بقلم: علي عيد اذا أعطى الحق تبارك وتعالى بعض عباده نعمة من النعم من مال أو صحة أو جاه, ربما استعمل هذه النعمة في غير موضعها, واستطال بها على الخلق كبرا وغرورا, بدلا من أن يؤدي شكرها ويتواضع بها لواهبها وبين خلقه. وليس هناك انسان وطئت قدماه صفحة الأرض, حاز من الفضل والشرف والخير الأعم, ما تحقق لنبينا صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك كان كلما زيد له في الفضل زاد في التنزل عن قدره تواضعا وعرفانا بفضل ربه. ففضلا عن عراقة النسب بين البشر, وأنه من صفوتهم, مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تعالى اصطفى كنانة من ولد اسماعيل, واصطفى قريشا من كنانة, واصطفى من قريش بني هاشم, واصطفاني من بني هاشم) كان هناك اصطفاء من نوع آخر, يؤهله ليكون أمينا على رسالته الى العالمين, بل ليكون سيدا للبشر جميعهم, فقد قال الحق تبارك وتعالى: (ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) وقال عز وجل. (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين) وقال عز من قائل: (قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والارض لا اله الا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) وقال هو صلى الله عليه وسلم عن نفسه بين أنبياء الله وقادة البشر: (ان مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فحسنه وأكمله الا موضع لبنة, فجعل الناس يطوفون حوله ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! فأنا اللبنة, وأنا خاتم النبيين).. ولا مراء أنه صلى الله عليه وسلم أعده ربه وادخره لزعامة الأنبياء, باصطفائه لموقع الشهادة على قادة الامم المصطفين عند الله, مصداقا لقوله تعالى: (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا). واصطفاه كذلك لموقع الشفاعة العظمى التي يتقاصر عنها كل أنبياء الله من لدن آدم حتى عيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام, والتي بينها قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر, وأنا أول من تنشق الأرض عنه ولا فخر, وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر, وما من نبي آدم فما سواه الا تحت لوائي, وأنا اول شافع واول مشفع).. ويبينها كذلك قول ابي هريرة في الصحيح: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع الذراع اليه وكانت تعجبه, فنهش منها نهشة, فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, أتدرون بم كان ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد, فيسمعهم الواعي وينفذهم البصر, وتدنو الشمس, ويبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون, بعض الناس لبعض: الا ترون ما أنتم فيه؟ الا ترون ما قد بلغكم؟ الا تنظرون الى من يشفع لكم عند ربكم؟ فيقولون: ائتوا آدم, فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت ابو البشر, خلقك الله بيديه, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة فسجدت لك, اشفع لنا عند ربك, ألا ترى ما نحن فيه, ألا ترى ما بلغنا؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله, وقد كان نهاني عن الشجرة فعصيته, نفسي نفسي, اذهبوا الى غيري, اذهبوا الى نوح, فيأتون نوح فيقولون: يا نوح أنت أول رسول الى أهل الأرض, وسماك ربك عبدا شكورا, اشفع لنا عند ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وقد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي, اذهبو الى غيري, اذهبوا الى ابراهيم: فيأتون ابراهيم فيقولون: يا ابراهيم انت رسول الله, اتخذك خليلا من أهل الارض, اشفع لنا عند ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده, وذكر كذباته الثلاث, نفسي نفسي, اذهبوا الى غيري اذهبوا الى موسى, فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله, فضلك على الناس برسالاته وبكلامه, اشفع لنا عند ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وقد كنت قد قتلت نفسا لم اؤمر بقتلها, نفسي نفسي اذهبوا الى غيري, اذهبو الى عيسى, فيأتون عيسى فيقولون, يا عيسى انت رسول الله, وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه, اشفع لنا عند ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, ولم يذكر ذنبا, نفسي نفسي اذهبوا الى غيري, اذهبو الى محمد, فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله, وخاتم النبيين, وغفر لك ما تقدم من ذنبك, اشفع لنا عند ربك, الا ترى ما نحن فيه, الا ترى ما قد بلغنا, فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً, ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد من قبل, ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك, وسل تعط, واشفع تشفع, فأقول: يا رب أمتي أمتي, فيقول: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن من ابواب الجنة, وهم شركاء الناس في غيره من الأبواب, والذي نفس محمد بيده, ان ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو ما بين مكة وبصرى). ومن ثم فهو صلى الله عليه وسلم خطيب الأنبياء وأميرهم وحامل لوائهم لا مراء, بل ان فضله لحق بأمته, فنالها من فيضه مالم تنله أمة اخرى, فثبت في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). والعجب من كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يجد في اجتماع هذه الفضائل له مدعاة لفخر وهو الانسان, وانما يأخذه شعور جارف بالتواضع وهضم الحق, فتجده يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر, وبيدي لواء الحمد ولا فخر, وما من نبي, آدم فما سواه الا تحت لوائي, وأنا اول من تنشق الارض عنه ولا فخر, وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر). وقد ذكر العلماء انه منح مقاما يحمده فيه كل خلائق الله, استدلالا بقوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا).. فقالوا هو مقام الشفاعة العظمى الذي تحمده فيه الخلائق جميعا. وبعد ذلك كله تعجب أشد العجب, حينما تجده صلى الله عليه وسلم يتذلل لربه, ويتخشع الخشوع كله, ويهضم حقه ويتنزل عنه, فيقول ذات مرة: (ما ينبغي لعبد ان يقول: انا خير من يونس بن متى) رغم ان يونس بن متى ـ عليه السلام ـ نبي مرسل الى قرية صغيرة بالقياس الى رسالة النبي الى العالمين, هي قرية نينوى, وغضب منها وتركها ولم يصبر, وابتلاه الله سبحانه وتعالى, بالتقام الحوت له, فسبح ربه وأناب اليه طالبا غوثه فاستجاب له ونجاه من الغم فنبذه الحوت الى البر, (وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين, فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين). ان نبينا صلى الله عليه وسلم يوصد باب الفخر فلا يفتحه لنفسه, ولا يسمح لأحد من أمته أن يفتحه, تنزلا وتواضعا وتخشعا واكبارا لغيره وهضما لحقه, فيقول للأمة (لا تفضلوا بين الانبياء ولا تخيروني على موسى) فهو لا يحب الفخر, ويخشى الغرور, ويهرب من الكبر, ويتواضع للحق, ويخفض جناحه للمؤمنين, فقد قال واصفوه: انه كان يعلف الناضح بيده, ويعقل البعير, ويقم البيت ويحلب الشاة ويخصف النعل, ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه, ويطحن عنه اذا تعب, ويشتري الشيء من السوق فيحمله الى أهله, ويصافح الغني والفقير, والكبير والصغير, ويسلم مبتدئا على كل من يستقبله من صغير أو كبير أو أسود أو أحمر أو عبد أو حر, وكان يركب ما أمكنه, مرة فرسا ومرة بعيرا, ومرة بغلة ومرة حمارا وأحيانا يمشي راجلا حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة, وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل على الارض ويعقل الشاة ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير, ونحن نذكر موقفه حين كان مع أصحابه في سفرة مرة, فلما عزم اصحابه على اعداد شاة للطعام, وقال أحدهم: عليّ ذبحها, وقال الثاني: عليّ سلخها, وقال الثالث: عليّ طبخها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم, وعليّ جمع الحطب, قالوا: يا رسول الله انا نكفيك العمل, فيقول: قد علمت انكم تكفونني, ولكني أكره أن أتميز عليكم, وان الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه) . ان نبينا صلى الله عليه وسلم يرى ان غاية تكريمه ان يكون عبداً خالصاً لله سبحانه وتعالى, ويغلق باب التجاوز في حقه بالمدائح فيقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم, فإنما أنا عبدالله ورسوله, فقولوا: عبدالله ورسوله)..! ويدخل عليه رجل فيقول: (يا سيدنا وابن سيدنا, ويا خيرنا وابن خيرنا, فقال: أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان, فانما أنا: محمد بن عبدالله, عبدالله ورسوله, فقولوا: عبدالله ورسوله, فوالله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله)..! وفي غزوة الفتح التي كانت نصرا مبينا, يدخل مكة خاشعا متواضعا لربه حتى ان لحيته لتمس ظهر راحلته, مسبحا متواضعا متخشعا, لا مزهوا ولا متكبراً..! وفي حجة الوداع كان سرج راحلته قطعة قطيفة تساوي أربعة دراهم, وهو يقو ل: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة, وحبلها ليف, لا تخلو منه خيمة العبيد..! ومع هيبته وجلاله كان يلاعب الابناء والحفدة ويتبسط مع نسائه حتى المسابقة, ذلك كله من تواضعه لربه إقراراً بفضله, ومن ثم رفع الله له ذكره وأعلى شأنه, وصدق فيما قال: (من تواضع لله رفعه الله, ومن تكبر وضعه الله) والله الهادي سواء السبيل.