يقول أستاذ رياضيات: (أنظر إلى الصفر ولن ترى شيئا, ولكن أنظر من خلال الصفر وسترى العالم) , وهذا قول فيه كثير من الموضوعية. فالصفر الذي اكتشفه السومريون وقدسه الهندوس واعتمده الاغريق قبل أن يحظروه, تمكن من الصمود في وجه مكائد الحضارات ومن تغيير فكرتنا عن العالم رغم انه أثار الخشية حينا ولم يفهم حينا آخر, أو تجاهلته البشرية قرونا عديدة. وفي الولايات المتحدة صدر كتابان هذا العام يرويان التاريخ المثير لهذا العدد الذي لا يشبه أي عدد آخر ويشكل (علامة الفكر على المادة) ويتمتع في رأي البعض بقدرة إلهية, وبقدرة شيطانية في نظر آخرين. وقد اكتشف الصفر قبائل المايا أيضا, لكن فكرة توقف الزمن في أحد الأيام كانت تروع هذه القبائل!.. وفي الوقت نفسه كان المصريون الاغريق والرومان يجهلون الصفر, لكن عندما غزا الاسكندر الأكبر بابل عام 331 قبل الميلاد اكتشف الاغريق هذا الرقم الغريب واختاروا تمثيله بدائرة بيضاوية الشكل, إلا ان الاغريق الذين أخافتهم خصائصه الحسابية وتجسيده للفراغ الذي يكرهونه, ما لبثوا أن ألغوه, لان الصفر كان ينتهك أحد المبادئ الأساسية للأعداد وهي النظرية البديهية لأرخميدس. بينما رفض الغرب الصفر الذي ازدهر في حضارات الشرق حيث قدسته الهندوسية كتجسيد للعدم. ويشير (شارل سيف) إلى ان الصفر كان في قلب معركة بين الشرق والغرب وفي قلب معركة بين الدين والعلم, وتحت كل ثورة يرقد صفر, ولا نهاية. وإذا كان للصفر هذه القدرة الكبيرة, فليس سوى لانه (هذا التوأم المساوي والنقيض في الوقت نفسه للانهاية. إنهما متناقضان ومثيران للاضطراب) . بيد انه وخلال مرحلة محاكم التفتيش رفعت الكنيسة الكاثوليكية راية هذه الفكرة الشيطانية من أجل محاربة الهراطقة ولم يعد الغرب للصفر اعتباره إلا في القرن السادس عشر حيث أصبح مع انتشار علم الحساب مفتاح الثورة العلمية التي أطلقها نيوتن. وتنتهي الرحلة في عالم الصفر باكتشاف أصفار الفيزياء الحديثة من الأصفار المطلقة للدينامية الحرارية, إلى تلك اللانهائية في الثقوب السوداء الكونية إلى أصفار الفيزياء الكمية التي تملأ فراغ حرارة لا نهاية لها, إلى صفر الانفجار الكبير؟!.. أبعدنا الله وإياكم عن هذا الأخير. محمد خليفة