وزع الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة امس في بيت الشعر الجوائز وشهادات التقدير والهدايا التذكارية على الفائزين بالدورة الثالثة في جائزة الشارقة للابداع, الاصدار الاول والمشاركون في الورشة النقدية التي اقيمت على هامش احتفالات الجائزة من التاسع حتى الثاني عشر من ابريل الجاري. وقد تلقت د. يمن العيد المشرفة العلمية على الورشة, التي حملت عنوان (النقد الادبي من البلاغة العربية الى المناهج الحديثة) , هدية تذكارية على جهودها. ثم القى د. حسن مدن (رئىس اللجنة المنظمة للورشة) كلمة اكد فيها على ان الورشة شكلت اضافة مهمة لتقاليد الجائزة التي بدأت تتكرس مكانتها كواحدة عربية مميزة موجهة للشباب العربي من الجنسين وهي تتسق مع المشروع الثقافي العربي الذي تتبناه الشارقة برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة. وكانت اخر اوراق الورشة محور حول (اشكالية الحداثة) اعدّه ملاس مختار ومهّد له بمقدمة تعريفية عن مصطلح الحداثة الذي غزا الفكر العالمي في منتصف القرن الماضي وكان مسرحا للانهيارات المتتالية في الفكر الغربي. واشار الى محاولات كل من ماركس (سياسيا) وبودلير (جماليا) لانقاذ الحداثة من الفوضى. وعرض عبر عديد من الاسماء النقدية والفكرية للحداثة كانشغال اولوي استهلاكي مر به هذا المصطلح حتى اتجهت العيون نحو كلمة جديدة (ما بعد الحداثة) . وتحدث مختار عن ضبابية الفلسفة التي قطعت مع الماضي والتراث وصولا الى الحداثة الادبية التي لم تنج من الصراع والتعقيد مع ظهور العديد من المصطلحات. وانتقل بعدها الى اللهجة التي قام بها البعض على الحداثة مؤخرا. وتحت عنوان فرعي عن الحداثة كفن جديد خاض مع عباس العقاد المسألة التي اوجبت في الحداثة اختلافا, ومع جابر عصفور في استنتاجه ان الحداثة تنطوي على صدمة لأنها مغايرة. ويعتقد ملاس ان تحقيق التجاوز في عملية التجديد يحتاج الى شروط ومبادئ حتى تؤسس الاصالة والتفرد لنفسيهما, لاكما نشهده عند بعض المتطفلين نصوصهم الى الحداثة او من يتحصنوا بالملكة الشعرية في سبيل العالم النموذجي. ويستغرق ملاس في شرحه للعملية الابداعية ما بين الخلق والابداع ومراحلها وعدم انفصالها عن سياقها التاريخي, وهي مهمة في التأسيس لشكل الحداثة. ويتوقف قليلا عندالشعر الحديث الذي ـ في نظره ـ تخطى النظرة السطحية للعالم واشيائه واصبح الشاعر بذلك يرنو الى الاشياء ويتمنى وصالها. ان الحداثة ترفض المألوف وتعشق الحركة والتغيير, غير ان الابداع هو الذي يمكننا من التفريق بين شاعر واخر والتمييز بين ما هو حديث وما هو قديم. وخلص الى ان الحداثة لحظة تجاوز وتجديد, غير ان هذا لن يبلغ هدفه مالم يكن متعمقا بالابداع الذي من ميزاته الاساسية الاصالة والتفرد, ويظل الحديث دائما في حاجة الى تجديد وابداع لتقوم حداثة من حداثة سابقة لها. اما جلسة امس الاول فبحثت في النقد الحديث والتفكيكية قدمها كل من ممدوح الشيخ ووفيق يوسف وعز الدين الاسواني. في ورقته اوضح الشيخ ان التفكيكية مصطلح مثير للجدل بما يتضمنه من مفاهيم معادية للميتافيزيقيا. وعن التفكيك/ التقويض قال انها ظهرت عند الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتب اصدرها عام 1967 عبر نقده للفكر البنيوي الذي كان سائدا, والذي يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى فيه عملية ايجابية. ويتمهل عند التفكيكية/ التقويضية كمنهج نقدي يسنده دريدا الى الاثر, والاختلاف/ الارجاء, والانتشار والتشتت. ويستشهد بأحد النقاد الذين تأثروا بفلسفة دريدا واعتبر ان الادب اصبح الموضوع الاساسي للفلسفة ونموذجا لنوع الحقائق التي تتطلع لبلوغها. ويفصل الشيخ رؤية التفكيكيين في الادب, ورفض التفكيكية/ التقويضية للتاريخ الادبي التقليدي ودراسات تقسيم العصور على اساس انه (لا يوجد شيء خارج النص) . وقد وصل التفكيكيون الى حد انكار الوظيفة العقلانية او المعرفية للغة. وساق ردود منتقدي هذه النظرية داعيا الى عدم التغافل عمدا عن موقف النظرية من الغيب والانسان اذ هي خطر يهدد الادب العربي الذي بلغ عمره اكثر من سبعة عشر قرنا. اما وفيق يوسف فاعتبر ان القرن العشرين شهد تقلبات وتناقضات المدارس والافكار موضحا ان قطار النقد الادبي في هذه الفترة توقف عند الشكلانية, والنقاد الجدد, والبنيوية والتفكيك, وان هذه المدارس لها جذور في عمق التراث الفلسفي الغربي. ويذكر ان (جاكسبون) اول من استخدم كلمة بنيوية (1929), ويعد (دي سوسور) الاساس الاول في البنيوية اللغوية واورد اسماء اخرى في هذه النظرية كذلك الاتهامات التي لاحقتها من مثل اغفال المعنى وتجاهله. وتحدث عن المنهج التفكيكي الذي ظهر في فرنسا اواسط الستينيات. وفي اطار مفاهيم نظرية النقد تمهل عند التناص كأحد مرتكزات التفكيك ويعني (بحسب بارت) تأكيدا للتمرد التفكيكي على سلطة النص الواحد او التفسير الواحد, وبحسب (دريدا) يتمثل في استخدام النص الحالي لكل كلمة سبق استخدامها في نص اخر سابق. وفسر يوسف مفهوم الدلالة الذي اعتبر اخطر المشاكل التي واجهت البنيوية والتفكيك. وتعرض ايضا للتأويل والظاهراتية, والنسق, والعلامة, والمرجع. وانتهى الى ان الحداثة باتت كلمة السر المتعارف عليها بين المثقفين العرب في سعيهم الحثيث للخروج بالثقافة العربية من عنق الزجاجة, ويبدو انها نجحت في الزحف التدريجي لاحتلال كامل الفضاء الثقافي العربي, وعليها التأصيل بما يصب في خط التقدم التاريخي العربي. في ورقته طرح الاسواني عشرات الاسئلة ـ التساؤلات حول البنيوية والتفكيكية, فكان ان اورد مفاهيم كل نظرية ومقولاتها ليتبعها بسؤال منه حول الجدوى والهدف, فعلق على موت المؤلف, وانتفاء القصدية, والتلقي, والمعنى, والتناص. وفي معرض سخريته من الطروحات قال لماذا الادب, لماذا النص فقط؟ ثمة امثلة تعود الى مرجعية معروفة وثابتة خصوصا فيما يتعلق بما هو تكنولوجي حيث براءة الاختراع, لكن ماذا عن الفلسفة والعلوم الطبيعية؟ ان ما يطرحه (دريدا) و (بارت) و (ميللر) والتفكيك بصفة عامة هو بمثابة المطالبة ببراءة اختراع يقدمها كل نص جديد. فهل استراتيجية التفكيك بريئة مما جاءت به المدارس والنظريات النقدية, هل قدم التفكيك براءة نقد؟) . وقد ذكرت د. يمن العيد ايضاحا فترجمت حرفيا عن (دريدا) تقول (ان التفكيك ليس نظرية ولا مدرسة ولا منهجا ولا حتى خطابا او تقنية يمكن امتلاكها والعمل بها, بل ليست الا ما يحدث, التفكيك هو تفكيك سلطة ما هو (قائم)) . واعتبرت ان المشكلة في التأويل وليس في النظرية اذ ان اللغة قائمة على مستوى المتخيل الذهني. الشارقة ـ البيان
