أذكياء وأغبياء ورحلة سفر قرأت في إحدى المجلات مقالا يقول ان بحثا أجراه بعض العلماء اكتشفوا من خلاله ان نسبة الأذكياء تمثل 6% من سكان العالم أما السوبر أذكياء فلا تتعدى 2% والباقي تتفاوت نسبة الذكاء عندهم. شدني هذا الموضوع رغم ان الكاتب لم يشر إلى مكان البحث أو مصدر معلوماته, بالرغم من عدم اقتناعي بالبحث لكني قلت في نفسي انه ربما في الموضوع نسبة من الصحة, إذ ان هناك مجموعة قليلة من المخترعين والعلماء يملكون عبقرية يسخرونها لخدمة البشرية ويوفرون للناس كل ما يحتاجونه للعيش في رفاهية ويمهدون لهم للاستمتاع بالراحة, وهؤلاء هم السوبر أذكياء الذين يتركون اختراعاتهم في أيدي الأذكياء وتحت اشرافهم للعمل عليها والاستفادة منها, وبالتالي يتم استخدامها من قبل ما تبقوا. وحتما من بين السوبر أذكياء صانعو الطائرات. فالطائرات تعتبر من أرقى وآمن وأسرع وسائل المواصلات وهي أيضا من أخطرها وأعقدها صناعة. ولقد بدأت صناعة الطائرات مع بداية القرن العشرين مثلها مثل سائر وسائل النقل, لكنها تطورت بسرعة فائقة جدا من حيث السرعة والشكل وحتى الخدمات, ولا شك ان دور مخترعي هذه الصناعة وهم السوبر أذكياء ينتهي بعد أن يتم تجهيزها وتسلم للاستخدام البشري. ومن هنا يبدأ دور الأذكياء فيأخذون بزمام أمور ادارتها وتطوير شكلها واضافة وسائل الرفاهية عليها. ثم يأتي دور من هم أقل ذكاء ويمثلون الجهاز الذي يديرها بشكل يومي, وهؤلاء هم الأغلبية وفي كل موقع, فكيف يتعاملون مع مستخدمي هذه الوسيلة عالية الصنع تقنيا والذين يقدرون بالملايين في كل ساعة؟ طبعا بأسلوب أناس قد تكون درجات ذكائهم أدنى من 50%. في إحدى السفريات وأنا آتٍ من قارة إلى أخرى ومنها إلى بلادي وخلال تنقلي من طائرة إلى أخرى في أحد المطارات ولانني من الركاب العابرين جلست في صالة الدرجة الأولى أنتظر الاعلان عن موعد اقلاع الطائرة, بعد برهة ذهبت إلى المضيفة لأتأكد من الموعد, كانت تمسك سماعة التلفون تتحدث وتضحك وكأنها في عالم آخر وليست في الدوام الرسمي وعليها الاهتمام بالمسافرين الذين يعتمدون عليها للوصول إلى وجهاتهم. وبعد أن أدركت وجودي أمامها سألتها عن الرحلة, قالت بنبرة متوترة: انتظر ولا تقلق عندما يحين الموعد سنناديك, سكت ورجعت إلى مقعدي وأنا غير مطمئن لانه حسب معلوماتي ان الطائرة سوف تقلع بعد ساعة من وصولي, والآن قد مضى أكثر من ثلثي الوقت, ذهبت إليها مرة أخرى وسألتها عن الرحلة, استغربت عندما قالت ان الطائرة على وشك المغادرة وعليَّ بالاسراع إلى البوابة حاولت مجادلتها وبأنها هي السبب لانها لم تنبهني في الوقت المناسب. قالت: لا تضيع الوقت وأسرع لكي تلحق بطائرتك فقد لا تلحقها. تركتها مسرعا خوفا من أن تفوتني الطائرة ولا أجد رحلة أخرى في نفس اليوم, وصلت أخيرا لبوابة الدخول إلى الطائرة, أوقفتني المضيفة وقالت: إلى أين؟ أعطيتها بطاقتي, لقد تأخرت!! أنا آسف, نحن أيضا آسفون. لقد أغلقنا البوابة, حاولت اقناعها بأنه لا ذنب لي لكنها قطعت بعدم تمكني من السفر على هذه الرحلة. طبعا تأكدت من عدم وجود حقيبة لي على متن الطائرة إلا ما أحمله, فأدركت مدى أهمية الحقيبة في الطائرة. ولو كانت حقيبتي عليها لكان وضعي أحسن لانهم لن يتحركوا إلا وأنا معهم خوفا على سلامة الركاب والطائرة. المهم ان من يستلم عمل وجهد الأذكياء هم الأقل ذكاء وتقديرا للموقف لا كما يقدره الأذكياء؟ فلو اهتمت المضيفة الأولى بعملها لكانت قد عرفت وجهتي وأعلمتني في الوقت المناسب, ولو حاولت الثانية فهم موقفي وأدركت أهميته لاستطاعت مساعدتي في السفر على متن تلك الرحلة وكان باستطاعتهما تجنب ما حصل. طارت الطائرة!! مع هذا السوبر أذكياء لم يتركوني لوحدي بسبب وفرة الأعداد الهائلة في الطائرات. لذا وفقت في الحصول على حجز مقعد في طائرة أخرى قادمة من ... وذاهبة إلى بلادي في نفس الليلة ولخوفي من تكرار ما حصل كنت أول المسافرين على متنها. حاولت الاسترخاء ونسيان ما جرى لكنني فوجئت بحركة غريبة وأصوات مرتفعة داخل الطائرة اقتربت إحدى المضيفات سألتها ما الموضوع؟ هل حصل شيء؟ قالت انهم مفتشو الرقابة على الأغذية, لماذا؟ الطائرة قادمة من دولة عربية شقيقة إلى مطار دولة عربية شقيقة ومغادرة إلى دولة عربية شقيقة. لماذا كل هذا التدقيق؟ بادرني من بعيد المفتش بالجواب: نعم. الطائرة قادمة من دولة عربية شقيقة وذاهبة إلى دولة عربية شقيقة لكنها طائرة غير شقيقة ونحن ندقق على الممنوعات!!!