بقلم: الكسندر جرين ، ترجمة: زهير شفيق رومية حصلت هذه الحادثة عند بداية مزاولتي لمهنتي كطبيب جراح مغمور حيث كنت اقضي الساعات في وحشة قابضة للصدر واذرع غرفة الفحص جيئة وذهابا وانقل نفس الاداء من مكان الى اخر اكثر من عشرين مرة. وخلال شهر كامل زارني مريضان اثنان فحسب, الاول هو القائم على خدمة الحديقة في البيت الذي اسكنه والثاني غريب يعاني من تشنج عصبي في عضلات الوجه. في ذلك المساء الذي نحن بصدده حصل ما يلي: ظهر مريض جديد هو الثالث من حيث العدد. وحتى الان, كلما اغمضت عيني يمكنني ان اراه امامي. كان رجلا متوسط الطول, اصلعا ذا نظرة محدقة بلهاء قليلا ولحية شقراء قليلة التجعيد وانفا مدببا. اظهر تكوينه الجسدي ميلا نحو الصرامة تتباين بطريقة ما مع حركاته المتشنجة المفاجئة. ولاحظت ايضا خاصتين لا تستحقان الذكر لو لم تشيرا الى درجة عالية من الاضطراب العصبي: ارتعاش متقطع في الجفنين واضطراب متواصل في الاصابع. وسواء كان جالسا او ماشيا, صامتا او متكلما, فإن اصابعه تنطبق او تنفتح بشكل يصعب التحكم فيها كأنها وقعت في شرك نسيج عنكبوتي متماسك غير منظور. تظاهرت اول زيارته بلامبالاة تامة محتفظا بسيماء باردة مجاملة هادئة بدت لي فيما بعد ميزة لكل وظيفة جدية بشكل مطلق. كان مرتبكا فجلس محمر الوجه كفتاة. (ماذا جرى لك؟) سألته. (دكتور, انا..) . بذل جهدا ونظر اليّ متجهما ومتفحصا لما ادونه على المكتب. وبعد دقيقة سمعت صوته الحائر الفاتر مرة اخرى: (اذا سمحت, انه كما يلي. انه غريب.. غريب جدا. انه شيء غريب. يمكنك ان تقول انه شيء. لكن لن تصدقني) . وبعد ان صرت مهتما, نظرت اليه بتوق حيث تنفس ببطء وصعوبة ناظرا نحو الاسفل ومحاولا بجلاء ان يجمع افكاره. (لكن لماذا لا اصدقك؟) (انت لن تصدقني فحسب. انه امر صعب التصديق) اجاب ثانية عن قناعة ورفع عينيه بشكل مفاجئ وابتسم لي باضطراب. هززت كتفي استهجانا. كان مرتبكا يسعل بلطف ومن الواضح انه يحضر لبدء قصته وكان يرفع يده اليسرى الى وجهه عدة مرات ويمس لحيته بأصابعه ويمكننا القول انه كان شديد النرفزة كأنه يتأمل في شيء ما. كما يمكننا ان نلاحظ ذلك بشكل خاص من خلال حركات وجهه المتوترة. لم احاول استعجاله اذ عرفت من التجربة انه في حالات كهذه من الافضل ان يتحمل الطبيب مريضه طوال الوقت بدلا من ان يلح عليه. اخيرا, بدأ الرجل الكلام. وما ان فعل ذلك حتى غدا هادئا الى حد بعيد واصبح صوته منتظما وتوقف وجهه عن الارتعاش الا ان اصابع يده اليسرى فقط اخذت تضطرب بسرعة وعصبية كما في السابق محاولا ان يحرر نفسه من شبكة العنكبوت اللامرئية. (اذا كنت سأدهشك, فإنني يجب ان ادهشك) . قال ذلك كأنه يتوسل, (فقد لا ـ اتوسل اليك ـ لا تقاطعني) . (لا تقلق) قلت بلطف, (ان الدهشة عالم الجهلاء) . مع ذلك التلميح من خلال تجربتي المفترضة في مملكة الطب النفسي فإنني اتخذت موقفا سهلا حيث صالبت ساقي وبدأت ازين رؤوس اصابعي بقلم الرصاص مما حدا به لأن يتكلم ويتنهد ويتابع. (من فضلك, هل ستكون طيبا بما يكفي.. اذا استطعت.. كل مرة, ان ارفع رأسي من ـ فضلك اعذرني ـ لأحكي القصة اذا سمحت: لا يبزغ. الدورة الدولية. كش مات في ثلاث نقلات؟ هل؟ اذا سمحت) . وقبل ان يكون لدي الوقت لأبدو كعلامة استفهام ضخمة, فإن الكلمات المقنعة الهادئة المشبوبة بالعاطفة اصبحت سميكة وتسارعت مرة اخرى. (لا اقدر.. هل تصدقني؟ لا اقدر على النوم ولا على الاكل, واصبحت بنصف عقل وانني احتاج الى هذا ليصرفني عن افكاري, هذا! وحالما تقول تلك الكلمات فإنني سأهدأ, انت تتكلم وتتكلم ثم تبرز على نحو غير متوقع هذه الفكرة.. انني خائف منها: الان اصغ اذا سمحت. لابد انها حدثت منذ ثمانية او تسعة ايام مضت. طبعا سنفكر فيها جميعا.. سيموت واحد ثم اخر.. هذا يعني عن الموت لكن كيف حدث كل ذلك, كيف يؤدي شيء واحد الى الاخر. كنت جالسا عند النافذة اقرأ كتابا, لم اشعر بحبي للقراءة لأن وقت العشاء كان يقترب. كنت جالسا انظر حولي.. انك تعلم نوع المزاج الذي يأتي عليك.. في وقت اخر لن اقدم لعنة او اعير انتباها له.. ولكن حتى حينئذ تشتتت افكاري وكان يوما من ايام الصيف الهادئة والحارة قليلا, انني ارى هذه المرأة قادمة ومعها طفل بين ذراعيها, ترتدي شالا من الخام الاحمر. ثم تركض فتاة صغيرة في حوالي السابعة من العمر وتنزلق ضفيرتها الحمراء على ظهرها كذيل خنزير صغير. اعذرني.. ثم ارى فتاة من فتيات المدارس وراءها ثم سيدة, سيدة محترمة ترتدي فستانا انيقا. ثم وراءها, انت ترى ـ سيدة عجوزا ـ هناك.. هل تفهم؟) . نظرت بفضول الى يديه: كانتا ترتعشان بسرعة, وتربطان وتحلان زرا على معطفه. وان ما كان يخبرني به يقوم بشكل واضح على تتابع كامل من الاستنتاجات المرعبة له. (كلا, لا افهم, لكن تابع) قلت. كان شاحبا جدا وينظر بعيدا الى مسافة ما وراء ستارة الباب. وابتسمت مؤكدا من جديد فتجهم وفكر للحظة ثم تابع: (عندما مرت السيدة العجوز دخلت هذه الفكرة الغريبة في رأسي: كنت افتقر حينئذ الى موكب جنائزي فقط. وتركت النافذة وبقيت افكر: وستموت ايضا يا صديقي.. وكل ذلك النوع من الاشياء. ثم افكر: لكن من نحن جميعا نعيش ونمشي ونتكلم؟ نحن لسنا جثثا تنضج كتفاحات على غصن, لكن, في كل هذا ثمة بعض بساطة مرعبة اضافة الى ذلك قبل كلمتيه الاخيرتين, انفجر صوته العاطفي فأصغيت بانتباه جهيد: (كل هذا لم يفسد شهيتي حتى انني استمتعت بعد العشاء بالاستلقاء في ارجوحتي الشبكية. وعندما حل الليل لم استطع ان اتمالك نفسي فشعرت بالجنون ولم اتحمل..) . وتجمدت ابتسامة جديرة بالشفقة على وجهه المتعرق المركز والمتشنج واستمر بالنظر في وجهي بنفس التحديث الثابت الجامد وهو يخرج منديلا ويتمخط. ابتسمت طواعية: ان هذا التفصيل الصغير ـ المنديل ـ حطم فجأة التعبير الغريب الذي ظهر عليّ بسبب هذا الرجل العجيب الخائف جدا من شيء ما. وبدأ يذهب بعيدا في قصته وسرعان ما وجدت نفسي تحت رحمة فضول مرضي حاد. ورغم انني مازلت لا اعرف ما يجري, فإنني جهزت نفسي ـ كما بدا ـ لأصدقه بينما ترك شذوذه مفتوحا للشك. وضع منديله بعيدا وتابع: (بقيت هادئا حتى المساء وحتى انني تجولت بسرور تام.. حسنا, قبل الذهاب للنوم خرجت وتجولت في حديقتي الصغيرة واشعلت لفافة. كل شيء كان هادئا والنجوم تشع بطريقة اثارتني وانذرتني) . (جلست ثمة افكر. عن ماذا؟ عن الخلود والموت وغموض الكون والفضاء.. حسنا, عن كل شيء يدخل رأسك بعد عشاء شهي وشاي ثقيل. استذكرت الفلاسفة والنظريات المختلفة والاحاديث. وتذكرت شيئا واحدا من ايام طفولتي.. في ذلك الوقت كنت فخورا بصنعه. ان هذا ما سأحتج عليه: كمية لا نهائية من الزمن قد مرت قبل ان اظهر على قيد الحياة. حسنا, سأموت, ودعنا نفترض انني لم اوجد على الاطلاق. وحينئذ, لماذا لا اظهر عبر حدود اللانهاية مرة ثانية؟ (اقتنعت بطريقة فوضوية طبعا.. خذ مثلا.. كـ .. ورقة بيضاء نظيفة, دعنا نقول مثل هذه الموجودة هنا. آخذ قلما رصاصا واكتب 10 ثم اذهب واحكها بشكل تام فتصبح نظيفة مرة ثانية واكتب 10 من جديد. هل تفهم, 1 و 0) . قلت: (تابع ولا تتوقف. في حالات كهذه من الافضل ان يحكي المرء قصته مباشرة, وهذه الطريقة هي الاسهل) . (اجل, انا.. و.. حسنا, ليست هذه هي الفكرة, وهكذا. كانت افكاري تدور وتدور بلا توقف كأن زوبعة لحقت بها. وحتى حينئذٍ, وللمرة الاولى, عبرت الافكار المرعبة عقلي وانني استطيع ان اتعلم كل شيء اذا...) . (اذا؟) ايدته عندما توقف فجأة. اجاب بهمسة كانت مهيبة وجذعة: (اذا استطعت التفكير بلا توقف دون الخوف من الموت) . هززت كتفي بلامبالاة وقد احتفظت بشعور الاستعداد المهذب على وجهي للاستماع اكثر. وبدأ مريضي يرتعش بتشنج على كرسيه: هتف: (انت تظن بأنه امر لا يصدق. لكن ماذا اذا اريتك مشهدا كهذا: انت هنا, انت دكتور, حالا, فجأة, تجلس في كرسيك, انت تتذكر شيئا كالفضاء اللانهائي؟ صح.. انت ترى بأنك تظن ان له حدودا, عقليا انت تضع حدودا لهذا الفضاء! وفجأة لا يوجد شيء لك, لا حدود, وانت تشعر بكل الارتعاش في قلبك, اي نوع من الاشياء هذا ـ فضاء! فقط, ثانية, نعم, وهذه الثانية يمكن ان تكون الموت لك, لأنك لست مستعدا لها!) . (هذا ممكن) قلت. (لكن لا يمكنني مجرد تخيل ذلك) . (هذا هو فحسب!) انتزع كلماتي بانتصار مرضي: (لا يمكنني ان اتخيله ايضا لكنني اشعر ـ ولمس صدره بقبضة يده حتى هنا احمل الشعور اذا فكرت به عن قصد, دون توقف ـ ثم سأفهم وبعد ان اكون قد توقفت فإنني سأموت. لقد طلبت منك ان تصرخ بكلماتي ـ كش مات في ثلاث نقلات ـ اذا رفعت رأسي. هذا يرجع لأنه عند اللحظة الحرجة, عندما يبدأ بالاقتراب بتلك الكلمات فإنك حالا ستقلب افكاري في ذلك الاتجاه) . (واجهت هذه المشكلة ذات الثلاث نقلات باشتراكي المستمر في مجلة معينة. عندما اسمع صوتك سأبدأ بحلها فورا: حسنا اذا.. كنت جالسا هناك عندما سمعت زوجتي تناديني من الرواق: (ميشا) واستطيع ان اسمعها وهي تصرخ لكن لا اقدر ان اجيبها لأن لساني قد ربط وهذا كل شيء. فيما بعد, حسبت ما كان خطأ: في تلك اللحظة كان مزاجي ـ لنقل ذلك ـ غير ارضي ونادرا جدا وهي ستجعلني اتحدث عن شيء عائلي, بعض التوافه او غيرها. كنت صامتا فنادتني مرة اخرى: (ميشا هل سقطت ام اسقطت شيئا ما؟) عندئذ, اصبحت غاضبا, ولتسامحني, اذ قلت لها هذه الكلمات الفظة جدا: (فلتذهبي للجحيم!) حسنا, وذهبت بعيدا. وبعد هذا شعرت بحزن شديد لا يمكن وصفه. وفكرت بالذهاب للنوم فخلعت ثيابي واستلقيت على السرير, لكن لم استطع النوم على الاطلاق فالدوائر بقيت تمر في خاطري وذبذبات ذكية بقيت تدور امامي. وقلبي ـ يجب ان اخبرك ـ لم يكن منتظما منذ وقت طويل. والآن بدأ يلعب كل انواع الحيل, فللحظة يتوقف ثم يدق بشدة كطبل فلا اتنفس الا بصعوبة. مسني الخوف فتصببت عرقا. فكرت بنفسي انني اموت. وحالما ظننت ان السرير ينزلق تحتي فقدت صوابي. حسنا اذا, لقد مرت وانا التقيته.. لكنني مازلت لا استطيع النوم. كل انواع الافكار مرت بخيالي كالكلاب عبر الشارع واشكال مختلفة من الذكريات جالت بخاطري. ثم رأيت الفتاة الصغيرة التي جاءت في ذلك الصباح ووراءها السيدة الشابة ثم المرأة العجوز, بدأت اهتز واصرخ بأعلى صوتي: لقد شعرت ان دورة واحدة من الافكار وسأفهم, هل ترى ذلك, افهم وأحل كل شيء, اللغز الكامل للحياة والموت كأن (اثنين زائد اثنين يساوي اربعة) . وشعرت انني حالما افهمه, في تلك اللحظة.. سأموت. لن اكون قادرا على تحمل ذلك. سقط صامتا وبدا لي أن الغرفة قد زفرت زفرة وتنفست بصوت عال متشنج. وقف الرجل أمامي ناصع البياض كالطباشير لا يزيح عينيه الزجاجيتين المحدقتين عن وجهي. وفجأة, بعد أن مد ذراعه بإيماءة جبانة تواقة رفع يده وطرف كمه القاسي ووصلته البرونزية. في تلك اللحظة ربما كان في الغرفة مجنونان (هو وأنا) لقد أثر هلعه عليَّ وأنا اضعت عقلي ناسياً (الكش مات في ثلاث نقلات) وماذا عنت تلك الذراع العاجزة بأصابعها الصفراء. ودون فكرة في عقلي ورغبة طاغية للقفز والركض بعيدا, نظرت في عينيه اللتين كانتا تغوصان في اعماق محجريهما, تلك الهاويتين المظلمتين الصغيرتين. كان الذراع يغوص وانحنى في البداية عند الرسغ بتكاسل ثم الكوع ثم الكتف وبعدئذ تمايل وسقط بهدوء وراحته اصطفت بنعمة على منحنى ركبته. اعاد الانذار ذاكرتي فقفزت وصرخت بصوت ثابت موزون محاولاً أن لا أبدو مضحكا: (لا يبزغ! الدورة الدولية! كش مات في ثلاث نقلات!) . لم يتحرك وكان وجهه يشير الى الموت وكل جسمه يلمع بالكهرباء بينما استمر يحدق بثبات وحدة الى البقعة فوق كتف الكرسي الذي أجلس عليه حيث كانت تشع عيناي منذ لحظة فقط. * كان الكسندر جرين (1880 ـ 1930) واحداً من الرموز الاصيلة في الادب الروسي والادب السوفييتي عموماً. خلق عالمه الخاص من الحلم والخيال ونفخ الحياة فيه حتى أنه اخترع بلداً خياليا هو (جرينلاند) ـ أي بلاد جرين ـ تسكنه الشجاعة والفخار والافراد اللطفاء. مع ذلك, ان الخيال الرومانسي لجرين كان واعياً ومرحا ومتناغما مع العصر الحديث. هذه القصة من مجموعته (الباحث عن المغامرة) التي تحمل برأي النقاد شعاعا من الامل نحو المستقبل.