كانت مصادفة غير سارة ان ينتاب قلبي عارض من عطب موجع وأنا أتابع بمسرة واستمتاع ـ وللمرة الثالثة ـ قراءة رواية القلب (كوكورو) لهذا الكاتب الرائد (ناتسوميه). وهو بلا جدال من أهم اعلام الرواية الحديثة في تلك البلاد, وان كان عديد من النقاد والباحثين يعتبرونه أعظم روائي ياباني اطلاقا. واذا كنا نرى وجهه مرسوما على العملة الورقية اليابانية من ذات الالف ين, فان وجه رئيس الجامعة مرسوم على ورقة من ذات الخمسة الاف ين, كما ان وجه باحث اقتصادي كبير يحتل رسمه ورقة العشرة الاف ين.. وهكذا ينسجم اليابانيون مع أنفسهم: الاقتصاد اولا, والجامعات ومراكز البحث العلمي ثانيا, ثم يأتي دور الادب. يرتبط اسم (ناتسوميه) بالحداثة اليابانية وما رافقها من صراعات وانتصارات وخيبات في شتى ميادين الحياة. ومن غرائب الامور ان يتهم هذا الكاتب الرائد بالجنون وهو يتابع دراسته العليا في انجلترا. ولعله جنون العبقرية المبكرة التي كانت تنتظره في وطنه. ان عمره الابداعي لا يزيد الا قليلا على عشر سنين, لكنه خلال هذه السنوات القليلة استطاع ان يترك ثروة ادبية متميزة جعلت اسمه يقترن بأكبر الاسماء العالمية في مجال الابداع: ديستويفسكي وشكسبير. وفي العام 1968 جرى استطلاع بين خريجي اربع جامعات يابانية حول أهم الروايات اليابانية في إطارها العالمي فكانت رواية (كوكورو) لهذا الرائد المبدع في المرتبة التالية لرواية ديستويفسكي (الجريمة والعقاب). ومرة سألت احد طلاب الدراسات العليا في جامعة طوكيو ان كان قرأ روايات (ناتسوميه) كلها فأجابني بشيء من الاستغراب: (الا ترى اني ياباني؟!) . ولد كِنُّوسُكيه ناتسوميه في 1867 في مدينة (إيدو) التي تحول اسمها في السنة التالية الى طوكيو (عاصمة الشرق) مع مجيء الامبراطور ميجي ـ رائد نهضة اليابان الحديثة وانفتاحها على العالم. لكن الكاتب الشاب اخذ ينشر باسم مستعار هو (سوسيكي ناتسوميه) حتى صار معروفا به. كان الطالع السيء ينتظر الفتى منذ مولده. كان ابوه في الثالثة والخمسين من عمره يوم جاء الطفل الى الحياة. وفي ظل التقاليد الصارمة خجل الوالدان من مجيء ذلك الطفل في تلك السن المتأخرة فتخليا عنه لاسرة اخرى تتبناه. وهكذا عاش بين الثانية والتاسعة في رعاية الاسرة الجديدة, لكن حدوث الطلاق بين الوالدين الجديدين اعاد الصبي الى أهله فظن ان والديه الحقيقيين هما جداه. وكان لهذه الطفولة المضطربة الخالية من الحب اثرها البالغ في حياته كلها. خلافات زوجية درس ناتسوميه الادب الانجليزي في الجامعة الامبراطورية ثم صار مدرسا له بعيدا عن طوكيو منذ 1895 وفي السنة التالية تزوج ابنة احد المسئولين, وقد صارحها بقوله: (انا باحث, ولابد لي من الدراسة. ليس لدي وقت للاهتمام بك. ارجو ان تفهمي ذلك بوضوح) . لم يكن متعاطفا مع المرأة. وتشير بعض الدراسات الى أنه لو أولى المرأة اهتماما أكبر لما كانت اعماله طافحة بالحداثة التي احتفت بها. وكانت حياته الزوجية حافلة بالخلافات والمنغصات المتوترة, نظرا لمزاجهما المتنافر, وبخاصة ان الزوجة المسكينة كانت تتعرض لنوبات متكررة من الهستيريا, بينما ازداد الشاب المرهف قلقا وضجرا مع ازدياد اعباء الحياة الزوجية ومسئولياتها. وفي 1900 ارسلته الحكومة في بعثة دراسية الى انجلترا, وبدا ان تلك المهمة ستكون خلاصا ـ ولو مؤقتا ـ من معاناته الخاصة. لكن الرحلة كانت مصحوبة بالخيبة والعناء منذ البداية. فالحكومة لم تحدد له مجال الدراسة ولم تقم بأية ترتيبات مسبقة لمتابعة تحصيله العالي, بل اكتفت بإرساله الى هناك ليدرس اي شيء. ولم يكن دخله كافيا كغيره من طلبة الدراسات العليا فعاش في حالة بائسة من العزلة والانطواء. وكان عزاؤه الوحيد ان يغرق نفسه في قراءة العلوم والفلسفة والآداب وكل ما يحظى باهتمامه ويخفف عنه مرارة الواقع المحيط به. تجربة مع الصحافة كانت هذه التجربة, رغم قسوتها, نقطة انعطاف هامة في حياته. فقد عاد في 1903 ليعمل استاذا للادب الانجليزي في الجامعة. لكنه لم يحتمل هذا العمل طويلا فتخلى عنه, متفرغا للكتابة المتسلسلة في الصحافة اليومية, كما كان يفعل ديستويفسكي. وقد ساعده صديقه رئيس تحرير صحيفة (أساهي) على تحقيق هذا الحلم الكبير, بدءا من العام 1907. وكان قبل ذلك قد أصدر كتابين, اولهما يعد من الهجائيات الساخرة في الادب الياباني وعنوانه (أنا هر) والثاني (المعلم الصغير) المترجم الى الانجليزية بعنوان (بوتشان) وهو اللقب الساخر الذي اطلقته الخادمة عليه. والعملان ينهلان من تجربته الخاصة في التدريس. وتشير الدراسات التفصيلية عن هذا الرائد الى انه كان بارعا في دراسته للادب الصيني, ولاسيما الشعر, منذ ايام الجامعة.. حتى انه كان قادرا على كتابة الشعر بالصينية كما كتب الهايكو في اليابانية. ولكن تألقه برز وتفرد بكتابة الرواية والقصة القصيرة والدراسات النقدية. كان (ناتسوميه) ضد المؤسسات وأغلالها البيروقراطية, بدءا من البيت حتى الجامعة. لذلك آثر التفرغ للكتابة, طليقا بعيدا عن اعباء اية مسئولية اخرى. تكفيه هذه الرسالة الابداعية في رصد النفوس من حوله والتغلغل الى أعماقها المضطربة. ومع انه كان من رواد الحداثة واستشراف الآفاق الجديدة, الا انه في الوقت ذاته كان من دعاة التمسك بتراث امته الياباني, فضلا عن تعمقه بالدراسات الصينية. ان الزمن هو البطل الخفي في جميع رواياته, مدركا بعمق ما يجيش في تيار الزمن من أهواء وصراعات وما يرافقه من تحولات عاصفة او مكبوتة. سخرية شاملة ان الدكتور تاكيو دوي ـ المحلل النفساني ـ خص (ناتسوميه) بكثير من الدراسات المستفيضة, وخاصة في كتابه المرسوم بـ (عالم ناتسوميه سوسيكي النفساني) ـ هكذا يقدم اليابانيون اسم العائلة على الاسم الشخصي. ولا يتردد الدكتور دوي ان يضع اسم الكاتب الى جانب اسم (فرويد) في مقدرته على تحليل شخوصه المعطوبة. لكننا ندرك بوضوح ان منشأ ذلك العطب المدمر ليس ذاتيا وانما هو نتيجة منطقية من نتائج الاستلاب امام الغرب وتقليده في كل شيء من الازياء حتى الأخلاق والفلسفة والمثاليات. ولعل هذا هو موضوعه الدائم والمتكرر بأشكال وأسماء مختلفة: موقفه من الثقافة الغربية وطغيانها, موقف الاستنكار والسخرية واجترار الاسى. منذ ان جعل من نفسه قطا يرصد سلوك صاحبه مدرس اللغة الانجليزية الذي أطلق عليه اسم (كوشامي) ومعناها (عطاس) وهو يسخر من نفسه بلا رحمة كما يسخر من الاخرين. وتضم الرواية احد عشر فصلا وتقع في ثلاثة مجلدات. وقد انجز هذا العمل الطريف خلال سنتين (1905 ـ 1906). كما كتب خلال هذه الفترة عدة قصص قصيرة, منها (ميراث الذوق) و(صوت الاشياء). وفي هذه الاخيرة لجأ الى الخرافات التقليدية. وهنا يختار حيوان الغرير الذي يسحر الناس ـ كما تروي الحكايات الشعبية, لا لشيء الا ليسخر من المجتمع المعاصر وما استحدث من بدع مستوردة. ويتحدث, على لسان احدى الشخصيات, عن كتاب من تأليف غرير يوضح فيه كيف قامت مدرسة حيوانات الغرير بخداع الشعب الياباني طوال اجيال, وكيف تستعمل بعض هذه الحيوانات (أساليب التنويم) المستعارة من حيوانات الغرير في الغرب. ولا يتردد (مؤلف) الكتاب ان يعلن اسفه واستنكاره لذلك, ولكن بصورة سرية! التقاليد العريقة ومع ان الكاتب معجب بالفردية الغربية ولا يخفي احترامه للنظام الليبرالي الغربي, لكنه يرى ان من الحماقة التخلي عن التقاليد اليابانية العريقة. واذا كان قد اختار بعض الحيوانات ابطالا لاعماله فليس ذلك موجها للاطفال كما هي الحال عندنا. ان النظرة الى الطبيعة ـ الام, من نبات وحيوان, تختلف اختلافا جذريا عن نظرتنا اليها. ان كثيرا من اليابانيين يعتقدون ان ارواح حيوانات معينة تحرسهم وتجنبهم المكاره والاخطاء, لكنهم يتحاشون الاعلان عن تحديد تلك الحيوانات امام الاجنبي على الأقل. وحين يختار (ناتسوميه) شخصيته المحورية من كائنات الطبيعة حوله فلأن استقاء الحكمة واستلهام الرشاد يمكن ان يكون من اي مصدر. وفي روايته القصيرة (أحلام الليالي العشر) او (عشر ليالٍ من الأحلام) يتناول عشرة احلام مختلفة باختلاف لياليها. وفي أحدها يصور طفلا في السادسة من عمره يركب على ظهر الراوي ويقوده الى حيث قام الراوي, قبل مئة سنة, بارتكاب جريمة قتل فيها رجلا اعمى. وحالما يتحقق الراوي من ارتكابه تلك الجريمة يصير الطفل على ظهره (ثقيلا كآلة من الحجر) . انه يرمز بذلك الى (عبء الماضي) وتبعاته المرهقة. ونرى ان جميع تلك الاحلام حافلة بالسوريالية واللامعقول, لكنه يكشف بها جمال الاسطورة وقد دمره العصر وتجاوزه. ثلاثيته الاولى الهامة مؤلفة من (شانشيرو) 1908, و(اما بعد) 1909, واخيرا (البوابة) 1910. عنوان الرواية الاولى (سانشيرو) مأخوذ من (سان) وتعني (ثلاثة) و(شي) ومعناه (اربعة) ولعله استقاها من تجربته الشخصية اثناء التدريس في الجامعة, اذ ان عمر الشخصية المحورية فيها (سانشيرو) في حدود اعمار طلابه بين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين. وهو خلافا لأبطاله في الروايات السابقة, من المحافظات البعيدة يأتي الى طوكيو ليدرس في الجامعة. وفي القطار يلتقي الاستاذ (هيروتا) الذي يوجه انتقادات ساخرة للمجتمع الحديث, ومع ذلك يبدو ساذجا وغير واقعي. واحد من زملاء (سانشيرو) يطلق على هذا الاستاذ صفة (الظلام الشديد) لأنه قرأ كل شيء ولكن (لا يصدر عنه اي ضوء) . ومع انه لا يقوم بأي عمل, فإن (سانشيرو) يقع تحت تأثيره الساحر ويغدو مثله رافضا للمجتمع الذي سيعيش فيه. وهذا اول عمل روائي للكاتب يشتمل على تحليل كامل لشخصية الانطوائي الذي عزل نفسه عن الواقع المحيط به واستسلم لنزعة شديدة في ان يجعل من المجهول مثالا له. وهو لا يكتفي بالانجراف وراء افكار (هيروتا) الخيالية المعقدة, لكن المرأة ايضا تغدو شيئا مثاليا في محيط مثالي. وهكذا يصير العالم الواقعي لا واقعيا وتضيع الحدود والمعايير. دايسكي هو بطل الرواية الثانية (اما بعد) من الثلاثية. وهو اكبر من (سانشيرو) بسبع سنين, ويختلف عنه اختلافا كبيرا. انه شخص واثق من نفسه, حسن المظهر, وهو اكثر ذكاء, وشخصية انسانية محببة كما نراها في الحياة من حولنا. لكنه متبطل لا عمل له, وهذه صفة عامة تكاد تشمل جميع ابطال (ناتسوميه). ومع انه كان يحب (ميتشيو) حبا صادقا الا انه يتخلى عنها ليتزوجها صديقه العزيز. ولا يكتشف خطأه الا بعد ان يرغمه ابوه على الزواج من احداهن ولأسباب تجارية. وحين يسعى لاستعادة حبه املا في اكمال الحياة معها بعيدا عن المجتمع الذي كان منسجما معه, يكتشف ان الزمن تخطاه ولم يعد اصلاح الخطأ ممكنا. ان الكاتب هنا يثير اسئلة عميقة حول طبيعة الفرد وعلاقته بالمجتمع. هناك خلل ما داخل النفس يشبه العطب في شخوص شكسبير التراجيدية, وهذا العطب المتنامي هو الذي يؤدي الى دمار الشخصية او وصولها الى الخيبة والخذلان في نهاية المطاف. واذا استطاع البطل اصلاح خطيئته, فإنه معرض للوقوع في جريمة اكبر من الخيبة والخذلان. رواية (البوابة) (البوابة) هي الرواية الاخيرة في هذه الثلاثية, وتروي قصة رجل اكبر من (دايسكي) بكثير. وهو مثله يرتكب في شبابه جريمة اختطاف زوجة صديقه الحميم. ورغم مظاهر الحب المخيم على العلاقة الزوجية بين البطل الآثم وقرينته, الا ان الزوجة عاقر وهكذا يبدو مستقبلهما قاحلا وبلا معنى, وكثيرا ما تغشاه احداث الماضي كالكوابيس. وهنا ايضا يطرح الكاتب مفهوم الشخصية الانطوائية المعزولة دافعا اياها, الخلل فيها, الى نهايتها الخانقة, لكنه لم يكتف هنا بأنموذج واحد بل جعلها انطوائية مزدوجة. وبدل ان يكون الحب عزاء ودافعا لفتح النوافذ والآفاق على الحياة ومشاركة الاخرين, كان وسيلة للانغلاق ومجافاة الناس والابتعاد حتى عن الحياة وضياع المستقبل. ويبحث البطل عن خلاص روحي في احد المعابد املا في ايجاد طريق ما, ويصف الجهود التي بذلها الرجل بأسلوب متألق, لكنه يظل عاجزا عن فتح البوابة فلا يحظى بالاشراق الذي كان يرجوه, ان فتح البوابة او انفتاحها يعني الاستسلام الكلي والتخلي عن النفس والتلاشي في الكون (صوفية الزمن البوذية) لكن الاشراق يعطى ولا يؤخذ, وهو يدرك ان القرحة في معدته لابد ان تؤدي به الى الهلاك. ويذكرنا ذلك بالهر ـ بطل الرواية الاولى اذ كان يشير الى صاحبه بأنه مصاب بالقرحة! في 1911 بدأ سلسلة من المحاضرات برعاية (اساهي) ذاتها, وفيها يهاجم تلك النزعة المسعورة لتقليد الغرب والانخلاع من الجذور. ثم بدأ في كتابة ثلاثية جديدة انجز منها الرواية الاولى (حتى الاعتدال الربيعي وأبعد) والثانية (عابر السبيل) 1912 ـ 1913. في الاولى يبدو البطل مسكونا بالحياة الرومانسية في بلاد غريبة بعيدة, لكنه مجبر على كسب العيش بأي عمل فلا يجد الا ان يستأجره احدهم لملاحقة رجل عجوز والتجسس عليه. ومع انه يكتشف الخدعة التي وقع فيها, الا ان اللعبة تستهويه ويغدو مهووسا بمعرفة اسرار الاخرين. تتركه الرواية في حاله (المتفرج المعزول) عن الحياة, وتتجه الى صديقه الانطوائي الذي لا يقوم بأي فعل حاسم, بل يبقى عاجزا حتى عن البوح بحبه لابنة عمه. وهو يمضي في طريقه الى الانهيار العصبي, الا ان عمه ينصحه باتباع حياة العبث حتى يحافظ على توازنه العقلي. ان الكاتب هنا يشير الى دور القارئ السلبي, ولاسيما قارئ الرواية. والرواية لا تكون مفهومة او جذابة الا اذا تماهى القارئ مع احدى شخصياتها. هذا الكشف قد يؤدي الى حل مشكلة الشخصية المحورية في الرواية, الحل الذي يكمن في معايشة الناس والتفاعل مع العالم الخارجي. لكن البطل يبقى عاجزا عن ذلك, لعلة في تركيبه النفسي. وبذلك يقترب (ناتسوميه) في رسمه لشخوصه من التراجيديا الشكسبيرية بعبقرية متفردة بين اقرانه. في (عابر السبيل) يبدو البطل في حالة مرضية اشد سوءا من اي شخصية اخرى. انه جنون الارتياب حتى بالاخ والزوجة. والبطل هنا ايضا استاذ جامعي. لكن جنونه يمضي به في طريق الدمار التدريجي, حتى يسعى احد الاصدقاء الى انقاذه بأن يصحبه للعيش في الريف املا في شفائه. ويرى الصديق ان حل المشكلة يكمن في التسامي فوقها, ولكن هل يستطيع تحقيق ذلك؟ ولنتأمل حالة هذا البطل: (ان كل حادثة في حياته هي خلاصة مقطرة للاعتلال الذي يعاني منه الجنس البشري بأكمله) ان حالة كهذه تستعصي على المعالجة والشفاء. كوكورو بعد هذه الاطلالة السريعة على بعض الجوانب البارزة من عالم (ناتسوميه) الروائي, نقف عند الرواية الاخيرة من ثلاثيته الثانية. كتب هذه الرواية في العام 1914 قبل سنتين من وفاته, وعنوانها (كوكورو) ومعناها (القلب) او (لباب الاشياء). هناك كلمتان في اللغة اليابانية بمعنى (القلب): (شنزو) ـ بكسر الشين وتسكين النون) ـ ومعناها العضلة القلبية التي تضخ الدم, و (كوكورو) ـ (دون مد الكافين المضمومتين, انما الواوان الاولان للدلالة على الضم) ـ ومعناها: مركز المشاعر والعواطف.. وحتى الافكار. لذلك نرى ان الذين نقلوا هذه الرواية الى اللغات الاجنبية حافظوا على عنوانها الياباني, وبخاصة ان المؤلف لم يضع العنوان بالابجدية الصينية التي ترسم شكل القلب بخطوط اربعة, لكنه كتبها بالابجدية اليابانية المبسطة (هيراجانا), ولعل في ذلك تأكيدا على معاني الكلمة ودلالاتها كلها. الرواية بلسان المتكلم, وهذا يجعلها اشد قربا من قلب القارئ وعقله. انه يتماهى مع بطليها مباشرة: المعلم والطالب. الرواية من ثلاثة فصول: انا والمعلم انا ووالداي, المعلم ووصيته. الراوي في الفصلين الاولين طالب جامعي. والفصل الثالث يغطي نصف حجم الرواية, وهو عبارة عن رسالة يوجهها الاستاذ الى الطالب ويوضح له فيها جميع الاشياء التي كانت تبدو غامضة او غير مفهومة في الفصل الاول. والرواية بلا اسماء. هناك طالب يلتقي استاذا لا يمارس اي عمل ويخاطبه الطالب بصفته (سنسيه) ـ بكسر السينين ـ ومعناها: استاذ او معلم. ويخاطب بهذه الكلمة الدالة على الاحترام الطبيب والقاضي والمحامي.. وكل من هو اكبر منك سنا من غير الاقرباء. مشكلة الاستاذ انه يحمل في اعماقه شعورا بالاثم بسبب مصرع صديقه وزميله الجامعي (ك). فقد كانا يسكنان, اثناء الدراسة, عند اسرة مؤلفة من سيدة ارملة وابنتها الصبية وخادمة. يقع الصديقان في حب الفتاة, من دون علمها. لكن (ك) يخبر صديقه بمدى شغفه ويعلمه بأنه مشرف على الهلاك ولا يعرف كيف يتصرف. لكن الصديق يسخر منه ومن حبه, ولكي يقطع عليه الطريق يبادر الى طلب يد الفتاة من امها, في غياب صديقه ومن دون علمه او استشارته. وحين يعلم الصديق (ك) بذلك ينتحر في غرفته, تاركا رسالة اعتذار لصديقه وللسيدة, كما يطلب من صديقه ان يقوم بكل ما يلزم بعد موته. والجملة الاخيرة تقول: (لماذا انتظرت كل هذا الوقت حتى اموت؟) . هذا هو السر الذي يخفيه الاستاذ حتى عن زوجته ولا يعلم به احد الا هذا الطالب في نهاية الرواية وبعد انتحار الاستاذ الذي يقول في رسالته ـ وصيته الاخيرة: (كيف استطيع الهروب الا من خلال الايمان او الجنون او الموت؟) هذه العناصر الثلاثة تتكرر في جميع روايات (ناتسوميه). انه يرصد الانسان في وحدته العصرية الخانقة ولا يجد له خلاصا الا في الايمان الديني او الخلاص من العقل او الخلاص من الحياة. لقد اختار الاستاذ المقبرة التي دفن فيها صديقه, وكان يزوره في يوم محدد من كل شهر طوال حياته, من دون ان يطلع احدا على السبب الحقيقي لتلك الزيارة. ان الكاتب يوحي بطريقة غير مباشرة ان الحداثة التي اقتحمت اليابان هي الداء الكامن وراء تدمير الشخصية اليابانية: لقد دمرت القيم والتقاليد العريقة ولم تؤسس قيما انسانية بديلة. ان حالة المجتمع الياباني, من خلال روايات (ناتسوميه), تشبه حالة المجتمعات العربية والاسلامية في وقتنا الحاضر: محنة الهوية والقيم. يقول الاب المريض لابنه الذي تخرج من الجامعة ولم يجد عملا بعد: (في ايامنا, كان الابناء يقومون باعالة والدهم. اما اليوم, فالابناء يعيشون الى الابد عالة على والديهم) . ويصف هذا الخريج الجامعي نصائح ابيه بأنها (محاضرة) ! ان تقليد الغرب لم يكتف بتدمير الاسرة والقيم الاصيلة, وانما جلب معه عدم احترام الاجيال الناشئة لجيل الآباء كذلك. لقد كرس هذا الكاتب المتألق حياته او, بكلمة ادق, السنوات العشر الاخيرة من حياته للكتابة الابداعية والنقدية, مضحيا بكل شيء اخر. لقد عاش حياة شبه منقطعة عن الاخرين, وحتى عن زوجته الى حد ما. ويقال ان علاقته الاجتماعية لم تزد عن التواصل مع اثنين من الكتاب الشباب واثنين من الكهنة البوذيين. رسائله الى الكاتبين كانت حافلة بالنصح والتوجيه, اما رسائله الى الكاهنين فكان يلتمس لديهما شيئا من سكينة الروح بعد حياة لم تعرف الاستقرار الا بين القلم والكتب. بقلم: علي كنعان