في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر عام 1893 رحل الفنان الروسي العبقري بطرس تشايكوفسكي عن الحياة, تاركاً وراءه تراثاً موسيقياً ضخماً على اختلاف انواع الفنون الموسيقية, فقد كتب تشايكوفسكي ثماني سمفونيات من اهمها: (الباتيتيك) واخرج تمثيليات عديدة من نوع الاوبرا اهمها (اوجين اوينجين) عام 1887 و(الساحرة) عام 1887 ايضاً, الا ان من اجمل ما خلفه تشايكوفسكي من مقطوعات موسيقية على الاطلاق: (بحيرة البجع وحسناء الغابة الراقدة) . ورغم ان تشايكوفسكي عاش في عصر التيارات الروسية القومية, حيث كان الشعور القومي يعصف في نفوس الاوروبيين في مطلع القرن التاسع عشر, وكانوا يستشهدون بالروح الجرمانية الا ان تشايكوفسكي لم يتأثر كثيراً بالطابع القومي الذي اتسمت به موسيقى ذلك العصر, فلم يكن رجل ثورة فنية سياسية, انما كان علماً من كبار اعلام الفن الموسيقي في روسيا بل في العالم اجمع, ومن عظماء الموسيقيين الجديرين بالدراسة والتحليل, فقد وصفه احد النقاد الفنيين بأنه ليس فناناً روسياً انما هو روسي فنان, والمقصود بذلك ان تشايكوفسكي فنان لا تتسم موسيقىه بالطابع الروسي, بل تتميز بانها موسيقى خارج النزعة القومية والروح الجرمانية التي سادت اوروبا في القرن التاسع عشر. تشايكوفسكي الذي ولد في 25 ابريل عام 1840 عانى من صعوبات جمة حتى بلغ الدرب وحقق رغبته الموسيقية التي ظلت دفينة اعماقه بسبب عدم رغبة الاهل ونبذهم للموسيقى في ذلك العصر, حيث كانوا ينظرون الى الموسيقي نظرة احتقار وعلى انه غير جدير بمركز اجتماعي مرموق, الا ان تشايكوفسكي الذي ظل اسير رغبته الموسيقية احتفظ بميوله الموسيقية ونماها وغذاها بالمران في السر دون ان يعلم به احد من الناس, ففي عام 1850 انهى تشايكوفسكي دراسته الثانوية وانتسب لكلية الحقوق كما اراد له والده وعين بعد تخرجه بوظيفة في وزارة العدل. الا ان كل ذلك لم يمنعه من دوام حبه الشديد لممارسة الموسيقى, فراح يتلقى الدروس الخاصة بالعزف على البيانو حتى سيطر الفن على قلبه, وترك الوظيفة عام 1862 لينصرف الى دراسة الموسيقى ولينتسب الى معهد سان بطرسبورج الفني, وقضى فيه اربع سنوات, تخرج بعدها منه عام 1866 بزاد وافر من المعلومات الفنية, فأخذت عبقريته ونبوغه يتجليان واخذت شهرته تتسع وتنتشر في سائر ارجاء البلاد الروسية, وعين مدرساً في المعهد الموسيقي بموسكو وعرف فيه بأنه اعظم عازف على البيانو, حيث لقي فيها اعظم التقدير والاحترام والاعجاب. وفي عام 1878 قام تشايكوفسكي بجولة فنية في انحاء اوروبا, ونال اعجاب الشعبين الانجليزي والفرنسي أشد الاعجاب, واهدته جامعة كمبريدج لقب دكتور في الموسيقى بعد ان نجح في جولاته الاوروبية نجاحاً باهراً. لقد استطاع تشايكوفسكي منذ البداية ان يكون لنفسه لوناً موسيقياً خارج الزمان والمكان, بعيداً عن تأثير التيارات القومية التي اجتاحت روسيا واوروبا, واستطاع ان يؤسس لنفسه في الميدان الفني اعظم التراث الموسيقي على المستوى العالمي, فقد خلد الحاناً وقطعاً موسيقية رائعة بما يجعل اسمه علماً من اعلام الموسيقى ابد الدهر, ولعل (بحيرة البجع) ستبقى علامة فارقة في تاريخ الفن الموسيقي مهما مرت عليها السنون والقرون. اعداد: هدى ابراهيم