ليست هذه دراسة في الأدب المقارن بين عملاقين من عمالقة الادب العربي يفصل بينهما أكثر من عشرة قرون من الزمان. لكن التشابه بينهما في بعض مناحي الحياة والعطاء الفكري يجيز لنا شيئا من التماثل بينهما, لاسيما أنهما ذوا فكر موسوعي وأسلوب ساخر, وقدرة خارقة في النقد الادبي لم يجد سبيلاً الى المحاباة فكثر خصومهما وقل اصدقاؤهما, لكن الاجيال العربية قدرتهما في الحياة وبعد الممات. أول أوجه التشابه بينهما المنبت الفقير المتواضع لكل منهما, والسعي الدؤوب لتحصيل العلم واثبات الذات الادبية في زمن لم يكن يقدّر الفكر حق قدره. فالجاحظ الذي كان يعمل جمالاً عند بني كنانه كجده الاسود وقد تسنّى له ملازمة العلماء في مجالسهم, والفقهاء في مساجدهم, والشعراء في الأسواق, استطاع تحقيق حلمه في أن يغدو مدرساً يمنح الاجازة في التدريس لطلابه مع (طموحه) في امتلاك حمار يقلّه من مكان عمله الى بيته. ومارون عبود الذي تمرّد على واقعه الفقير في احدى قرى بلاد جبيل (عين كفاع) وأبى الإنخراط في سلك الكهنوت كجده, وأصر على تحصيل العلم حتى قدر له أخيراً أن يغدو مدرساً ثم مديراً ومدرساً للغة العربية في الجامعة الوطنية في عاليه, وكانت من ارقى المدارس الثانوية في لبنان. ولم يكن الحمار بعيداً عن مقتنياته في منطقة جبيل حيث كان يتنقل به بين المدارس التي عمل فيها وبين بيته في القرية. الواقعية والسخرية كان الجاحظ واسمه عمور بن بحر بن محبوب ويكنى بأبي عثمان المولود في البصرة عام 775م والمتوفي فيها عام 869 من أوائل الادباء الموسوعيين العرب, إذ كتب في شتى حقول المعرفة, التي تنوعت بين العلم والفلسفة والأدب والإجتماع وأمور الدين والطبيعة, والاخلاق والعادات, والطبائع والأجناس منها: (البيان والتبيين) , (والحيوان) و(البخلاء) , (القحطانية) , و(العدنانية) (رسالة التربيع والتدوير) وقد عدّ المؤرخون له مئة وسبعين كتابا, بين رسالة صغيرة ومؤلف يبلغ عدة مجلدات ولعله أول كاتب عربي إستخدم اسلوب الواقعية النقدية المشحونة بالصدق والسخرية ايضا, ولم يوفر في سخريته نفسه ذاتها, حيث قال عن سبب صرف الخليفة المتوكل له عن تعليم ولديه بأن ذلك كان بقبح وجهه.. ومن يقرأ كتابه (البخلاء) يتبين مدى السخرية في اسلوبه, على الرغم من ان معاصريه لم يشكلوا في الوقائع التي اوردها عن البخلاء وهي موفورة المبالغة كما يخيّل للقارىء. ومارون عبود كذلك كان ادبه مضمخاً بالواقعية النقدية, يشرئب الصدق من بين السطور كما تتجلى السخرية العميقة في كل ما كتبه, ليس القصص والروايات وحسب, بل النقد الادبي ايضا. ونذكر في هذا المجال أنه حينما كان يعدّ صفحة أدبية في مجلة (الاحد) البيروتية في الخمسينيات بعنوان من (الجحبة) ردّ على أحد الأدباء الذي تساءل عما يمكن ان يكتبه الاديب في هذا العصر, ولم يترك من سبقوه أي موضوع خليق بالكتابة عنه. قال عبود إن الكاتب الحقيقي لا يطرح مثل هذا السؤال (فالجاحظ كتب عن الذبان فصولا خالدة..) . إن هذه السخرية اللاذعة في نقده تبيّن ايضا حبه للجاحظ الذي لم يستشهد باحد سواه, وكثيراً ما كان يتطرق الى عبقريته الفذة. ومثله مثل الجاحظ صنف مارون عبود كثيرا من المؤلفات ذات النفس الموسوعي. فقد شملت مؤلفاته النقد الادبي وأدب السيرة والقصص القصيرة والروايات, وهذا ما يتبدى من عناوين: الرؤوس, وجوه وحكايات, اقزام وجبابرة, جدد وقدماء, فارس آغا, زوبعة الدهور, صقر لبنان, حبر على ورق, الامير الأحمر, العجول المسمنة وعلى المخدة. بيد ان اعمال مارون عبود بقيت كلها سالمة, فيما ضاعت معظم أعمال الجاحظ بعامل غزوة المغول لبغداد وإحراق المكتبات فيها. بعيداً عن المحاباة وكما كان الجاحظ بعيداً عن قصور الخلفاء والأمراء منكباً على التأليف والتدريس, يمقت المحاباة أو النفاق, كان مارون عبود بعيدا بدوره عن ذوي السلطان لا يجيد التملّق والرياء, بدليل أنه ناهض الكهنوت الماروني الذي وقف فوقف مناهضا من أمين الريحاني لانتقاده الكنيسة, وعلى احمد فارس الشدياق صاحب كتاب: (الساق على الساق فيما هو الفارياق) لإعتناقه الاسلام واتخاذه لقب (أحمد) اسما له, وذلك بعد المأساة التي تعرض لها شقيقة الاكبر اسطفان الذي ترك الكثلكة واعتنق البروتستانتية, وقد حبس في دير ماروني وخضع لتعذيب جسدي لم يستطع تحمله. فكان كتاب مارون عبود عن احمد فارس الشدياق المعنون بـ (صقر لبنان) تحدياً للكهنوت وتأكيدا على أنه فوق الاعتبارات الدينية. وهذا ما اكده مرة اخرى حينما اطلق على ابنه البكر لقب (محمد) فكان مارون عبود المسيحي الماروني ابا محمد. وعندما تؤرخ سيرة حياة هذا الكاتب الفذ الملقب من قبل بعض كبار الادباء العرب بجاحظ العصر لابد وأن مآثره ستذكر على مدى الاجيال الاتية, واهمها تعاليه على الأمراض التي يئن منها المجتمع اللبناني وفي مقدمتها الطائفية والإنعزالية فهذا الرجل العظيم كان عربياً وانسانيا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى والامر الوحيد غير المتطابق, كمجال للمقارنة, بينه وبين الجاحظ, أن الاخير عاش أربعاً وتسعين سنة, برغم اصابته بمرض الفالج.. ولو لم تسقط عليه اكوام كتبه من على رفوف المكتبة لكان من الممكن ان يعمر اكثر من ذلك بكثير. بينما لم يعش مارون عبود اكثر من ست وسبعين سنة فقط تخللها المرض في اواخر حياته. بقلم: عوض شعبان