يمتاز العلماء المسلمون الذين شيدوا الحضارة الإسلامية بخاصية فريدة وهي خاصية الموسوعية.. فلم يكن الواحد منهم عالما متخصصا في فن واحد أو في فرع واحد من فروع العلم والمعرفة بل كان موسوعيا يعرف معظم ما انتهى إليه العلم في معظم التخصصات.. وعن "خاصية الموسوعية عند علماء المسلمين", كانت الندوة التي نظمتها جمعية مسجد محمود وتحدث فيها د. مصطفى الشكعة العالم الإسلامي الكبير الذي بدأ الحديث بقوله ان سارتون في كتابه (مقدمة في تاريخ العلم) حين وصل إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين لم يقتنع بما قدمه له مساعدوه فاضطر إلى تعلم اللغة العربية.. وبعد دراسة حضارة المسلمين انتهى إلى تقسيم عصور تاريخ العلم بحسب أبرز علماء الحضارة الإسلامية إبان الفترة من القرن الثامن وحتى القرن الثالث عشر الميلادي.. فأطلق على النصف الثاني من القرن الثامن عصر جابر بن حيان, وأطلق على النصف الأول من القرن التاسع عصر الخوارزمي, وأطلق على النصف الثاني من القرن التاسع عصر الرازي, وأطلق على النصف الأول من القرن العاشر عصر المسعودي وأطلق على النصف الثاني من القرن العاشر عصر الجورجاني, وأطلق على النصف الأول من القرن الحادي عشر عصر البيروني, وأطلق على النصف الثاني من القرن الحادي عشر عصر الخيام, وأطلق على النصف الأول من القرن الثاني عشر عصر ابن زهر الأندلسي, وعلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر عصر ابن رشد, وعلى النصف الأول من القرن الثالث عشر عصر الترجمة من العربية إلى أوروبا. لقد قمت بعملية إحصائية في أمر السور والآيات التي نزلت تدعو إلى العلم والمعرفة فوجدت ما يتعلق منها بمادة علم 804 آيات بالإضافة إلى 52 آية لمادة خبر و20 آية لمادة قرأ, 80 آية لمادة أنبأ, 94 آية لمادة عقل, 20 آية لمادة فقه, 18 آية لمادة فكر. ومجموع هذه الآيات 1088 آية وعدد آيات القرآن 6232 آية أي ان سدس آيات القرآن الكريم نزل في العلم وتمجيده والتشجيع عليه والسعي إليه.. لكن حينما يقرأ الإنسان قول الله تعالى (وقل رب زدني علما) وأيضا (إنما يخشى الله من عباده العلماء) .. وقوله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط..) فإنه يصاب بالرهبة والفزع في نفس الوقت ومن هذه الأرضية التي كلها علم وتدعو إلى العلم خرج العلماء المسلمون الموسوعيون الذين علموا العالم. ان الفراعنة وصلوا إلى كثير من خبايا العلم ونبغوا في كثير من العلوم ولكنهم لم يكن لديهم هذا التنوع الكبير والموسوعية مثلما كان الحال عند المسلمين.. وفي الحضارة اليونانية لم يصل العلماء عددا وكما وكيفا وتنوعا مثلما كان هو الحال في الحضارة العربية الإسلامية. إننا ندهش حينما نسمع عن أسماء علماء مثل ابن سميل وابن الكلبي وأبو عبيدة والأصمعي والهيثم بن عدي والمدائني.. وهم علماء عاشوا في القرن الثاني الهجري وكل واحد منهم ترك من الكتب ما بين مئتين إلى ثلاثمئة كتاب. أساس حضارتنا وقال د. مصطفى الشكعة ان العلم كان في أوله هو العلم الديني.. فقد كان جميع العلماء المسلمين بلا استثناء أخذوا العلم أول ما أخذوا من المعين الديني فكان تعليمهم إسلاميا يركز على علوم اللغة والشريعة.. وهكذا فإن جميع العلماء المسلمين سواء من استمر في طريق العلم الديني أو من تفرع في العلوم التطبيقية أيضا بدأوا بالعلم الديني الإسلامي مع التركيز على اللغة العربية التي هي مفتاح العلوم الإسلامية والتقصير فيها تقصير في الدين. ولقد أقبل المسلمون على تعلم اللغة العربية سواء كانوا عربا أو غير عرب لأنها لغة القرآن والعقيدة والشريعة.. فالبيروني لم يكن عربيا وابن جني كان يونانيا وابن طفيل والجاحظ لم يكونا عربيين ومع ذلك تعلموا اللغة العربية وصاروا أساتذة لنا فيها. ومن أجل ذلك تأخرت كتابة العلوم الإسلامية بعض الشيء لكنها بدأت شابة بغير طفولة.. فابن الكلبي مثلا كتب في تسعة فنون.. وفي كل فن كتب عشرات الكتب.. فكتب في الأحلام والمآثر والموجودات وأخبار الأوائل وأخبار البلدان والشعر والأسماء وأخبار الجاهلية وأخبار الإسلام.. وهذه مقدرة غير عادية وتمكن غير بسيط من ألوان متفرقة من الفنون.. والمبهر أنه بلغ الذروة في كل فن.. وكتاباته فيها جميعا متميزة وليست تسويد ورق فقط.. وإنما هي مليئة بالعلم والفهم والدقة والوعي. موسوعية علماء المسلمين ومن العلماء المسلمين المشهورين الطبري وهو يشتهر بالتفسير فهو عمدة المفسرين.. فهو في تفسير القرآن كأنما لم يتخصص في علم من العلوم سواه. لكن الذي يقرأ التاريخ لا يستطيع ان يفهم تاريخ الإسلام بدون ان يقرأ تاريخ الطبري وكأن الطبري لم يكن متخصصا في علم من العلوم سوى التاريخ. وإذا ذهبنا إلى الفقه وجدنا الطبري إماما في الفقه وصاحب مذهب فقهي وكأنه ليس متخصصا إلا في الفقه وهكذا الأمر في القراءات والعقيدة والحديث والأصول والسير والقضاء والأخلاق والرؤى والأحلام واللغة والشعر. وإذا نظرنا إلى الامام أبي حنيفة لوجدناه وكأن منتهى علم الفقه وأصول الفقه والتوحيد والعقيدة إليه.. وفي نفس الوقت كان أبو حنيفة عالم أخلاق وعالم اقتصاد وعالما في البيع والشراء. والميراث الفقهي لأبي حنيفة والذي يتبعه ملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من المسلمين ويقضي به القضاة ويجري العمل به في القوانين والمحاكم.. كل ذلك يؤكد عبقرية هذا العالم الموسوعي الذي جمع فنونا عديدة من العلم بلغ فيها جميعا المنتهى. والإمام الشافعي كان حجة في اللغة وكان شاعرا لا يشق له غبار وهو الذي قال: لولا الفقه لكنت أشعر من لبيد.. وهو اشعر من لبيد بالفعل رغم الفقه.. وبالإضافة إلى نبوغ الشافعي في علوم اللغة العربية والشعر فقد كان أصوليا متمكنا, فهو الذي وضع أسس علم أصول الفقه في كتابه الرسالة.. وهو حجة في علم التوحيد والعقيدة وحجة في الفقه وحجة في أيام العرب وتاريخ العرب وتاريخ الإسلام وكان عالما بالفراسة أي يتفرس الإنسان فيعرف شخصيته من قسماته وملامحه. أما الباقلاني فمشهور بأنه صاحب أشهر كتاب في إعجاز القرآن لكنه عالم وحجة في التفسير والفقه والأصول وعيون الكلام والطبقات والديانات والفرق الإسلامية والأخلاق والتاريخ والأدب والنقد. وقد ترك الباقلاني خمسة وخمسين كتابا.. يعتبر كل كتاب منها عمدة في مجاله.. فضلا عن لباقته ومحاضراته وجدله مع القساوسة.. وكان جالسا ذات مرة مع أحد القساوسة فسأله عن حاله وحال أولاده فاستنكر القس ذلك وقال أتسأل عن أولادي؟ ألا تعرف ان القساوسة منزهون عن الأولاد.. فقال الباقلاني بسرعة أتنزهون أنفسكم عن الولد وتنسبونه إلى الله؟! ومن العلماء المسلمين الموسوعيين أيضا أبو الحسن الماوردي وكان يمتلك دكانا يبيع فيه ماء ورد.. وهكذا كان كل أو غالبية العلماء.. ليسوا موظفين.. لأن العالم إذا كان موظفا فقد أسقط ركنا من أركان علمه والماوردي كتبه غير معروفة العدد لأن بعض العلماء كان يحرق كتبه خوفا من تفسير أفكارهم تفسيرا ينسبها إلى الضلال.. والماوردي كتب الأحكام السلطانية ومفتخر علوم القرآن وأمثال القرآن والتفسير الكبير للقرآن الكريم والحاوي في الفقه الشافعي وكتبا كثيرة في السياسة مثل أخلاق الملك وسياسة الملك ونصيحة الملوك وأدب الدنيا والدين.. الخ. وأما مذهبه الإسلامي فقد جعل العلم في خدمة الفقه والعقيدة. ومن العلماء الموسوعيين أيضا أبو حيان التوحيدي وقد أحرق كتبه جميعا وكانت ثمانية وعشرين كتابا.. كل كتاب يساوي ألف كتاب.. لأن ما أفلت منها ووصل إلينا وهو كتاب الإمتاع والمؤانسة يساوي ألف كتاب فعلا. وقد كان أبو حيان يحترف الكتابة عند وزراء بني بويه وكانوا لا يحسنون معاملته فسمع به أحد الوزراء في بغداد فأرسل إليه واجتذبه وطلب منه ان يقيم بعض المحاضرات.. فألقى الرجل أربعين محاضرة في كل فن يخطر على البال وكان يجلس ولا يعرف في أي موضوع سيتحدث فإذا ما تعب القوم قال له الوزير لقد أمتعتنا غاية الإمتاع وآنستنا غاية المؤانسة فهات حكاية الوداع.. وهكذا. وفي تعقيبه قال د. كارم غنيم الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر: ان التراث العلمي العربي الإسلامي بقدر ما هو مليء بالكنوز بقدر ما هو محتاج للكشف عن لآلئه ومكنوناته وبقدر ما هو أيضا محتاج إلى تنقيته من بعض ما لا يتفق مع حقائق العلم الحديث. فكتب التفسير رغم أنها يعاد طباعتها وتداولها إلا ان القارئ الفاقه لحقائق العلم يجد في بعض هذه التفاسير ما يتناقض مع حقائق العلم.. وعلى العلماء ان يتولوا تنقية هذه الكتب مما بها من إسرائيليات وأمور تعد من الخرافات والأساطير.. وخاصة عند الآيات التي تتعرض للإشارة إلى الكون أو الأرض الخ. هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإننا نسجل هنا بعض الاختراعات والاكتشافات ذات الأصول الإسلامية حتى يعرفها الشباب لأن الغرب يحاول ان يطمس هذه الحقائق.. فالدورة الدموية الكبرى والصغرى لابن النفيس سطا عليها هارفي ونسبها لنفسه وينسبها الغرب لهارفي ولا يذكرون ابن النفيس.. وهكذا. فالتخدير اكتشفه ابن سينا.. والنظارة اكتشفها ابن الهيثم, واكتشاف وتطوير صناعة الورق ثم الإبرة المغناطيسية والبوصلة وبارود المدفع والمضخة الماصة الكابسة والكاميرا والبندول وقوانين الحركة الثلاثة ونظرية تكوين الكائن الحي ونظرية المورثات.. كل هذه وغيرها اكتشافات إسلامية رغم انها تنسب إلى علماء أوروبيين محدثين. وأضاف د. كارم غنيم: ان عطاء المسلمين في الحضارة العالمية لم يكن قديما فقط بل هو قائم الآن أيضا.. فخمسون في المئة من الأطباء المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا واستراليا من العرب المسلمين.. وثلاثة وعشرون في المئة من المهندسين المهاجرين من العرب المسلمين.. هذا إلى جانب إخوانهم المسلمين من غير العرب. وهكذا فإن الكفاءات الكبيرة التي أسهمت في العقل الأمريكي والأوروبي المعاصر هم أبناء المسلمين العرب.. فأحد التقارير العلمية المصرية تقول إنه في ست سنوات ذهب ألف وخمسمئة مبعوث إلى أمريكا للحصول على الدكتوراه عاد منهم مئتان فقط واستقر هناك ألف وثلاثمئة. القاهرة ـ البيان ـ السيد أبو داود