أدبنا والعالم أتصور أن متغيرات العالم الحاسمة لابد أن تفرض نفسها علينا, ونحن نناقش قضية الأدب والعالمية, أو نناقش قضية علاقتنا الثقافية بالعالم من حولنا, خصوصا في تسارع إيقاع متغيرات العالم وتطوراته. ويعني ذلك ان علينا مناقشة علاقاتنا الابداعية الخارجية في سياق تحولات العالم الأخيرة, واضعين في اعتبارنا أن عالم القرن الواحد والعشرين الذي نقف على عتبته, فعليا, يختلف عن عالم القرن العشرين, وأن أدب المركز الأوروبي التقليدي نفسه لم يعد على ما كان عليه من قبل, خصوصا بعد أن تعددت أصواته, وجاور بين المهجرين والمولدين والأصليين, وبعد أن زاحمته في التأثير الهوامش التي فرضت نفسها عليه وفي موازاته. ولولا ذلك ما استطاع أدبنا العربي, أخيرا, ومنذ حصول نجيب محفوظ على نوبل سنة ,1988 أن يحفر لنفسه ثغرة صغيرة في جدار (أدب العالم) الذي ظل صلدا غير قابل للاختراق طوال عقود طويلة. وتتسع هذه الثغرة, حاليا, ببطء حقا, لكن بما يؤكد حركة واعدة لابد من تدارسها والتأني ازاء دلالاتها. وفي الوقت نفسه, التوقف طويلا لمناقشة العقبات التي لا تزال تحول دون سرعة اندفاع هذه الحركة على امتداد العالم كله, سواء من منظور مؤسسات الترجمة وأدوات انتاجها وعلاقات توزيعها, ومن ثم امكانات دعمها وتشجيعها وتطويرها وتوسيع نطاقها في صلتها بدور النشر الكبرى. أو منظور مؤسسات الاعلام والتقديم المؤثرة, أو المراكز البحثية في الجامعات وغيرها من الهيئات التي تسهم في فتح ما كان مغلقا من أبواب التواصل. وأتصور أن هذا النوع من التوجه لابد أن يتزامن مع مراجعتنا للمفاهيم الأدبية التي لا تزال تنطوي عليها, خصوصا بعد أن أخذنا نعي أن العالم أوسع بكثير مما تعودنا تصوره, وأن لا معنى للحديث عن عالمية الأدب بوجه عام, وعالمية أدبنا العربي بوجه خاص, ونحن نجهل الكثير الكثير من آداب العالم الثالث الذي ننتسب إليه, فضلا عن آداب الصين واليابان وروسيا, بل نجهل الآداب القريبة منا جغرافيا: كالآداب الفارسية والتركية والأوردية وغيرها من آداب الكوكب الأرضي الذي لا يمكن أن نحصره في مركز واحد, ثابت أو وحيد. وأتصور, أن أي محاولة جادة لدراسة عالمية الأدب, أو البحث لأدبنا عن أفق عالمي, من منظور معنى التنوع الخلاق, لا يمكن أن تحقق هدفها المرجو, وفائدتها المؤثرة, إلا إذا بدأت المحاولة بنقض معاني (العالمية) التي لا تزال مقترنة في أذهاننا إلى اليوم بمفاهيم موروثة عن نزعة المركزية الأوروبية. ونقض هذه المعاني هو البداية في المضي قدما إلى مساءلة المفاهيم المصاحبة, سعيا إلى تأسيس وعي مغاير لعالمية رحبة, قائمة على التنوع البشري الخلاق, عالمية يتجاور فيها أمثال إسماعيل كادارا وعزيز نسين ويوسف إدريس وصادق هدايت, ويتحاور فيها هؤلاء وإيتالو كالفينو وجارسيا ماركيز وخوسيه ثيلا وساراماجو وسولجنتسين ونادين جورديمر ونجيب محفوظ ومئات غيرهم, دون تفرقة بين عالم أول أو ثان أو ثالث أو رابع. ولا شك أن هذه النظرة تنقلنا إلى أفق جديد لا نعيد فيه قول ما سبق أن قيل مرارا, أفق يضع الوعي النقدي والأدبي في مدى الامكانات الواعدة للقرن الحادي والعشرين, ذلك القرن الذي نقتحمه بأمل أن نكون طرفا فاعلا, منتجا, في عالم يخلو من ظلال القطبية أو المركزية, أو حتى مفهوم العالمية التي تقتصر على قوم دون قوم. وأحسبني في حاجة إلى تكرار القول بأننا لن نكون طرفا فاعلا في هذا العالم الجديد إلا إذا اقتحمناه بوعينا النقدي الذي لا يتردد في مساءلة نفسه قبل غيره, مدركا أن مبدأ المشابهة لا معنى له إلا في اطار مبدأ الاختلاف, وأن لا أحد يستطيع أن يفرض نفسه على غيره, أو يفتح أبوابه المغلقة, إلا إذا كان لديه حقا ما يضيفه إلى هذا الغير, وما يسهم في تحريره من شروط الضرورة ووخم الألفة والعادة وخدر الاستنامة إلى ثبات الفكر أيا كان هذا الفكر. وإذا كانت حيوية الاضافة موصولة بالمغايرة, إذ لا معنى لأن أضيف إلى غيري ما هو موجود لديه بالفعل, أو ما يدخل في باب: (هذه بضاعتنا ردت إلينا) , فإن المغايرة موصولة, بدورها, بالأصالة التي تؤكد الحضور في العصر الذي لا تنفيه أو تهرب منه. وعلى أساس من هذا الحضور وادراكه, بواسطة الخاص الذي يتكشف من خلال العام, تتحدد القيمة الابداعية التي تدعو إلى التنافس في مضمارها بوسائل وتقنيات ورؤى لا حدود لتنوعها. أعني التنافس المفتوح أمام كل كتاب العالم ليضيفوا إلى ذخائره الابداعية ما يمايز بينهم بقيمة الانجاز الابداعي ذاته, وليس بالانتساب إلى دائرة مهيمنة من دوائر الجغرافيا السياسية.