تابعت الورشة النقدية, التي تقام في بيت الشعر على هامش الاحتفال بتوزيع جوائز الشارقة للابداع ـ الاصدار الاول, اعمالها لليوم الثاني على التوالي, وقدمت خلال جلسة أمس الاول التي استمرت في الاشراف عليها د. يمنى العيد ورقتين الاولى بعنوان (القراءة بين البعد الاتصالي والاثر الجمالي)، لمحمد ولد عبدي الفائز بالمركز الثاني في النقد, والثانية (من موت النص الى ولادة القارئ) لأيمن معروف الحائز على الجائزة الاولى في مجال الشعر وقد اعلنت ورقته وجهة نظر غير متخصصة. يذكر ان الورشة تختتم صباح اليوم ويصار الى توزيع جوائز الفائزين بمجالات الجائزة. استهل عبدي الكلام على مقاربات النص معتبراً ان سقوط سلطة المؤلف وانتهاء عهد وصايته الابوية وتحوله الى مجرد ناسخ في علاقته بمنسوخ خلفت نصاً تصطرع فيه الاصداء والمراجع والاقتباسات في انتساب مجهول النسب. وثمة امور اوصلت منهج التعامل مع النص الى طريق مسدود مهما سعى الى تطوير آلياته النقدية. لقد كانت النظريات تركز اهتماماً على المؤلف او المعنى للنص والطريقة التي تشكل بها غير عابئة بالقارئ كجزء من العملية الابداعية. ثم تبدلت الرؤية فعبر التقاء النص المقروء والنص القارئ وصدام ذاكرتيهما يتحقق العلم الادبي وتتولد الدلالة. وقال عبدي ان القارئ يستند الى خلفياته ومخزونه المعرفي والثقافي عند دخوله الى النص فهو يتحرك محملاً بأفقه فيولد التفاعل في قراءة حرة من غير اكراه قادرة على التجوال وتغيير الفرضيات حسب مسار النص ومنطقه. ان نص الباث غير نص المتلقي, وكل كتابة تحمل في ثناياها بذور قراءتها. ورأى أن القراءة تجمع ما بين نص فاعل حي مغلق لا يكاد يبين وقارئ يهتك حجاب حيائه, وختم متسائلاً هل حقق خطابنا النقدي مطلبه أم باد توقه الى انعتاقنا قراء بالأثر؟ ايمن معروف وجد ان المدارس النقدية الحديثة حطمت نظام النقد السيري القديم الذي كان يقول بحتمية الحاق العمل بحياة الكاتب. وجاء التفكيك على يد الفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي نسف التوحيد وألغى التجانس واعاد الاعتبار للقارئ وانطلق في مشروعه التفكيكي من موت المؤلف ومولد النص في القراءة, مؤكداً ان التناص يتحدد داخل وعي القارئ ودون وعي الملتقى. ووفق ايمن فان التناص يقدم البديل عن فكرة انغلاق النص وبنائيته التي قام عليها فكر النقاد البنيويين الجدد حول انتفاء ذاتية المتلقي. وفي اطار تعريفه باحوال مصطلح (التناص) قال انه شاع في الستينيات من النصف الثاني من القرن العشرين, الا ان من انشغلوا به أو شغلهم الجدل النقدي حول مفهومه لم يلتقوا على صيغة لتعريف جامع. انه قيام نص جديد من نصوص اخرى سابقة اعيد تشكيلها وظيفياً بحيث تمحى الحدود بين الجديد والسابق ولا يبق سوى ما يمكن تسميته بالنص الغائب. واعتمد ايمن على بودلير ليؤكد انه منذ فجر الابجدية وحتى الان مازال الانسان القارئ صورة من صور الكاتب. وكما اثارت ولادة النص اسئلتها فان ولادة القارئ تثير بدورها مثل هذه الاسئلة, وان استبدال العلاقة من المؤلف الى النص, ومن النص الى القارئ, جعل النص مفتوحاً. ويجد معدّ الورقة ان (بارت) اراد أن يدلنا ان القارئ هو المركز, فهو يقرأ العالم قبل أن يقرأ عنه في انجازات الكتب ليشكل نصاً ثالثاً مفارقاً لكل رؤاه وقراءاته. وقال ان لكل كتابة وجهها ويمكننا ان نبدع بالحذف أكثر مما نبدع بالاضافة. وانتهى الى ان القارئ اصبح جزءاً من النص ومولداً له وان الاشكالية في معرفة ان كان القارئ يقرأ ما يريده النص أم ما يريده المؤلف أم ما يراه هو. وفي الحوار الذي عقب الورقتين قالت ريم العيساوي ان ربط النص بصاحبه تعود الى مقولة الشاعر بوفون (الاسلوب هو الرجل) , وقد تواصل الربط مع مسألة التحليل النفسي ولم تلغه المدارس الحديثة. وان القراءة محاورة لا حدود لها مع النص وهي ابداع حول الابداع. وفي معرض تعليقها على النقد العربي اعتبرت ان به اربعة ملامح هي المجاملة, والسرعة على الصفحات اليومية, والإلغاز والغموض, والفردية والانعزال نتيجة تشتت الثقافة العربية التي تنعكس ايضا على مستوى المصطلحات. وقد اجابت د. يمنى موضحة ان النص يعيد انتاج البنية الذهنية لفئة اجتماعية معينة حسب البنيوية التكوينية, ودعت الى اهمية الاجابة على عدة اسئلة منها القاعدة التي يتم الاستناد عليها لربط النص بصاحبه, وهوية النص (مسرح, شعر, رواية), ومسألة العناصر الثقافية والذاتية للكاتب التي تؤكد ان التعامل معه على اساسها وليس من منظور فرد, كما ان موضوع موت المؤلف ظهر في ظل تشيؤ الانسان وسلطة الآلة التي سادت الغرب. وطرح عبدالعزيز سؤاله حول الحكمة من الهجوم على المؤلف وتغييب دوره, ما حدا بالناقدي يمنى العيد للايضاح بأن ذلك مبحثاً اثير في الغرب الذي تخطاه الآن نحو عودة المعنى وعودة المؤلف. واشتكى عز الدين الاسواني من الجدليات التي لا يتوصل المرء للالمام بها وفهمها مثل الحديث عن نظرية التلقي والغاء قصدية المؤلف وعدم الاتيان بجديد في اطار عملية التناص. وهنا, عقب عزت عمر مثيراً تساؤله حول اعتبار المؤلف ناسخاً لنص قديم في حالة التناص, وأكد على ان الحركة النقدية العربية الحديثة مازالت طازجة والمشكلة تكمن في التنظير وليس التطبيق. وتحدث يحيى الحاج عن الافتقار للنقد المسرحي الذي بمجمله انطباعياً, وتساءلت احدى الحاضرات عن مغزى نفي احد اضلاع الثالوث (القارئ, النص, المؤلف) حين التأكيد على قيمة احدها. وعن اشكالية الخطاب النقدي العربي وصفه محمد عبدي بالتابع في حين حاولت مشرفة الجلسة التنفيذ في مسألة التأثر بانجازات وتطورات الآخرين ثم اعادة الانتاج المعرفي والافادة من التجارب. الشارقة ـ البيان