الفنان الفلامنكي كورنيليوس جيسبرختس حول الغموض الى فن, وكان متخصصا في جعل المتفرج يرى اشياء غير موجودة. اتقان جيسبرختس لفن الايهام اكسبه شهرة كبيرة قبل 300 سنة وجلب له الحظوة في عيون اثنين من الملوك الدانمركيين خدمهما كرسام البلاط الملكي في كوبنهاجن. وبعد اربع سنوات غادر المدينة وتوجه اولا الى السويد ثم الى المانيا. ويقول دافيد بومفورد خبير ترميم اللوحات في صالة العرض الوطنية في لندن ان اخر لوحة متوفرة من اعمال الفنان التشكيلي تعود الى العام 1675, وغير ذلك يختفي من السجلات, ولا نعرف اين توفى ومتى. وقد اشرف بومفورد على تنظيم معرض ليجسبرختس يتضمن لوحات استعيرت من متحف ستانس للفنون في كوبنهاجن لم يسبق له ان اخرجت من الدانمارك. وقد حقق الفنان اللوحات المعروضة وعددها 23 لوحة بأسلوب (خداع العين) . وينخدع المشاهد, ولو لثوان قليلة, ويعتقد ان الاغراض المرسومة على الخامة المبسطة حقيقية, اي انها ثلاثية الابعاد وليست ثنائية (مسطحة) ولها عمق وارتفاع. ويشرح بومفورد, ذلك بقوله: (الحياة الجامدة تعرض الاغراض الجادة في حيز يختلف عن ذاك الذي يتواجد فيه المتفرج. وفي لوحة (خداع العين) : ينبغي ان يكون موضوع اللوحة بالحجم الطبيعي لكي يخدع فعلا, وموجودا في مسافة ضحلة جدا لكي لا تكتشف العين نقص العمق. ويضيف بومفورد قائلا: (ليس هناك خط فاصل حقيقي بين الحيز المرسوم وحيزنا نحن. في بعض الاعمال المحققة بأسلوب خداع العين يتواصل الوهم (اي الايحاء) بتعليق اللوحة من دون اطار وفي مساحة ضيقة جدا على جدار يبدو تماما مثل الجدار المرسوم في اللوحة. ولتحقيق ذلك ينبغي ان يكون الفنان ماهر وذكيا كفاية ليرسم دون ترك آثار فرشاة الرسم. وقد وضعت اللوحة الاكثر اثارة في معرض جيسبرختس الذي سيستمر حتى الاول من مايو المقبل على رف ومسنودا الى الحائط, وهي تبدو مثل ظهر احدى اللوحات تظهر منها الخامة وعليها ملصقة صغيرة. وملقط يثبت الخامة في مكانها ومسامير تثبت الملقط على الاطار, والاطار نفسه. ان هذه اللوحة طبيعية الى درجة ان الزوار يغمرهم تقليب اللوحة لرؤية الجانب الامامي. الا ان هذه لوحة لها جانبان خلفيان, احداهما رسم والاخر حقيقي. وليس هناك شيء يستحق المشاهدة في الجانب الخلفي. وثمة لوحات اخرى في المعرض تمثل لوحات اخذ دهانها يتقشر مع مقطع خشبي يشبه سيبة الفنان وأدوات الرسم عليه ـ الباليت والفراشي والالوان, بل وحتى لوحات صغيرة تستخدم للاستنساخ. وهناك ايضا لوحات لأدوات موسيقية, وطرائد صيد تبدو معلقة من الجدران وادوات صيد قلدها الفنان ولا تزال موجودة في قصر روزنبورج في كوبنهاجن. وكان جيسبرختس متخصصا في رسم رفوف الرسائل مقسمة الى مقصورات بشرائط حمراء توضع فيه الرسائل والمشط والمقصات والاختام واغراضا اخرى من الاشياء التي تستعمل في الحياة اليومية. ويقول بومفورد ان اسلوب خداع العين يكون في اقصى فعاليته عندما يبين المساحات الضحلة واغراضا بالحجم الحقيقي. والضحالة هي جزء من الخديعة ولذلك فإن رف الرسائل مثالي. ورسم جيسبرختس ايضا خزانات ذات واجهات زجاجية ومحتوياتها. وتضم احدى اللوحات بابا حقيقيا بمصراعيه وهو قابل للفتح, وعليه مفتاح من اجل استكمال الخديعة. وعندما يفتح الباب يكتشف المتفرج ان الرفوف والاغراض الموجودة داخلها وظهر الخزانة كلها موجودة على خامة مسطحة. ويشير بومفورد الى ان الرسامين يحاولون على الدوام اعتماد الخديعة وذلك كطريقة لإظهار براعتهم. ومن الامثلة المشهورة على ذلك تتعلق بالرسام الايطالي جيوتو دي بودوني, الذي عاش من 1267 الى 1337, والذي يعتبر صاحب الفضل في تطوير فن الرسم الغربي برسم الناس مثلما يظهرون على الطبيعة, وخلق وهم وجود مساحة محيطة بهم. وعندما كان جيوتو تلميذا رسم ذبابة على انف احد شخصياته التي رسمها معلمه سيمابو. وبدت الذبابة طبيعية للغاية حتى انه عندما عاد المعلم الى اللوحة حاول عدة مرات ان يكش الذبابة. ويعتقد ان جيسبرختس ولد في انثورب, واخذ الملكان فردريك الثالث وخلفه كريستيان الرابع الفنان تحت رعايتهما بحماس بالغ وكلفاه برسم لوحاته الخادعة تلك. ومن الفنانين التشكيليين الاخرين الذين اشتهروا باسلوب العين الخادعة الهولندي صموئيل فان هوجستراتن, الذي رسم لوحة التلصلص المشهورة الموجودة في الصالة الوطنية في لندن, والفرنسي لوي ـ ليوبولد بواي. ونشأت مدرسة (مخادعة) في الولايات في القرن التاسع عشر تزعمها الفنان مايكل هرنيت وجون فردريك بيتو وتشارلز وليم بيل. ولعل اشهر اعمال بيتو بورتريه بالحجم الطبيعي معروضة في فيلادلفيا, وتمثل اثنين من ابنائه يرتقيان درجا له دعسة حقيقية في الاسفل واطارهما اطار باب حقيقي. ويقال ان جورج واشنطن خدع باللوحة الى حد انه حيا الصبيين بخلع قبعته واحناء رأسه لهما. لندن ـ جراهام هيثكوت