساكنة. بعد قليل أطفأ الكهل, ذو المعطف الجديد عقب سيجارته, في حافة حوض الورد الاسمنتي, ورمى به في باطن الحوض, بين اعقاب السجائر, وعلب المرطبات الفارغة, ونهض. تقدم خطوتين, ووقف يتأمل معطفه مسروراً. ثم التفت الى الرجل القصير. قال يسأله: (حلو؟) أدار الكهل القصير وجهه. نظر الى المعطف, وقال. (حلو) . غير أن صوته, حين أجاب, خرج مخنوقا, لا يكاد يسمع. كان صوت من يعاني من مرض, أو عائق في أوتاره الصوتية. تساءل ذو المعطف الجديد, مرة أخرى. (ما حلو!؟) . كرر الرجل, ذو الصوت المخنوق, جوابه السابق, محاولاً ان يرفع صوته, إلا أنه أخرج الكثير من الهواء من حنجرته بدون ان يفلح في أن يرفع من درجة صوته, فاستعان بيده, لإفهام صاحبه بأن معطفه كان جميلا. قال ذو المعطف الجديد مزهوا: (هذا ابني اشتراه.. لما جاء في اجازة!) . تمتم الكهل المخنوق شيئاً. لكن ذا المعطف الجديد لم يستطع ان يبتني كلماته, فافترض ان صاحبه قال (الله يحفظه, ويرجعه لك سالما أو شيئا من هذا القبيل, فرد بامتنان. (ويرجع لك أولادك!) . بقي يقف, في الشمس, برهة أخرى, ثم عاد وجلس في مكانه. وتمدد الصمت بينهما, من جديد. رجع الكهل ذو الساق المعطوبة, بعد وقت طويل, يحمل بيده الكبيرة قالبين من الزبدة انهدّ, بجسده الضخم, على المصطبة, في مكانه, ومدد ساقه المشلولة أمامه سمعاه يدمدم, في استياء وهو يحاول أن يخرج شيئاً من جيبه. (مثل الحصان! رجوته ان يشتري لي قالبين من الزبد رفض!) . شاهداه يخرج, من جيبه كيسا أزرق من النايلون, ويدس في داخله القالبين, الذين اشتراهما, ثم يضع الكيس, في الظل, تحت المصطبة, رفع الكهل القصير وجهه اليه, وفح بصوته المخنوق, وهو يشير باصبعه الى صدره, عدة مرات. (أنا.. أنا!) . ثم نهض, في نشاط. صاح وراءه. (انتظر.. أعطيك الفلوس!) لم يفتح الكهل المخنوق فمه. ماجدوى ذلك, اذا كان صوته لا يسمعه احد. اشار بيده, وهو يمضي, إلى أنه سوف يأخذ الثمن فيما بعد. عندما ابتعد عنهما قال الكهل, ذو المعطف الجديد, معاتبا وهو يخرج علبة سجائره, من جيب معطفه. (كان أنا اشتريت لك!) فوجيء الكهل, ذو الساق المشلولة, بنبرة العتاب, في كلمات صاحبه. تمتم معتذراً: (والله أنا فكرت اكلفك.. لكن هو سبقني) ثم صمتا, وكان ذو المعطف الجديد يوقد سيجارته.