تحولت صالات عرض الفنون او ما يصطلح عليه بلاجدال (الجاليريات) الى وسيط الزامي لا تستقيم دونه العلاقة المنشودة بين الفنانين (رسامين وخطاطين ونحاتين) من جهة والجمهور مشاهدا متذوقا وزبونا مقتنيا من الجهة المقابلة. في اخبار التاريخ والحضارات القديمة، كان الرسم حالة شعبية لوجاز لنا نعتا مشابها, فالرسوم محفورة على الجدران وفي الحجرات في متناول الاعين الرائحة والغادية, اذ ان انسان العصور السحيقة لم يعقّد علائقه مع الفن وكان خيطاً لا مناص من حياكته في نسيج الحياة التي التفت الى اسطوريتها وروحانيتها وبزّ الانسان العصري في مناح ما زالت تصيبنا بالدهشة. اليوم, يعيش الفنان في اطر جديدة أغدقت عليه ادوارا مستحدثة ورفعت عنه وظائف اخرى, ولو كان بمقدور المغني والعازف والاديب والممثل التواجد والانتشار بسهولة عبر أشرطة الكاسيت والسي. دي والشاشات الصغيرة والاصدارات المعروضة في المكتبات التي قد يدخلها القارئ بيسر من اعتاد شراء جريدة او مجلة او كتاب, فإن حال التشكيلي مختلفة بعض الشيء ووصوله الى الناس لا يسهل بلا قاعة عرض تبرز اعماله وتجعلها اقرب الى المتلقي, فالسند الذي يؤمل فيه خيرا وهو الوسائل الاعلامية لا يمرر للوحة وفنانها اي دور بطولي في الاغلب الاعم, كما تنتقص العين من الاحاطة الشاملة دون الوقوف مباشرة امام اللوحة بلا موصل بصري. ولن يقصد الجميع مراسم الفنانين الخاصة وان فتحت ابوابها للزوار هي في المحصلة ورشة تعوزها جماليات العرض واصوله, ولن ينهض كثيرون بمشروع مماثل لما انجزه النحات اللبناني المعروف الفريد بصبوص في قريته راشانا على سبيل المثال, ولن تقام على مدار العام تظاهرات فنية في الشوارع والساحات والحدائق تقلص المسافة بين الابداع والعامة. اذن, وفق هذه المعطيات تكون صالة العرض الحل الجذري الذي لا غنى عنه. فرنسا كانت البداية يعود السبق في افتتاح اولى (الجاليريات) بشكلها الحديث المتعارف عليه الى فرنسا, وتوالت الحالات في عموم اوروبا وامريكا وبقاع كثيرة في الارض وبينها الوطن العربي, وكانت لفرنسا ايضا الريادة في مسألة بورصات اللوحات التي تشغل العديدين في الدول الاجنبية الذين يتسابقون على اقتناء عمل احد الفنانين العظام بمبالغ خيالية كأن تباع احدى لوحات بيكاسو بملايين الدولارات. بورصة الفن ماتزال بعيدة المنال عن ذهنية المتلقي العربي اجمالا ويكفينا تقليد بورصات العملة, وعلى اي حال هذا ليس لب موضوعنا, وما نحن بصدده القاء نظرة على امارة دبي بالتحديد وذلك لسببين اساسيين اولهما انها الاكثر احتضانا عدديا للجاليريات على مستوى دولة الامارات, وثانيهما الاستهجان الذي ربما اصاب البعض كون سياسة الامارة لا تعني بالثقافة وقنواتها كاولويات لو جاء ذكر امارة الشارقة التي حملت في احدى السنوات لقب (عاصمة العرب الثقافية) . تتداول الاحاديث دوما وفي كل البقاع تقريبا حول الصبغة التجارية لهذه الصالات وتفوقها المحتمل على الرسالة السامية التي كانت اساسا وراء فكرة انشائها. لقد تصالح الغرب مع ذاته في هذا المنحى فأحدث فصلا مريحا بين التسليع والفن مع انه لم يعارض تداخل مفهومي الفن والسوق كتجارة (راقية) تكتسب بعدها الانساني الى جانب المال الذي هو عصب الحياة ومطلبا بديهيا لاستمرارية عطاء الفنان, خاصة التشكيلي الذي تكلف ادواته ما يفوق دون وجه مقارنة سعر اقلام الحبر او الرصاص! مهنية وتجارية في حديثنا عن عدد جاليريات دبي (الكثيرة) نقيس على مساحة الامارات وتعداد سكانها, لأننا لن نورد المانيا على قدم المساواة هي التي تضم خمسة آلاف جاليري! وتعنينا نقطة اساسية محورها غلبة الحضور النسائي حيث غالبية اصحاب الجاليري او المدراء هم من الاناث, وهي (ظاهرة) ملحوظة في عدة اماكن. في ملفات دائرة التنمية الاقتصادية التابعة لحكومة دبي, المرجعية الاساسية والوحيدة في منح التراخيص, نجد ان اول ترخيص اعطي للصالة العربية للأعمال الفنية في سبتمبر 1987 تبعته (جرين آرت) في ديسمبر 1994 وكثرت التراخيص في السنوات الاخيرة لتبلغ تسع صالات عرض وفق التعريف التالي (تقوم بعرض الاعمال والمعروضات الفنية مثل اللوحات الفنية والمنحوتات والصور الفوتوغرافية واعمال الحرف اليدوية والتحف وغيرها, وذلك بشكل دائم او بتخصيصها لاقامة معارض للفنانين من وقت لآخر ويشمل ذلك القيام بالترويج لتلك الاعمال) . وفي حقيقة الامر ان عددا اخر لا بأس به من الصالات يحمل ترخيصا لا يتوافق مع هذا التعريف لأنه ليس مهنيا, انما تجاريا ويلزم صاحبه بالتسجيل في غرفة تجارة وصناعة دبي, وتتضمن اعمال الصالات المقصودة بيع البراويز والصور واللوحات. منذ عشر سنوات افتتحت أمل ملحم جاليري اسمته (بوزار) ويعني الفنون الجميلة باللغة الفرنسية, وفي تلك الاثناء لم تكن الصالة عملا متداولا وشائعا بالشكل الكافي في دبي, لذلك توضح امل قائلة (ان الجاليريات كثرت في السنوات الخمس الاخيرة ما من شأنه ان يرتقي بالذوق الفني لأبناء البلد, ويرتقي أيضاً بالناحية الاخلاقية للفرد اذ ينعكس استهواء اللوحات على الطباع الانسانية) . وترى العنود عبدالرحمن صاحبة (هنر جاليري) الذي افتتح منذ مدة ان انتشار صالات العرض في دبي ظاهرة حضارية, خاصة وان الحركة الفنية في كامل انحاء الامارات وليدة وفي بداياتها. قد تكون الجاليري جاءت استجابة لتقليد الموجود على مستوى المنطقة او في العالم لكنها مع الوقت حازت على خصوصيتها. هي مهمة وتبرهن عن وعي حضاري ثقافي فني والا لم تلق كل هذا الاهتمام. بالتأكيد ان جانبا تجاريا كان المحرك غير اننا نشاهد مجموعة اقتحمت هذا الميدان لأنها تتذوق الفن وتشعر بقيمته او انها اصلا من فئة الرسامين وثمة مجموعة اعتبرته مصدرا للرزق ومجالا للعمل. صناعة السياحة وتفسر مايلة الاتاسي من (الجرين آرت) الكثرة ضمن اطار عام تشهده الامارة على مستويات تنموية واقتصادية تكون فيها صناعة السياحة مركز الثقل ولا تساوي معادلة الكم النوع حاليا وستفرزها مع الايام. تقول مايلة (من الطبيعي ان تكثر الجاليريات التجارية بسبب الحركة الاستهلاكية والمعمارية, ومعظمها يلتقي مع خدمات الفنادق والشقق المفروشة كما ان لها ناحية منافسة بحكم صناعة السياحة التي تنتعش في دبي. اما الجاليريات (الثقافية) ففيها نقص كبير واتمنى ان تزداد بحيث يصبح بمقدور الزبون ان يختار ويميز. وربما احد مسببات الكثرة ناهيك عن المواكبة هي الغيرة التي تسري بين الناس وقدرة السوق على التحمل) . المرأة تظهر على رأس الجاليريات في اكثر من بلد عربي واجنبي وليست الملحوظة حكرا خاصا بدبي, فلو ولينا وجهنا شطر العراق عرفنا ان اول صالة عرض فيه انشأته الفنانة المعروفة وداد الاورفة لي. وفي لقاء سريع مع التشكيلية العراقية سميرة عبدالوهاب على هامش معرض (المرأة والفنون رؤية عالمية) الذي نظمته اندية الفتيات بالشارقة مؤخرا, تكلمت على تنشط النساء في امتلاك وادارة صالات العرض في العاصمة العراقية, اذ بلغن حوالي ثمانية فيما مجموع الجاليريات ثلاثين ازدحم حضورها في الآونة الاخيرة على رغم مشاكل الحصار وآثاره السلبية. وتؤمن سميرة ان المرأة هي خير من يدير هذا العمل واستشهدت بقاعتها المسماة (قاعة بغداد) والتي صنفها فريق اجنبي جال على الجميع الاولى من حيث مستوى العرض وطريقة التقديم. وتوضح سميرة (اتصور ان المرأة هي افضل وانجح من يقدم الجماليات فكيف الحال لو كانت فنانة لديها رؤية وحساسية مضاعفة. واظن ان الانثى مالكة لامكانيات مردها تركيبتها الشخصية وتنجح عبرها في التسويق الذي لا مناص منه في هذا النوع من الاعمال) . ثقة الرجل الدكتورة دوروثيا فاندر فولن مالكة لجاليري يحمل نفس الاسم في المانيا شاركتنا الآراء وأكدت على ان معظم اصحاب الجاليري في بلدها هن من فئة النساء او انهن شريكات رئيسيات في الصالة الى جانب الرجل. باشرت دوروثيا الاشتغال في الفن منذ اثنين وعشرين عاما مع انها تحمل شهادة في الفلسفة, غير انها لا تجد ضيراً في المسألة لو توفر لديها التذوق المطلوب. خلاصة خبرتها المهنية هذه تدفعها لاعطاء حكم مسنود وليس مجرد انطباعات. تقول (ان النساء يفهمن الفن اكثر وعلى وجه التحديد روح الفن, وباستطاعتهن ايضا تعليمه ونقلة للآخرين, بينما الرجل يجد نفسه بصورة افضل في عالم الاعمال واعتقد انه كذلك في كل العالم وليس في المانيا وحدها. عندما اعمل منفردة تظهر المسائل صعبة للحاجة للتعلم والافضل ان يكون لدى المرأة أخ او اب او زوج يوفر عليها الوقت والتعب. من جهتي احاول اقامة روابط بين الفنون والصالات والمتاحف, انه عالم واسع اضطر فيه الى التعامل مع مختلف الجنسيات من كل مكان كآسيا وامريكا واوروبا) ودوروثيا لديها معرضاً من اهم واكبر عشرين معرضاً في المانيا التي تحتوي خمسة آلاف بينها مئتين وخمسون فقط متخصصة ومحترفة, لا تعتقد ان كونها امرأة يعطيها الافضلية نظرا لأن طبيعة الرجال لا تعطي الثقة الكبيرة للنساء عموما الا ان هذه الطبيعة لا تحول دون النجاح فقد باعت في احدى المرات عملا بمليون دولار امريكي, وتضيف ان الذكور هم الذين يشترون ويقومون بالتجميع اجمالا. هل للمرأة خصائص تتكامل مع عمل الجاليري حتى تبدو العمود الرئيسي الاصلح له؟ تجيب مايلة الاتاسي ان المرأة تتقن هذه المهنة لأنها تهتم بها ولديها حساسية مرهفة وحب عطاء, ويساعدها عنصر تمتعها بمشاعر الامومة والقابلية في استيعاب الاخر وميزة الاقناع وهذه مبررات طغيان الوجود الانثوي على الجاليريات مثلما يحصل في لبنان والاردن وسوريا وتونس والمغرب ودول اخرى اجنبية. وتوضح وفق تجربتها الشخصية الخاصة ان (متابعة نشاط الجاليري امر متعب لأنك في الوسط بين الفنان والابداع الذي يتطلب تعاملا من نوع خاص غير سهل وتفهما وبين المتلقي, وهمزة الوصل هذه مسئولية كبيرة. ليست تسلية على الاطلاق, انها عمل واثبات ذات وعملية بناء اسم وتعاطٍ مع الفنان وتمكن من ايصال اعماله الى الجمهور المتنوع الاذواق والمشارب والميول. مع الفنانين لم يحدث معي يوما ان شعرت بعدم تكافؤ في طرفي العلاقة وقد تصح وجهة نظر صعوبة التعامل كوني امرأة على مستوى الزبائن. ولا تختلف العنود في رأيها مع محدثتنا السابقة وتفنده قائلة (ان السيدات يبدين اهتماماً أكبر ويقبلن على افتتاح صالات العرض في الامارات من الرجال الذين يتحملون اعباء اعالة الاسرة ويؤثرون الاتجاه الى الوظائف حيث المردود الشهري المضمون, او الى الاعمال الحرة بضروب التجارة المختلفة, اضافة الى ان للمرأة تكويناً حساساً واتجاهات طبيعية نحو الفن. ونلاحظ في الغرب على عكسنا ذكورا يشتغلون في هذه المهنة. واتوقع ان يدخل المواطن مع مرور الزمن الى هذا العمل) . وحول بدايتها تشير انها لم تبدأ من فراغ وسبق لها تجميع اعمال فنية حفزت لديها فكرة الجاليري الذي عرضت فيه اولا مقتنياتها الخاصة, ولقيت تشجيعا في خطوة وصفتها بالجريئة. وتعتقد العنود ان لكل جاليري معايير واضحة في اختيار الفنان والعمل والاعداد علما ان الهدف في الاصل تيسير عرض الاعمال وعدم الاثقال على الفنان وتوضح (ان المرأة تتعامل بسهولة ولا يغلب عليها الجانب المادي. فأنا على سبيل المثال آخذ نسبة على المبيعات ولا افرض على الفنان دفع ايجار يومي, فالصالة لها رسالة تحملها بأمانة تجاه المجتمع مع اخذ المادة بعين الاعتبار تأمينا للاستمرار) . عقلية العطاء والوظيفة اما أمل ملحم فتعتز بخلفيتها الفنية التي تميزها عن جميع الموجودات في الساحة (لدي خلفية فنانة لا تمتلكها اية صاحبة جاليري في دبي, فأنا خريجة كلية فنون واعمل في حقل اختصاصي كما انني احلم بمكان فني يشتمل على عرض اللوحات والديكورات التي اصنعها بيدي. ان صالة العرض لا تعطي مردودا ماليا ضخما كما لا تتطلب ميزانية كبيرة. برأيي ان المرأة الطف وأرق وانا مرتاحة مع زبائني مع ان هذا (البيزنس) يحتاج وقتا للتأسيس ولا تثمر نتائجه سريعا) . وتختتم امل كلامها بأن احتواء دبي للصالات سببه عقلية العطاء والجهد الشخصي فيما الشارقة تعتمد على مجهود الحكومة والفارق في عقلية الوظيفة. وتفضل مايلة الاتاسي هنا ان يتم اقامة متحف فني في دبي تصبح له مقتنياته وعالمه ولجنته المشرفة عليه, فمدى (تجارية) الصالة تتبع ادارتها والاشخاص القائمين عليها والحكومة, وساقت جاليريات الغرب مثالا اذ نقع على فصل في الاختصاصات هو دليل عافية واقبال حيث عروض للفن الياباني لا تتداخل مع الانتيك او الفن الحديث او الاستشراق. (هناك جهد مادي ومعنوي يستدعيه المعرض ويحتاج ايضا الى تثقيف ذاتي واقتناع باحضار الدم الجديد حتى نقنع الجمهور به. انا لا استطيع الكلام عن تلك التي تفتح صالة للهواية والتسلية لأن مفهومها عندي جدي جدا) . وتأسف العنود في الا تحتضن دبي صالات عرض حكومية او تولي الفن الاهتمام الذي يستحقه, اذ تغيب عن النظر المراكز الثقافية او المتاحف الفنية او مراكز تدريب الفنون التابعة للحكومة. (اتصور ان مثل هذه المرافق لو انشئت في دبي ستكون ناجحة وتستقطب جمهورا اذ نرى ان معظم الفنانين في الامارات يؤثرون العرض في هذه الامارة) . ولا توافق العنود على ان سيدات يفتحن جاليريات لفيض في المال او رغبة في قضاء الوقت, فمن لديها المال دون التوجه الفني تفتح محلا للألبسة او صالونا للتزيين. الصورة ليست بتلك البساطة, ثمة مسئولية تجاه الذات والمجتمع والفنان ومتذوقي الفن. عموما, لا الحظ ان كثيرا من الجاليريات تظهر ثم تختفي مع عدم الغاء احتمال الفشل لو تضاعفت الاعباء المالية. ان الجاليري ادارة في نهاية المطاف شأنها شأن اي عمل اخر) . تحقيق: رندة العزير