بدأت امس الاول في بيت الشعر بساحة الآداب مناقشة اولى محاور ورشة الابداع الثالثة (النقد الادبي من البلاغة العربية الى المناهج الحديثة) التي تتواصل حتى الثاني عشر من شهر ابريل الجاري. وتشرف على الورشة التي تقام على هامش الاحتفال بتوزيع جوائز الدورة الثالثة لجائزة الشارقة للابداع العربي ـ الاصدار الاول, د. يمنى العيد. قدّم الافتتاح د. حسن مدن رئيس ادارة الدراسات والبحوث والنشر في دائرة الثقافة والاعلام منظمة الحدث وصاحبة الجائزة, واوضح مدير عام الدائرة د. عبيد الهاجري ان الورشة تقليد سنوي يستكمل فكرة جائزة الشارقة للابداع ويربط الجانب الابداعي بالجانب التطبيقي. وشرح اهداف الجائزة الموجهة للشباب العربي والتي تعرف بالمواهب من خلال الفوز وطباعة الاعمال وتوزيعها كجزء من مشروع ثقافي تتبناه الشارقة وتحرص على التواصل والتفاعل مع روافد الثقافة العربية في شتى ديارها. وعرج على الانجازات على مستوى البنية التحتية للتنمية الثقافية التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة. من ناحيتها, اشارت د. العيد الى ما تتيحه الورش من تحاور وتحفيز للمواهب وتفاعل يكسر جدران الغربة بيننا في الدول العربية, وقالت ان اللقاء يمارس دوراً في تفعيل الثقافة العربية وينتج معرفة بقضايانا الثقافية مع اهمية المعرفة للمبدعين وحاجتهم لها وضرورتها في التقاء الناقد والمبدع عند حقل ثقافي مشترك. وحول محور (النقد والادب ـ محطات وتحليلات) قالت بأهميته في القاء نظرة على رؤية التحولات والفوارق وليس بالمعنى التاريخي وحركة التأثر والتأثير وليس التحديدية في تعبير الادب عن الحياة وعودته اليها. ورأت في التركيز على مرحلة النهضة تركيزاً على الصراع بين الحفاظ على المعايير وبين انبعاث بداية التقليد. كما تكلمت على الفصل بين اللغة كجماد والكلام كمتجدد ومتغير وهو ما اعتبره فردينان دو سوسور هاماً حتى لا تنتج الخلخلة. الديوان والعقاد مفتتح الاوراق كان مع خير الدين عبيد الذي اعدّ مبحثاً مكثفاً عن (مفهوم الشعر ووظائف الادب ـ جماعة الديوان ـ (العقاد) , اعتبر فيه ان العقاد والمازني هدفا الى تحطيم احمد شوقي ومصطفى المنفلوطي والى تحرير الادب من رقّ القديم نحو مذهب جديد. وفي تفصيله لدعوة العقاد في نقده الطبيعي لشعر شوقي اوضح عبيد انها استندت الى ضرورة ان يبين الشاعر شخصيته وتفسيره للحياة, وان تترابط القصيدة عضوياً, وان تكتنه حقائق الحياة من غير شطط وان تنقل الاثر النفسي الى وجدان الشاعر. ويأبى العقاد طمس فردية الانسان المتميزة وفق المنهج النفسي الذي عرف عنه في دراسته للادب وتقوميه. وتحدث عبيد عن الرومانسية والرمزية في الشعر وقال ان الشعر في نظر الفئة الاولى كما العقاد ذو مضمون نفسي حي يزخر بحقيقة الحياة العاملة فيها وفي الاشياء من حولها, وصدق الرؤية الشعرية في ان نخالط الاشياء فيها ونعيها وعي روابطنا بها وبكل ما يكتنفنا ونترجم عنها. واتفق العقاد مع الرومانسيين في وظيفة الشعر ورسالته التي هي الكشف عن الحقيقة الصارخة في حنايا النفس. لقد اخذ العقاد على شعر شوقي ضعف الاصالة الذاتية وغلبة التقليد وتزييف حقائق النفس وطغيان الصنعة والبهرج والانسياق في ضعف الحافز وانعدام الرؤية الشعرية المكتملة. واستنتج عبيد ان العقاد في الديوان تأثر بالرومانسية الانجليزية وبالمذهب الذي شاع منذ اواخر القرن التاسع عشر في اوروبا ورأى ان العقاد برغم دعوته الى الاستعانة بالغموض الذي يكتنف صور الرمزيين لا يستسيغ التشتت والغموض بحكم تكوينه الفكري, وهو يميل في الشعر الى الخواطر المطردة والشعور المكتمل بالاشياء رغم دعوته الى الوحدة العضوية. وفي الخلاصة ظهر ان العقاد ينظر في مبادئه التي دعا اليها في الديوان الى نقد العرب والغرب, واخذ عن الكلاسيكية النظام والوحدة والتزام المعقول, وعن الرومانسية ان يكون الشعر تعبيراً عن النفس, وعن الرمزية تجاوز الحواس الى مصدر الحياة النفسي الشامل. وظيفة الفن تحت عنوان (الفن للفن والفن للحياة) قدمت رانيا فتحي الجزار مداخلة قصيرة ميزت فيها بين اتجاهين في وظيفة الفن برزا في الحركة الفنية الحديثة بالعالم العربي, الاول يستند الى مفاهيم الاصالة والقومية ويؤمن بدور الفن كقوة ثقافية لها صفة اجتماعية تعمل على رفع مستوى الجماهير ووعيها, والثاني معني بالحداثة والحرية وعالم اللاوعي ويستقي معاييره من مبادئ (المودرنية الغربية) . واجابت على العنوان عبر آراء لبعض الادباء والمفكرين مثل ميخائيل نعيمة الذي لخّص رؤيته للشعر الذي يبقى حاجة من حاجات الانسان, ولتوفيق الحكيم الذي أكدّ على اسلوب الصنعة في الفن وعدم وجوب املاء اتجاه بعينه (فما يجعل من الانسان انساناً انما هو الفردية او الحرية, لا الوعي الاجتماعي او التفكير بعقلية الجماعة) . وفي رأي عباس العقاد انه لا يليق بالفن ان يتجرد من معانيه الانسانية علما ان النشاط الفني ليس خروجا عن كل قاعدة. ويعدّ ابراهيم المازني ان الدور الحقيقي للفن يتعدى حدود التسجيل بغية تحقيق الاغراض الجمالية, وهو عنده غاية اجتماعية اذ يتسع لآلام الناس ويقدر على تحريك النفوس. اما سلامة موسى فيرفض نظرية (الفن للفن) ويعتبره نشاطاً انسانياً يهدف الى تغيير الواقع من منطلق ان الجمال الطبيعي هو اساس كل جمال فني. برج الحكيم العاجي في محاولته النقدية اشتغل حمدي ابو حامد ابو جليل على توفيق الحكيم والتزام البرج العاجي على حد تعبيره, ورصد منذ البداية نقطتين اساسيتين في ادب الحكيم اولهما جعل تجربته الشخصية الحياتية مادة اولية لاعماله ولقياس مدى صحة النظريات الادبية والفكرية التي تلقاها, وثانيهما الانشغال والبحث في ماهية الفن. وأخذ على الحكيم التناقض بين افكاره التي يعلنها وكتاباته وتساءل عن الشروط التي وضعها لالتزامه الادبي, هو الذي كان يبتعد عن الاحتكاك بالقضايا ويلتزم داخل اسوار برجه العاجي فيهتم بهموم الناس ويأنف من الاختلاط بهم في الوقت نفسه, ولم يجد الحكيم اي تناقض بين الالتزام والحرية. وانتقد حمدي موقف الحكيم من القارئ البسيط العادي الذي لا يقبل ـ في نظره ـ سوى على الادب الرديء وهو غير مهيأ فكرياً وثقافياً بمستوى يمكنه من استيعاب رسالته. واعتبر ان الحكيم تجاهل قيماً مناقضة للخير والعدل والحق والجمال والحرية ربما خوفاً من ان تدنس برجه, واورد رده على دعوة أحمد امين للاقتراب من مشاكل الجماهير وفحواه ان الانسان يكرّ وينقلب الى طفل يضع في فمه تحف الذهب والفكر ولا يدرك لها سوى نفع مادي مباشر, عندما يصار الى استخدامه للدعاية الاجتماعية والاعلان عن السلع التجارية واثارة الناس في الانتخابات السياسية. وواصل حمدي حملة الانتقاد في اعطاء امثلة دالة على نأي الحكيم عن ابداء الرأي والموقف من قضايا هامة تمسّ حرية الفكر والكتاب على غرار ما حصل لمحمد احمد خلف الله عن رسالته في الدكتوراه بعنوان (الفن القصصي في القرآن) . وعرض لفلسفة الحكيم (التعادلية) التي تحتاج هدوءاً وسكوناً للتفرغ للتأملات العميقة. وجرب حمدي ان يدرس مواقف الحكيم من خلال بعض مؤلفاته وبلغ درجة اعلان تماهي شخصية الكاتب الحقيقية مع بعض شخصياته القصصية كما في (يوميات نائب في الارياف) . وأدان الحكيم الذي نادى قولاً بابتعاد الاديب والمفكر عن ألاعيب السياسة والسياسيين وهو المعروف باستخدام وسائل الفن الادبي لعرض افكاره السياسية. وخلص الى ان الحكيم لم يلتزم بمواقف ثابتة وواضحة سياسياً معتقداً ان ذلك ساعده على الحفاظ على مكانة مرموقة وعلاقة وطيدة مع رجال الحكم الذين عاصرهم. وفي معرض تفسيراته انتهى حمدي الى ان (عودة الروح) الهمت ثورة جمال عبدالناصر ووطدت علاقة الكاتب برجال ثورة يوليو, ثم كانت (عودة الوعي) التي انقلبت على الاصدار الاول حيث التجريح بالقائد الذي اكرم الحكيم ومنحه تقدير الدولة, والقول بأنه احد مظاهر المخططات الامريكية للسيطرة على المنطقة, وحلل حمدي ذلك على انه استجابة سريعة لاساطين حكم السادات, وعدّ تبنيه دعوة الصلح مع اسرائيل واتهام كل معارضي معاهدة السلام بالتخلف سقطته الكبرى. لعل النقاش الذي استثارته الاوراق هو الرسالة الاساسية للورشة, وقد تميز بالتنوع وتوسيع فضاءات التساؤلات والتعليقات التي تلاقت بمعظمها حول الورقة الاخيرة. الاتجاه الاول الذي ذهبت اليه المداخلات يتعلق بقضية التنظير والتطبيق والحملة الظالمة على احمد شوقي, اذ ان جماعة الديوان انفسهم لم يطبقوا ما نظّروا فيه. كما ان الشعرية موجودة في الشعر التقليدي والحديث ولا يجوز انكار مسألة الوحدة العضوية عن الشعر العمودي كما ان الاثر النفسي للصورة ملموس في الشعر الحديث (د. عصام بهي وعزت عمر). وقد عقبت د. يمنى العيد بالكلام على الشعر وعلاقته بالذاتية والانسان خاصة مع نظرية (موت المؤلف) ومسألة اللغة والكلام والوحدة العضوية وعلاقتها بالعلوم اضافة الى موضوع الاخذ من الغرب والمصدر الالهي والمصدر الاجتماعي للشعر. ودعت الى التمييز بين النظرية والتطبيق واعادة صياغة وانتاج ما نكتسبه من معارف وحكت عن العلاقة بين ذاكرة القراءة وذاكرة النص. الاتجاه الثاني تمحور حول محاكمة الاديب بناء على ارائه والافتقار الى منهجية النقد, فابدى البعض انزعاجاً من قراءة اعمال توفيق الحكيم في ضوء المقولات النظرية التي كتبها واصدار الاحكام الاعتباطية والحكم النقدي على الامور من غير معرفة دقيقة بها. ورفض اخرون الفصل بين الادب والمنظومات الاجتماعية وعدّوا الحرية المطلقة للكاتب امراً غير منطقي. ووصل احدهم الى درجة وجوب محاكمة الاديب بناء على مواقفه الشخصية فيما التقط البعض تناقضات كثيرة في ورقة توفيق الحكيم استدعت سجالاً متبادلاً (د. عصام بهي, ريم العيساوي, ممدوح الشيخ, نصر عباس, لهيب عبدالخالق). وآثرت د. العيد التفريق بين مراحل الاديب وتغيراته التي لا يحاكم عليها, وشددت على مسألة المنهجية والقراءة التحليلية لا التقويمية. وتطرق الحوار ايضا لوجوب مساءلة النتاج النقدي والادبي وليس الفكري وعدم الاكتفاء بمقايسة فترة عصر النهضة مع الواقع النقدي الحالي (محمد ولد عبدي), والرابط بين آليات تطور الفكر اليهودي وآليات تطور النقد الادبي (ممدوح الشيخ). ان الاوراق المقدمة في الورشة عموما اعدها فائزون بالجائزة عن مجالات ابداعية لا تجعلنا قساة في التحامل عليهم لانهم غير ناقدين, والفكرة الجميلة وراء ذلك والتي اظن ان د. يمنى العيد قصدتها اضافة الى تحريك الراكد في الواقع هي تحميل المبدع وخاصة مرحلة الشباب مسئولية الكلمة والحكم والموقف, وهو جانب اتوقع انه سيلبى لدى الكثيرين وتحديداً اولئك الذين تعرضوا لـ (سياط) النقد المضاد.