في ثنايا عدد اليوم, يقدم (بيان الثقافة) بيانا عالي الحساسية وواضح النبرة حول اختفاء الثقافات, وهو بيان خطير ومهم (لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) , في الجانب الآخر من مشهد الحضارات الذي نقرأ فيه الكثير ونقول عنه الكثير, هناك زوايا تثير اخطر الاسئلة, وتجعل علماء واخصائيي حضارة ولغات يطلقون صرخات على شاكلة: (فقدان اللغة يشبه القاء قنبلة على متحف اللوفر) ! لقد تحدث كثيرون حول سلبيات الصورة المتكدسة بأفواج المهاجرين الاجانب لدول الخليج, وكان اول ما تم طرحه هو الخطر الثقافي الذي سيقود اليه هذا (الموزاييك) العرقي الحضاري اللغوي في مجتمعاتنا التي تتآكل وتنقرض ثقافيا دون ان تحرك ساكنا, ولان هناك من يتصدى دائما لحملة الحديث عن اخطار (الهجرة الاجنبية الوافدة) واصفاً ايّاها بالعنصرية وضيق الافق وعدم القدرة على التعايش مع الآخر وفق مصالح وقوانين السوق وشبكة المصالح العالمية والعلاقات المتجذرة في التاريخ بين الحكومات, والأمر ليس كذلك أبداً. فاليوم كما الامس, ومثلما حدث لحضارات الآزتك والانكا والهنود الحمر في الامريكتين حدث ايضا لسكان استراليا, ويحدث الآن لحضارات عريقة في كولومبيا وافريقيا وجنوب شرق آسيا... فعندما تتمادى آلة الحضارة الغربية في شراستها يصبح اغتيال الآخر مسكوتا عنه وربما ينال الاستحسان والتشجيع ايضا تحت ذرائع حاجات السوق والتحضر والقضاء على التخلف وبرامج التنمية و... ان استغلال ثروات الشعوب (البدائية كما يسميها الجنس الابيض) والملوثات الناجمة عن المصانع, ووسائل النقل واجتثاث الغابات لاجل صناعة الاثاث وغيرها, لا تفعل شيئا سوى القضاء على المزيد من الحضارات وتدمير الملايين من الشعوب وافقار التربة والدفع نحو ظهور ملايين اخرى من المشردين والمرضى والجوعى, اما لماذا يحدث كل ذلك؟ فالاسباب كلها عند اساطين الاسواق والتجارة واصحاب المشاريع ووصفات البنك الدولي واصحاب نظريات التفوق العرقي. انه وخلال مراحل التاريخ كان هناك ما يقارب 10.000 لغة محكية, اما اليوم فمن بين اللغات الـ 6000 التي لا تزال محكية, هناك كثير منها لا يعلم للاطفال نهائيا, وهناك 300 لغة فقط يتحدث بها اكثر من مليون شخص, وفي غضون قرن آخر قد تضيع نصف اللغات المحكية حول العالم اليوم. يقول (كين هيل) من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا, انه عندما نفقد لغة فإن الأمر يكون اشبه بالقاء قنبلة على متحف اللوفر, فباختفاء اللغات تموت الثقافات. والغريب ان فرنسا التي اجتمع برلمانها في الستينيات ليناقش قضية خطيرة تتمثل في دخول مفردات انجليزية الى اللغة الفرنسية عن طريق مضيفات الطيران الفرنسي, تطالب اليوم بضرورة الحديث على متن هذا الطيران باللغة الانجليزية! هل هي العولمة ام الضرورة؟ ولماذا لا يتحدث مضيفو الطيران الانجليزي بغير الانجليزية؟ هناك ثقافات انقرضت واخرى تتجه بقوة نحو الانقراض, والعولمة لا تعترف بالآخر ولا بالاضعف, تريد ان تحوله الى متحف عالمي يتنزه فيه الرجل الغربي فاغرا فمه بغباء وعنجهية, ومع ذلك نعترف بأن الثقافات تبقى حين يدافع عنها أهلها بقوة, فيكونون مستحقين لهذه الثقافات العريقة, نحن نعترف بذلك, لان هذا هو منطق القوة, ومنطق العولمة لا أكثر.