العودة إلى الصعيد الإنسان ذاكرة, والذاكرة قوامها المكان والزمان, وما يوجد بينهما هو الانسان نفسه, وعيه الذي يسترجع ويستخلص ويختار, ومع التقدم في العمر يستعيد المرء بداياته الأولى, وهذا ما ينطبق على صلتي بالمكان الذي شهد وفادتي إلى العالم, قرية جهينة التي اصبحت مدينة كبيرة الآن, التي تقع على حدود الصحراء الغربية, حيث يمكن للإنسان أن يقف, قدم في الزراعة الخضراء, وقدم في الصحراء الصفراء, حيث الطبيعة شديدة الخصوصية, مفرداتها النخيل العتيق والزراعات الممتدة , ومستويات الارض المختلفة من سهل إلى مواضع أكثر ارتفاعا كانت في الزمن القديم وحتى وقت قريب, إلى ما قبل بناء السد العالي, تقوم البيوت فوقها لتكون بمنأى من الفيضانات التي كانت تغمر مساحات واسعة من الاراضي لعدة شهور في الصيف, وقد بطل ذلك الآن وانحسر بعد أن أتم السد ترويض النهر. لهذا المكان عندي منزلة خاصة, ولكافة عناصره من أهل وموجودات وروائح وأصوات, كانت الاسرة تقيم في القاهرة القديمة, وقد اعتدنا السفر في شهور الصيف لقضاء الاجازة الدراسية واستمر ذلك منتظما حتى سني شبابنا, عندما بدأت حياتي العملية, واصبحت علاقتي بجهينة منطلقة مني وليست تابعة للأسرة. خلال السنوات الاخيرة اصبحت علاقتي أكثر كثافة, ربما كمحاولة للاعتصام بالذاكرة, أو كرد فعل لحالة ضارية من الحنين, قوامها الرغبة في استعادة الايام الاولى, والابتعاد عن العاصمة, وعن ضجيجها, وعن صخب الحياة الثقافية الذي انغمست فيه إلى حد كبير نتيجة انشغالي بالعمل العام, وعملي بالصحافة الذي يقتضي أمانة مطلقة في التعبير عن مواقف محددة عن قضايا لا تحتمل الصمت, مدفوعا بهاجس تأدية الواجب في زمن صعب وهذا مما يطول الحديث فيه. أي فرصة الآن للاتجاه جنوبا اندفع إلى تنفيذها على الفور, وأحيانا أنطلق بدافع من ذاتي, ليس إلى جهينة فقط, إنما إلى مواقع شتى من صعيد مصر. في المنيا أزور بانتظام مقابر بني حسن, المحفورة في أعلى الجبل المطل على النهر, حيث اللوحات الجدارية الفريدة التي تمثل مرحلة رائعة الرقي من مراحل تطور الفن المصري في الدولة الوسطى, في هذه اللوحات نرى مشاهد الحياة اليومية وليس الطقوس الجنائزية فقط, إلى الجنوب قليلا العاصمة الدينية التي بناها أخناتون الفرعون الذي قاد ثورة دينية تركت آثارا عميقة على الفكر الانساني, أنه أول من دعا إلى التوحيد, في أسيوط جبل درنكة والدير المحرق حيث النقطة الأخيرة التي وصلت إليها العائلة المقدسة عند زيارتها إلى مصر, وفي سوهاج مدينة أخميم حيث تقوم مجموعة من الآثار المصرية القديمة, أجملها على الاطلاق تمثال الملكة ميريت آمون, ابنة رمسيس الثاني, ويعد هذا التمثال أضخم تمثال لأنثى وصلنا من العصور القديمة, ارتفاعه يتجاوز السبعة عشر مترا, ويعد من أجمل الابداعات الانسانية في النحت, ولا أزور الصعيد إلا وأسعى إليه لأزوره, في أخميم أيضا بقايا معبد ضخم عندما زاره ابن بطوطة كان في حالة جيدة, ولكن لا يوجد فيه الآن إلا بقايا, وتحت مقابر المسلمين يرقد متمددا تمثال هائل من الجرانيت الأحمر لرمسيس الثاني, يقدر وزنه بألف طن. أينما ولى الإنسان بصره بدءا من سوهاج وحتى حدود مصر الجنوبية مع السودان, لابد أن يرى أثرا نفيسا نادرا, من العصور المصرية العتيقة, من المرحلة القبطية, ثم العصر الاسلامي, والأزمنة الثلاثة متداخلة, مستمرة في العمق, في مدينة أبيدوس واحد من أجمل عمارات العالم, معبد الملك سيتي الأول المكرس لعبادة أوزيريس, ويعد أقدس موقع في مصر القديمة, لحسن الحظ أنه وصلنا سليما تقريبا, فلا تزال قاعاته قائمة واللوحات الجدارية التي تعد ذروة ما بلغه الفني القديم لا تزال ماثلة, في محافظة قنا إلى الجنوب معبد آخر من عصر تال, العصر البطلمي, انه معبد دندرة المخصص لعبادة الآلهة صحور التي كان يرمز إليها بكائن انساني له رأس بقرة. والمعبد في حالة جيدة جدا. ونقوشه لا تزال سليمة, واضحة, وعمارته لم يؤذها الزمن, إلى الجنوب معبد أدفو الذي وصل إلينا في حالة جيدة, أما الأقصر فلا يمل الانسان التجول في أعظم معبدين وصلا إلينا من الأزمنة السحيقة, معبد الاقصر, ومعبد الكرنك الذي أصابه دمار كبير. مازال الصعيد مجهولا, لم يكتشف بعد, في الجبل الشرقي نلمح فتحات عديدة سواها الانسان, مقابر أو مساكن لاتزال مجهولة, كذلك في سلسلة المرتفعات الغربية. هذه الآثار لا توجد بمعزل, إنما تقع في منطقة لم اكتشف جمالها إلا مع تقدمي في العمر, مازال لنهر النيل عافيته وقوته في الصعيد, لم تحاصره المباني شاهقة الارتفاع كما حدث في القاهرة التي تحول فيها إلى نفق مائي, مازال النيل في الجنوب أقرب إلى حالته الطبيعية, باستثناء نزواته التدميرية في زمن الفيضان التي تم ترويضها بعد بناء السد العالي. هنا نرى عناصر من الطبيعة تؤلف فيما بينها مشاهد بديعة الجمال, فالمرتفعات الصخرية التي نطلق عليها الجبل الشرقي, إذ لا يوجد في محيط بصرنا ما هو أ كثر ارتفاعا, يبتعد الجبل من النهر أو يقترب حتى ليكاد يصبح شاطئا, لكنه في كل الاحوال مشرف, مطل عليه, عند السفوح تنبت اشجار النخيل, كثيفة متجاورة, والنخيل من أقوى الاشجار حضورا وقوة, واشدها ثباتا, ويقترن عندي بالصعيد, فإذا ما قلت الصعيد, يتداعى إلى ذهني على الفور النخيل, ويزداد غزارة كلما اتجهنا جنوبا, أما الارض المزروعة فتنبسط إلى الغرب, تتعدد درجات اللون الاخضر بحيث لا يمكن حصرها, ويغمر هذا كله حضور قوي, عفي للشمس, في كل مرة اكتشف الجمال الخاص بالصعيد, والذي لم يدركه بعد أهله, فلم نره إلا نادرا في أفلام السينما ومسلسلات التلفزيون, أو لوحات الفن التشكيلي المرسومة أو اللوحات الادبية المكتوبة باستثناء يحيى حقي وكتاباته الجميلة, الرائعة عن الصعيد الأوسط في كتابه (خليها على الله) . أظن أن الامر لا يتعلق عندي بالحنين وحده, إنما بالمعرفة, إذ استوعبت عمق المكان عندما قرأت عن تاريخه, عما جرى فوقه أو فيه, عن الافكار التي انتجها البشر وتفاعلوا معها وعبروا عنها, عندما بدأت أفهم ما يكمن خلف هذا الجدار, أو في عمق هذه اللوحة, أو ذلك التصور, من هنا يمكن للانسان أن يعيش عمره في مكان ولا يعي ما يحتويه, ولا يدرك خصوصيته لأنه يجهله, فالمعرفة أول خطوة للألفة والعشق.