قبل عشرة أعوام وبالتحديد في العام 1988 فازت جائزة (نوبل) العالمية بأديبنا العربي الكبير نجيب محفوظ! هذا هو ما حدث وليس العكس فصاحب (الحرافيش) الذي عكف بتعفف لا نظير له على واقعنا ليسجل أدق تفاصيل الحياة اليومية العربية في (زقاق المدق) و(قصر الشوق) و(اللص والكلاب) ، وسواها وهو المكسب الذي حازه الأدب العالمي بمعنى الكلمة وهو الذي مازال حتى هذه اللحظة واحدا من القمم التي نجحت (نوبل) في الوصول إليها. نجيب محفوظ (87 عاما" مازال حتى الآن أيضا حاضر الذهن متوقد البداهة لاذعا وساخرا ورغم الأعوام المديدة التي كان شاهدا عليها وفي حوارنا الذكرياتي التالي معه.. يفتح نجيب محفوظ لـ (البيان) خزانة أسراره ليحدثنا من القلب إلى القلب. في البداية.. نريد من نجيب محفوظ كلمة بعد هذا العمر!! الحمد.. لله *ما هي الجوانب الإنسانية لنجيب محفوظ؟ ـ كل أعمالي التي قمت بكتابتها للإنسانية وكل رواية كنت أكتبها كانت تحمل رسالة تريد من يقرأها.. ويفهم معانيها. ـ شهادة نجيب محفوظ على العصور التي مرت عليه! العصور التي مررت بها تحمل أشياء كثيرة وكل عصر به الإيجابية والسلبية ولكن أهم شيء في حياتي هو ثورة 19 لأنني ولدت فيها وثورة يوليو التي كان لها أثر عميق في مصر كلها ولأنني أيضا كنت قد تجاوزت الأربعين. الثقافة إلي أين؟ * إلى أين تتجه الثقافة المصرية خاصة والعربية عموما؟ ـ أنا (ارى) أن الجو الثقافي ليس كما يجب ولكن الإنتاج والمنتجين موجودون ومتوفرون والذي أتيح لي قراءته, وهذا لأنني قد توقفت عن القراءة منذ عشر سنوات كانوا ناسا منتجين وعظماء جدا سواء الذي تربينا على أيديهم ويطلق عليهم جيل المربين أو جيل الزملاء الذي عاصرتهم والأجيال التي جاءت بعدنا ابتداء من جيل الستينيات وكل واحد من هؤلاء أعطى عطاءه وبينهم من لا يزال يعطي والدليل على ذلك الذي قرأته سواء في سوريا والعراق وأفريقيا الشمالية لكن توقفي عن القراءة أسفت له جدا لأنه حرمني من متع القراءة والفن سواء المقروء والمصور أو المسموع. * هل تعتقد أن الصراعات والخلافات السياسية أثرت في اتجاهات المثقف العربي؟ ـ بالتأكيد الخلافات السياسية أثرت لأن المثقفين والكتاب العرب تختلف مذاهبهم واهتماماتهم وبسبب ذلك حدثت صراعات بينهم ومعارك قلمية ولا تزال ولكن من وجهة نظري هذه المعارك تعتبر من منشطات الحركة الثقافية عموما. وعلى المثقف العربي أن يظل على اتجاهه مهما واجه من صعاب وخلافات. * أفضل نصيحه يقدمها الأديب الكبير نجيب محفوظ للنهوض بالثقافة العربية ؟ ـ أفضل شئ هو الانتماء للثقافة العربية وتعليمها في مراحل التعليم المختلفة ثم الاهتمام بها من جانب أجهزة الإعلام وأن الجوائز والتكريم للأدباء والمثقفين له دور أساسي للنهوض بالثقافة العربية. لسنا أمة فقيرة * هناك من يقول أن الثقافة العربية سوف تتوه في الثقافة الكونية التي بدأ العالم في تكوينها في الفترة الأخيرة.. فما رأيك؟ ـ كل ذلك يعتمد على قوة وأصالة الثقافة العربية ويجب أن نثق تماما في أنفسنا فالأمة العربية ليست فقيرة في الثقافة ولا هي هشة حتى تخشى الثقافات الأخرى, فمنذ مئات السنين وربما الآلاف وهي تنتج الثقافة والفنون بأرقى ما يكون ولها شخصيتها رغم الأزمة الطارئة التي تعيشها الآن فيجب ألا نخشى من أي فكر أجنبي بل أهلا به.. فهل يجوز أن ترفض الصحيح لا شيء إلا أنه جاء من عند الآخر؟ إننا بذلك نعادي أنفسنا.. فالصراع الثقافي غير الصراع العسكري يحتوي على القتل والإبادة وتنتهي فيه المعركة بغلبة أحد الأطراف المتصارعة بينما الثقافة لا يمكن إلا أن تزيد من رقعة الجمال التي يمكن أن تستمتع به البشرية لذلك فتعبير مثل الغزو الثقافي.. مثلا يعني شيئان مختلفان تماما عن الغزو العسكري إذا أطلعت على ثقافة أجنبية لدولة حديثة أو عدو فاستنفدت منها ربما تكون سببا غير مباشر من أسباب تفوقي في المستقبل. * إلى أي مدى يمتلك الأديب حرية الفكر والكتابة ومن وجهة نظرك؟ ـ هذه النقطة تختلف من بلد إلى آخر ولكن عموما أرى أن حرية الفكر والكتابة تتحسن مع الوقت. * نتطرق إلى ما هو قائم الآن على الساحة العربية والمحلية من صراع وأحداث كثيرة لا نسمع فيها رأي الأديب نجيب محفوظ.. فهل توقف الأديب نجيب محفوظ عند موقفه من السلام رغم استمرار العدوان الإسرائيلي؟ ـ في الحقيقة الاعتداء الإسرائيلي وتوقف عملية السلام أحزنني جدا ولكني عادة لا أحب التشاؤم خاصة في هذا السن وآمل أن تتحرك عملية السلام مرة أخرى. مطلوب موقف عربي * وما هي رؤيتك للصراع العربي الإسرائيلي بعد نصف قرن من تفجره؟ ـ لا أقول شيئا سوى انه صراع مرير وضحاياه كثيرة ولكن بدأ يتجه إلى اتجاه آخر, ولو استمر هذا الصراع قائم وظلت المؤتمرات العربية عند موقفها دون حراك سوف يسفر هذا الصراع عن دفع ضحايا كثيرة لا حصر لها, لذلك لابد من أن نقف وقفة عربية حقيقية أمام هذا العد والغادر وبجانب أي دولة عربية شقيقة. * هل العرب لا يملكون خيارا سوى السير في عملية التسوية؟ ـ نعم.. وأنا لا أرى غير ذلك! * في ضوء تجربتك الطويلة ما هي مواطن الخلل في الجسد العربي التي أعاقت النهوض العربي ؟ ـ العرب وحدة ثقافية من قديم الزمان وحتى الآن وإلى الغد كان يجب أن يصاحبها وحدة اقتصادية أي سوق اقتصادية واحدة واتحاد في الفكر السياسي بقدر الإمكان وعليهم أن يعيشوا عصرهم وأن يهتموا بالعلم والثقافة. * ما هي العوامل التي يمكن أن تستثمر في إزاله الخلافات وعودة التضامن ؟ ـ الإدارة والعزيمة والدخول في الموضوع بجدية ويجب أن يعلم كل العرب أنهم داخلون عالماً جديداً وإن دخلوه فسوف يستطيعون أن يشقوا طريقهم فيه ولكن لو كانوا متفرقين يخشى عليهم من الضياع. * هل من المناسب ونحن في الألفية الثالثة الوقوف عند غزو العراق للكويت؟ ـ لا.. لابد من التحرك دائما إلى الأمام ونواجه كل غزو صهيوني وغزو العراق للكويت مسألة انتهت والواقع أن استمرار العقوبة على العراق حتى الآن يعتبر ظلما كبيرا. * ألا ترى أن المفكر والأديب العربي مسئولا عن غياب الوعي الشعبي وحالة الانفصال بين الحكومات والشعوب؟ ـ أشير.. إلى أن كل صاحب قلم وصوت يشترك في هذه المسئولية والإعلام عليه أن يقوم بجزء من واجبه جيدا وكذلك المثقفون كلما أتيحت لهم الفرصة في اللقاءات والكتابة والتأليف لابد أن يدعوا إلى التضامن العربي حتى لا يتملكنا غياب الوعي الشعبي. القيم لا تزول * هل نجيب محفوظ وفدي ولا يزال؟ * ليس هناك ما يسمي بالوفد الآن, لكن الوفد تاريخيا والوفد الحالي ليس امتدادا لتراث الوفد الذي عرفته في الأربعينيات ولكن يبقى لنا من الوفد قيم لا تزاول مثل الحرية الديمقراطية والوحدة الوطنية. * ما هي أسباب تعدد الأحزاب وعدم رغم الإحساس بحزب واحد منها ؟ ـ الأسباب كثيرة ولكن أهمها اختلاف الرأي واختلاف الرؤيا ومن وجهة نظري أن الأحزاب في تعددها خير وليس شرا لأن لكل حزب رأيه واتجاهاته وهنا في مصر من يميل للحزب الفلاني وآخرون يميلون للحزب الفلاني وهذا يجعل لدى الناس الفكر السياسي والدراية الكاملة لكل ما يدور في الوطن حتى لا يعيش الناس في غفلة ولذا فانها خير للمواطنين. * ما تعليقك على القرار الأخير لمجمع البحوث الإسلامية بعدم مصادرة الكتب المخالفة والاكتفاء بالرد عليها ألا ترى أن وجود تلك النوعية من الكتب يمكن أن تسمم أفكار الجيل الحالي؟ ـ لو تركت بمفردها قد تسمم أفكار الجيل الحالي ولكن طالما أنها عرضت للمناقشة, مؤكد سوف يكون القرار النهائي اختفاء وزوال هذه الكتب تماما. الامن للرجل والمرأة * لعبت المرأة دورا كبيرا في إلهام الكتاب فمن هي المرأة التي كانت لها دور كبير في حياة نجيب محفوظ؟ ـ بالفعل المرأة لها دور أساسي في حياة كل أديب وكانت ولكن بالنسبة للمرأة التي كانت مصدر إلهامي فهي مسألة خاصة ولا اريد الحديث فيها. * ما تقيمك للأحداث الأخيرة التي حدثت في الكشح؟ ـ في الحقيقة أنها عملية مؤلمة جدا ولكن الخير الوحيد فيها أنها جعلت ناس كثيرون يفكرون كيف يصونون الوحدة الوطنية وكيف يبعدون عن الضعف والانهيار؟ أما هي في ذاتها فهي حادث أليم جدا وترك في نفس أثرا سيئاً للغاية.. * وما رأي الكاتب والأديب نجيب محفوظ في قانون الأحوال الشخصية الجديد والضجة التي أثيرت حوله؟! ـ كل هذه الضجة التي أثيرت حوله؟! كل هذه الضجة ليس لها واقع من الصحة وأنني مع كل تقدم في مصر وربما يجعل هذا القانون الجديد قاعدة عريضة من الأمن والأمان سواء للرجل أو المرأة وأنني مع نقد المرأة بصفة خاصة. * ما هي الرواية التي اثرت في نجيب محفوظ؟ ـ ليست واحدة بل هناك روايات كثيرة كان لها اثر في وجداني ولا أستطيع حصرها الآن ولكن بالطبع الذي أذكره الآن هو أشهر رواياتي وهي الثلاثية و(بنات حارتنا) . الرواية في حالة نشاط * الرواية العربية الآن وموقعها في عالم اليوم من وجهة نظرك فماذا تقول؟ * أقول أن الرواية العربية في حالة نشاط الآن بل أنني أتنبأ لها بمستقبل افضل وخاصة عند تحويلها إلى أعمال تلفزيونية مما يخلق قاعدة جماهيرية لها. فالاتجاه الغالب الآن هو الأدب المصور.. أما عن موقعها في العالم اليوم فأود أن أقول أننا نكتب كذلك الأمر فيما يخص أصحاب الرواية في العالم كله.. سواء الرواية العربية أو الغربية فكل يحمل خصائص وشخصية البيئة التي نبع منها كما أن لكل منهما وجوده وأثره وتأثيره.. فكل رواية عربية بلا شك إضافة تعالج مشكلات وقضايا البيئة التابعة منها وتناقش عادات وتقاليد وظروفا اجتماعية عاشها الأديب ويكشف عنها وله فيها رؤية وأسلوب يتميز به.. وخلاصة القول أنه لابد وان يكون للرواية روح خاصة وأسلوب خاص متأثر بالذات نابع من الأرض اشتقت منها أفكار هذه الرواية.. بهذا يمكن أن تتميز الرواية العربية. * من من الشباب يمثل نجيب محفوظ في شبابه وهل فكر نجيب محفوظ في أن يتبنى أحد منهم؟! ـ هناك كثيرون وتوقفي عن الكتابة يجعلني غير ملم بالأدباء الشبان جميعهم ولو ضربت مثلا لأديب وانسى الآخر فربما يغضبهم مني. مثلي الأعلى * هل لنجيب محفوظ مثل أعلى؟ ـ كثير اذكر منهم (العقاد) (طه حسين) (المازني) (توفيق الحكيم) وهيكل وكان قبلهم المنفلوطي وأحب أن أشير إلى أن توفيق الحكيم لو كان حيا الآن لعرفت جائزة نوبل طريقها إليه. * نجيب محفوظ.. كيف يرى الحياة بعد السابعة والثمانين؟ ـ على المستوى الشخصي (احمد الله على كل شيء ولكن لم أكن أتمنى أن أصل إلى تلك المرحلة حيث أوشكت أن أفقد معظم حواس السمع والبصر فلم أعد أقرأ ولم أعد أكتب, وأصبح السمع طفيفا للغاية وكذلك البصر وبذلك فقدت معظم وسائل الاتصال مع الناس ومع الحياة ولكن لم أعد أطلب من الله سوى حسن الختام, ولكن أيضا الإنسان لا تتم طمأنينته إلا عندما يطمئن على ما حوله ومن حوله وأنا للأسف أرى العرب الآن يمرون بمشاكل تنغص على الإنسان منا صفوه ويصلوا إلى بر السلام والأمان إن شاء الله تعالى والحمد لله. حوار: وليد الضبع