بقلم: أحمد عبدالتواب أحمد صلة المسلم بالناس تشملها السماحة ويظللها الحلم ويحيط بها العفو والتجاوز وضبط النفس, إن ذلك من علائم التقوى وامارات الايمان كما انه من دلائل قوة النفس وسموها واعتدادها بإيمانها وارتفاعها عن سوءات الحقد ومشاعر السوء. وقد كان ذلك المعنى من معاني الايمان بعد ان بدل الاسلام أفهام العرب عن القوة والبأس فقد كانوا من قبل ينظرون ان القوة في الانتقام والغلبة ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه (ما تعدون الصرعة فيكم؟) ـ أي القوي الشجاع ـ قالوا: الذي لا تصرعه الرجال, قال: (لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب) فذلك هو الذي نضج ايمانه وقهر هواه وسيطر على نوازعه وسلوكه, ولئن كانت المشاعر الغريزية للانسان تدفعه إلى الانتقام والانتصار وتغريه ان يقابل السوء بمثله فهذا حق أباحه الاسلام للنفس البشرية, مقيدا بعدم التجاوز كما يقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وكما يقول في أوصاف المؤمنين: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) لكن الاسلام بعد تقرير هذا الحق أهاب بالانسان ان يسمو إلى منزلة أعظم من ذلك وأكرم منزلة ينالها المسلم بايمانه وتقواه وله بها أعظم الأجر من الله, وفي ذلك يقول تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين) . وذلك يجعل المسلم يؤثر ثواب الله على شفاء الغيظ واجابة نداء الانتقام ويصفح عن أخيه رجاء لما عند الله من عظيم الأجر فقد تكفل بارضائه واثابته جزاء تجاوزه عن الاساءة وترفعه عن الانتقام, كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: (فأجره على الله) وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة, ينادي مناد: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة وهم العافون عن الناس) . ان المسلم يعلم أن الحلم والعفو منزلة من منازل الايمان وليس علامة ضعف ولا أمارة جبن انه امارة اليقين بأن الله صاحب الحساب والجزاء وبأن ثوابه الذي أعد للعافين عن الناس خير من لذة الانتصار والانتقام ولذلك يرقى المسلم إلى تلك الدرجة العليا وذلك الثواب العظيم يبين ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظاً وهو يستطيع ان ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء) , وهذه دلالة على استحقاقه الجنة وفوزه برضوان الله. ان الاسلام يجعل العفو والصفح سبيلا من سبل التهذيب الخلقي ينظف القلب من مشاعر الحقد ويطهره من نزعات السوء وبذلك يرتفع يقين المسلم ويثبت ايمانه ويبلغ كماله فتعلو منزلته عند الله ويعظم ثوابه, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات, قالوا: نعم يا رسول الله. قال: (تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك) وذلك سمو بالانسانية إلى أرفع درجة يطبقها الانسان فيهذب نفسه ويطهرها من نوازع الشر وبواعث الانتقام. والمسلم في ذلك العفو والتسامح يصدر عن وعي بأمن المجتمع وسلامه فهو يعلم ان صغار الشرور تهيج كبارها وان التنازع يودي بقوة الجماعة فالخصومة والقطيعة بين الأفراد والجماعات تهدم أمن المجتمع وتزلزل أركانه وتجعله مسرحا للفتن والأحقاد, (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) . والمسلم يعلم ان رباط الأخوة من القوة والأصالة بحيث لا تفصمه الضغائن أو أزمات الحياة وصعاب المعاملة, فالأخوة بين المسلمين يجب ان تكون أقوى من المنازعات والأحقاد فإن الصلة بينهم من صنع الله يقويها اجتماعهم على دينه ونصرتهم لشريعته, ومن هنا يصبح العفو ضرورة يحتمها حفظ الكيان الاجتماعي ويدعو إليها ما يجب ان يشيع بين المسلمين من حب ورحمة حتى تنمو الصلات وتقوى الروابط (وليعفوا وليصفحوا, ألا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم) . وإذا كان هذا شأن المسلم في الصفح والغفران عن زلات أخيه فإنه بالأحرى لا يعتدي عليه ولا ينتهك حرمته, فالعدوان جريمة ينبغي ألا يفكر فيها مسلم, وأمامه قول الرسول الكريم: (كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه) . فأيا ما نظر المسلم إلى أخيه فلن يجد منفذا للشر ينفذ منه إليه مادامت الأخوة بينهما قائمة ومادام الحق والعدل يظل المجتمع كله, فلا سباب ولا نزاع ولا قتال بين المسلمين وإلا فهو الفسق والكفر, كما قول صلى الله عليه وسلم: (باب المسلم فسوق وقتاله كفر) ويقول: (ما من مسلميْن إلا وبينهما ستر من الله عز وجل فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر خرق ستر الله) . تلك هي الصلة التي تنبغي بين المسلمين. وبالله التوفيق.