عودة مسافر غير عزيز عندما يغادرك عزيز, يسافر في حال يعلم انه راجع منه متى ما انقضى المراد. في لحظة الوداع ينقبض قلبك, يغلبك الحزن والدموع, تشعر ان الدنيا وما فيها ضيقة, وانها لا تتسع ولا يعود لها الفرح إلا بعودة العزيز. وتنتظر العزيز, لوعة الانتظار تشعرك بأهمية حساب الوقت, قد تخطئ في العد, تستعجل الأيام, فيك وله ليوم اللقاء. يسكنك الخوف على حال المسافر: ماذا يأكل, ماذا يعمل, هل أصابه مكروه, تتمنى أن تكون معه, يكون معك. هذا العزيز حاله مثل حالك, يفكر فيك, يشعر بالوحشة, وحشة الوجوه والمكان. إنه غريب, (جنة الخلد) وما فيها لا تغني عن تلك الأرض مهما كانت في لحظة الرحيل عنها مقفرة, طاردة, جائعة, فيها ما لا يعوض, يكفي أن بها عزيزا يحمله في دواخله. العزيز المغترب شوقه أشد, فهو يحمل حملين, ينكسر ظهره أو قلبه, قد يحتمل العيش في انتظار يوم جميل, وأمل أن يأتي سريعا أو بعيدا, اليوم الذي يعود فيه معافى, ويرجع لهم أولئك الذين غادرهم. قد لا يملك هذا المغترب صبرا, فيضعف عزمه, ويأمر نفسه أن تعود في أية لحظة, يبحث عن سعادته المفقودة في المكان الذي تركها فيه. قد يحقق مطلبه, وقد لا يبني حلمه ويصنع مراده, لكنه يعود ويفرح به أهله. ذلك المسافر الذي حدد هدفه وأمره في غربة يطلب منها عملا وحياة أفضل, أو رحلة نزهة, أو علاجا, أو مبغى علم أو أي سفر طوعي. يعود اليوم أو بعد غد, في ساعة يملك قرار التحكم فيها, يعود كما ذهب عزيزا تطوف به قُبل الوداع واللقاء. ما حال الذي يغادر مكرها؟! يقف لحظة الرحيل يبحث عن أكف تؤشر له بالوداع, يبحث عن وجوه من يحب, لا يجدهم, لا يجد نفسه. إنه مسافر غير عزيز, لا يعلم متى يعود, ولا يحلم أن يعود! حال الذين غاب عنهم هذا المسافر, أشد مرارة, يجهلون ان كان التراب قد احتواه, أو انه لا يزال فوقه. أى أرض تضمه, يبحثون عن الراحة في الوصول إلى خبره اليقين, هل يقيناً مات وانتهى, أم انه في مكان ما, وانه سوف يأتي يوما ما؟ حلم الوهم يمنيهم انه سيأتي بعد أسبوع, في النهار, أو عندما تغيب الشمس, بعد شهر, أو أقل من عام. ستقله طائرة, أو على ظهر جمل. سيدخل من باب البيت أو قد يكون أضاع المفتاح, لعله يقرع النافذة. سوف يأتي بعد عشر سنين, أو بعد مئة عام, قد يأتي الموت قبله! وما.. أصعب انتظار الوهم! إن هؤلاء الذين ينتظرون الوهم في الوطن العربي كثيرون, فعدد أولئك المسافرين من غير وداع, ومن غير رغبة, ومن غير أمل في العودة, كثير, تجهل الأوطان تعدادهم وأماكن تواجدهم. هذا الاسبوع بثت وكالات الأنباء العالمية الأجنبية, وصفا مكتوبا ومصورا لخبر الافراج عن 2500 أسير عراقي أطلقتهم إيران, هؤلاء بعض من أسرى الحرب التي بدأت بين البلدين قبل عشرين عاما واستمرت ثماني سنوات. من يتذكر تلك الحرب المشئومة, ومن يتذكر انه لا يزال فيها بقايا جمر مشتعل, فبعض وقودها جنود لا يزالون رهائن في الأسر رغم ان أزمنة ودولا تغيرت منذ ذلك العهد. الحاضر الذي يعيشه الوطن العربي لا يسمح بالتذكر والتفكير في درس الماضي, فالواقع مر, ومصير العراق أشد سوادا, فأهل العراق الذين يعيشون فيه اليوم, لا يُعرف مصيرهم, لا عدد الأحياء, ولا الذين ما زالوا بين الأمرّين: مرارة شظف العيش, ومر الموت جوعا ومرضا وقهرا. حال العراق لا يدع فسحة للنظر في أوراقه القديمة, للمطالبة بالذين فقدوا منه, ولا بارقة انتظار ان يعودوا له. لهذا جاء النبأ من غير مقدمات ومفاوضات, هكذا فجأة يسمع العالم الخبر. في صور المبعوثين, أشباه هياكل آدمية تتزاحم, هذا عجوز لا يعرف يمينه من شماله, يتحرك عكس الناس في اتجاهات مختلفة, وذلك يمشي على خشبة تسنده, وآخر يجلس على مقعد يبحث عمن يتعرف عليه ويحرك كرسيه. لا الأجسام فيها حياة ونشاط, ولا الوجوه عليها علامات رضا وأمل. وأين الأمل بعد عشرين سنة من السجن والموت. عند معبر العودة, حكايات وأوجاع وصراخ ودموع: من يشاهد ابنته لأول مرة, ومن لا يجد أسرته في انتظاره, ومن جاءت تبحث عن ابنها وسط حطام العائدين فلا تجد له أثرا, فتبكيه للمرة الألف وتبكي أحفادها الثلاثة, الذين اختار الموت أن يأخذ واحدا منهم, لانها لم تجد من يشتري لها الدواء. وماذا لهؤلاء العائدين, في وطن جائع, مريض, محاصر, ذليل؟ كل واحد سيعطى 300 ألف دينار عراقي, ما يعادل 150 دولارا أمريكيا, لمساعدته على تدبير أموره. بهذا المبلغ سيشتري الهدايا لأسرته, سيبني بيته, سيعلم أولاده, سيتذوق مباهج الحياة التي فقدها في سنوات سجنه الطويلة. 150 دولارا سيعيش عليها أهله شهورا, وسيبني بها مستقبله! مبلغ لا يوفر في دول العالم المستقرة سوى وجبة غداء في مطعم, أو سكن ليلة يتيمة في فندق صغير. لكنه هنا كبير جدا, يساوي العمر الضائع وفيه توفير للغد الآتي. ونعلم من خبر الطلقاء ان هناك أكثر من ثمانية آلاف أسير عراقي في إيران, وعددا يزيد على ستين ألفا سجلوا ضمن المفقودين. وللجانب الآخر, لإيران 2806 أسرى في العراق, والكويت لها أكثر من 600 أسير ومفقود, ظلت ولا تزال سنوات وهي تطالب العراق والمجتمع الدولي أن ينقذهم, ويعيدهم لأهلهم. وهكذا يدفع الأبرياء سعادتهم وأحلامهم وحياتهم ثمنا في لعبة الحرب والمساومات.. في لعبة الكبار هؤلاء البسطاء هم الضحايا.