من بحر البلطيق الى السيدة زينب لا يكاد المرء يدري لماذا يظل مشغولا بحكاية الأسماء وخاصة أسماء الاعلام (بالهمزة المفتوحة) فضلا عن تغيير تلك الأسماء بمبرر أحيانا وبغير مبرر معقول في كثير من الأحيان. ولقد شعنا في حديث سلف حكاية تغيير اسم الدولة المصرية من خديوية الى سلطنة ومن ملكية الى جمهورية مصرية ثم الى عربية متحدة ثم الى مصر العربية وصولا إلى حكاية أرض الكنانة التي حسبها المترجمون السوفييت ـ يالفزعهم الشديد ـ اسما جديدا للدولة الصديقة التي تتخذ عاصمتها القاهرة. وما كان للزملاء المترجمين الروس, تحريريين كانوا أو فوريين أن يفرقوا هلعا يروعهم طائف الدهشة والاستغراب.. ألم يكن لهم عبرة وأمثولة من تاريخهم الحديث ذاته مجسدة في عروس بحر البلطيق التي كانت تحمل اسم لننجراد التي ظلت على مدار قرنين من الزمان الحديث عاصمة زاهرة لامبراطورية آل رومانوف في روسيا بعد أن أسسها بطرس الأكبر وهو أيضا بطرس الأول في عام 1703 ولكنه أطلق عليها وقتها أول أسمائها وهو: سان بطرسبورج (وتنطق في الروسية سانكت بطرسبورج). وحين نشبت الحرب العالمية الأولى في عام 1914 أعاد القوم تسمية المدينة وخلعوا عليها اسم (بتروجراد) ولكن هذه التسمية لم يطل أمدها سوى سنوات عشر لا تزيد, وحين جاء عام 1942 كانت مياه كثيرة بل كانت موجات ودوامات قد اضطربت في مياه الفولجا والبلطيق ونهر نيفا الذي تقع المدينة على دلتاه وخلال السنوات العشر اياها.. دخلت روسيا الحرب العظمى ومنيت بالهزيمة التي أسلمت إلى سقوط أسرة رومانوف ذاتها وزوال دولتها الامبراطورية واندلاع ثورة اكتوبر البلشفية عام 1917 بزعامة فلاديمير ايلتسن لينين الذي كان يتمتع بكاريزما مواهب قيادية باهرة وخارقة يحرك بها الجماهير والأحداث والأوضاع.. ولكن لم يكن القدر ليمهله ليتربع على سدة الحكم بالكرملين طويلا وحين مات لينين عام 1924 بكاه الروس وعمدوا إلى جسده ليحفظوه وحين أرادوا تخليد اسمه (ان كان لبشر إلى بشر تخليد) تلفتوا من حولهم فلم يجدوا غير المدينة المسكينة المهيضة الواقعة على البلطيق فحولوا اسمها من بتروجراد إلى لننجراد وكانت تلك بداهة هي التسمية الثالثة للمدينة الجميلة.. ولكنها يالسوء حظها لم تكن التسمية الأخيرة بحال من الأحوال والذي حدث أن والت بدورها المنظومة السوفييتية التي اسسها لينين نفسه وظلت لننجراد تنعم باسمها الجديد على مدى 70 عاما إلى أن جاء منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي فاذا بتماثيل لينين تجتث من أساسها واذا بسيرة الرجل ورفاقه تخمل في حوليات التاريخ الروسي المعاصر واذا بضريحه المشهود يصبح أو يكاد قاعا ـ كما يقولون ـ اين هذا من طوابير الزوار الذين كانوا يصطفون مع كل صباح ترقبا لنظرة يلقونها على الهيكل المحنط مثل تمثال البلاستيك للزعيم المحبوب الذي كان؟ وأخيرا دارت الدائرة على مدينة البلطيق فاذا بحكومة بوريس يلتسين تعود فتخلع عليها اسمها الأخير.. ولا نقول الاسم الرابع... لماذا؟.. لأن المسألة كانت عودا على بدء, بمعنى أن أصحاب يلتسين عمدوا الى اعادة الاسم الامبراطوري الذي كان إلى المدينة فأصبح اسمها هو سان بطرسبورج الذي سبق وحملته كما ألمحنا منذ عام 703 ولا ندري هل استرجعت اسمها على نغمة ما أحلى الرجوع اليه أم ان المدينة أسلمت أمر تسميتها وشعاراتها وتوصيفها إلى الله بعد أن داخت السبع دوخات بين أربع تسميات. ولعل السبب في هذا كله هو الاهواء والتحيزات التي تستبد بنفوس البشر.. فاذا بهم يحاولون تصفية حساباتهم التاريخية وهي حسابات كثيرا ما تكون ضيقة وأحيانا حمقاء وأحيانا جبانة وذلك على حساب رموز الذكرى ودلالات الأماكن وحقائق التاريخ. ألا ترى الى ذلك المسطح الهائل من الماء العذب الزلال الذي أمكن تكوينه ليصبح أكبر أو من أكبر مستودعات المياه العذبة التي صنعتها ارادة الانسان وعمل الانسان في العالم هذا المسطح المائي الذي تشكل وامتلأ بعد انجاز مشروع سد أسوان العالمي وتبلغ سعته الاجمالية نحو 169 مليون متر مكعب من المياه وبفضله أضافت مصر نحو 800 الف فدان إلى مساحتها المزروعة وحولت الى حيز الري الدائم نحو 700 الف فدان لتصبح زراعات منتجة على مدار العام, هذا المرفق المائي الباهر دخل التاريخ المعاصر تحت اسم (بحيرة ناصر) وكان ذلك تكريما لاسم الزعيم الذي رحل بعد أن قاد, ضمن ما قاد, ملحمة بناء السد العالي, وفيما كانت الأطالس والموسوعات العالمية تتحدث في أحد مداخلها أو خاناتها عن (ليك ناصر) بحيرة ناصر دأبت بعض النفوس الصغيرة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت على أن تلوك اسما هجينا بغير ملامح أو هوية ـ بحيرة السد العالي ـ ورحم الله استاذنا الكبير أحمد بهاء الدين اذ كتب في (الأهرام) منبها الى مثل هذا الصغار.. ويحسب للرئيس المصري مبارك أنه رد الأمر الى نصابه الموضوعي الصحيح حين التفت الى القوم يقول: اسمها بحيرة ناصر.. مفهوم؟ وعاد الاسم التكريمي على الألسنة والشفاه وسنون الأقلام.. يستوي في ذلك شفاه المنافقين وأقلام المنصفين على السواء. ويبدو في مجال التسميات ان الشوارع حظوظ والأماكن والمواقع بخوت. في القاهرة مثلا شارعان كان أولهما يحمل اسم فاروق (ملك مصر السابق) والثاني يحمل اسم فؤاد (الملك الوالد الأسبق).. وبعد ثورة 52 غيروا الاسمين فأصبح الأول هو شارع الجيش الذي حفظه الناس لينسوا تماما اسم فاروق, فيما ظل الناس عبر أجيال مختلفة متمسكين باسم شارع فؤاد لايرضون بتسميته الجديدة وهي 26 يوليو اللهم الا للأغراض الرسمية والمستندات الحكومية التي لا يرجون عنها فكاكا وليس لهم عنها مندوحة (كم أردنا ان تتاح لنا الفرصة لكتابة لفظة مندوحة هذه والحمد لله أن جاءت الفرصة تجرر أذيالها). في القاهرة أيضا لا يكاد يعرف أحد أن ميدان عابدين اسمه الرسمي (ميدان الجمهورية) : وأن ميدان التحرير حاول البعض أن يسميه ميدان السادات. الناس تفرض التسمية بعواطفها وعوائدها وعفويتها وفطرتها السليمة التي لا تكاد تخطىء الطريق السليمة وهم لا يكتفون فقط بالتعرف على اسم المكان بل قد يدفعهم الحب الكبير الى أن يخلعوا عليه أو على رموزه الفاظ الاعتزاز وشارات المحبة والتدليل. ومن أبلغ الأمثلة على ذلك حي السيدة زينب أخت الحسين بن علي رضى الله عنهم وهو الحي الذي نشأ بين ظهرانيه داعيكم كاتب السطور.. في حينا القديم لا تكاد تسمع اسم (زينب) وانما تسمع أكثر من لفظ يأتي دالا على مكانتها السامية السامقة في قلوب المحبين. هي السيدة.. وهي الست وهي أم هاشم وهي الطاهرة.. وهي رئيسة الديوان وهي بنت بنت النبي صلى الله عليه وسلم وهي أم العواجز بمعنى ملاذ المستضعفين ومهوى المنكسرين.. أرأيت أجمل من هذا في مقام المحبة ومرافي الزلفى وصفاء الاعزاز؟