تواجه بعض الثقافات اليوم خطر الانقراض. بل ان جزءا منها قد انقرض بالفعل ولم يعد له وجود. وفي جميع ارجاء العالم, تجد القصة نفسها ولكن بأوجه مختلفة: ثقافات بعمر الدهر تحاصرها ضغوط معاصرة. في هذا الموضوع, نعرض دلائل على هذا الانقراض الثقافي مأخوذة من ثلاثة شعوب مختلفة في ثلاث قارات. ففي كينيا, يتشبث محاربو قبيلة آريال بوجودهم القبلي. وفي بورينو, يواجه شعب ابينان تدمير موطنهم المتمثل في الغابة الماطرة بينما يتمسك شعب التشيبايا بالعيش في صحراء بوليفيا الجرداء. وهؤلاء جميعا يتعرضون لخطر فقدانهم لهويتهم الثقافية التي ميزتهم عبر قرون من الزمن بفعل مؤثرات خارجية وتحت ذريعة ايصال الحضارة لهذه الشعوب ودمجها في المجتمعات الاكبر. من الشائع في اوساط هنود كوجي في شمالي كولومبيا ان يؤخذ الطفل في سن الرابعة من اسرته ويحمل الى المرتفعات في سيبيريا نيفادا لكي يتم تدريبه لتولي منصب الكاهن. وخلال الثمانية عشر عاما التالية سيكون معزولا عن ضوء الشمس بحجرة في اكواخ حجرية لفترتين تمتد الواحدة منها الى تسعة اعوام اختيرت عن قصد لتحاكي الاشهر التسعة التي يقضيها في رحم امه الطبيعية. والان في رحم عزلته, لن يعرف سوى العتمة والظلال وبالتالي يكتسب ملكة البصيرة بحيث يصبح قادرا ليس فقط على رؤية المستقبل والماضي وانما ايضا عبر كل وهم مادي في الكون. واخيرا وبعد سنوات من الدراسة والممارسة الصارمة. تحين لحظة الحقيقة. ففي صباح يوم صاف, ومع شروق الشمس فوق قمم الجبال, يتم اخراج المتدرب من عزلته. وحتى تلك اللحظة, لم يكن للعالم وجود سوى في مخيلته. والان لأول مرة في حياته يرى العالم على حقيقته ذلك الجمال المتسامي للأرض. وفي لحظة, يتأكد كل شيء كان قد تعلمه. ويقف الى جواره مدربه الذي يلوح بذراعه عبر الافق وكأن لسان حاله يقول: (ارأيت, انه كما اخبرتك عنه) . طقوس بدائية ان هذا التقليد ما هو الا مثال على المدى اللامتناهي للخيال الانساني الذي يتجسد عبر الثقافة. وفي هاييتي تستجيب كاهنة (الفودو) لايقاع الطبول وتمسك الجمرات المشتعلة وهي تشعر بحصانة ضد الاصابة بالاذى. وفي سهول الامازون, يقوم صياد من قبيلة ووراني ـ باقتناء اثر بول الحيوانات ليتعرف على نوع الحيوان الذي خلفة في الغابة الماطرة. والمزارع من قبيلة مازاتيك في المكسيك يتواصل مع الاخرين من خلال الصغير حيث يحاكي تنغيم الصوت في لغته ويرسل رسائل معقدة لشخص اخر من المازاتيك عبر الوادي الشاسع الذي يمتد اسفل موطنه الجبلي. ان مجرد معرفتنا بوجود مثل هذه الشعوب تذكرنا بأن عالمنا غير قائم بمفهوم مطلق معين وانما هو نموذج واحد للواقع. فشعب بينان القبلي في غابات بورينو وقبيلة آريال في صحاري كينيا ومزارعي تشيبايا الذين يكسبون سبل عيشهم من اراضي بوليفيا جميعها تكشف النقاب عن وجود امكانيات اخرى وطرق اخرى في التفكير والعيش على الارض. ولايزال حوالي 300 مليون شخص على نطاق العالم يشكلون 5% من سكان العالم, يحتفظون بهوية قوية كأفراد في ثقافة طبيعية تمتد جذورها عميقا في التاريخ واللغة وترتبط من خلال الاسطورة والذاكرة بمكان معين. الا ان رؤيتهم الفريدة للحياة تضيع بشكل متزايد في زوبعة من التغيير. ففي البرازيل, جلبت هجمة الذهب المرض لقبيلة يانومامي مما ادى الى مقتل ربع عدد السكان في غضون عقد واحد وخلفت جانبا كبيرا من الناجين البالغ عددهم 8500 شخص يعانون الجوع والتشرد. وفي نيجيريا, ادت الملوثات الناجمة عن صناعة النفط الى اتخام الدلتا في نهر النيجر, التي تعتبر موطن قبيلة اوجوني, وافقار التربة التي كانت خصبة في يوم من الايام. وفي التبت تم تدمير اكثر من 6000 مبنى اثري من الاديرة والمعابد القديمة على يد الصينيين. ضياع اللغة هذه ليست احداثا معزولة وانما عناصر في ظاهرة عالمية ستظل عالقة في الاذهان بلاشك كإحدى العلامات المميزة للقرن الماضي. وليس هناك من مقياس افضل لهذه الازمة من ضياع اللغات. فخلال مراحل التاريخ, كان هناك ما يقارب 10.000 لغة محكية. اما اليوم, فمن بين اللغات الـ 6000 التي لاتزال محكية, فإن الكثير منها لا يجري تعليمه للأطفال ـ اي انها عمليا باتت ميتة ـ وهناك 300 لغة فقط يتحدثها اكثر من مليون شخص. وفي غضون قرن اخر, قد تضيع نصف اللغات المحكية حول العالم اليوم. ان اللغة تعتبر اكثر من مجرد مجموعة من الكلمات او القواعد النحوية, فهي تعد ومضة من الروح البشرية تصل من خلالها روح الثقافة الى العالم المادي. ويقول (مايكل كراوس) من جامعة الاسكا ان (اللغة مبهمة وغامضة كالكائن الحي. فلماذا نحزن لضياع اللغة اقل مما نحزن لضياع فصيلة من الكائنات الحية؟ يعتبر التناظر البيولوجي امرا مناسبا. فالانقراض عندما تجري موازنته بميلاد اجناس جديدة يعتبر ظاهرة طبيعية. لكن الموجة الحالية من ضياع الاجناس الناجمة عن نشاطات الانسان لا سابق لها. وللسبب نفسه, فإن اللغات شأن الثقافات والاجناس تطورت على الدوام, لكن اليوم تشهد اللغات انقراضا بمعدل ينذر بالخطر. ويقول كين هيل من معهد ماساشو سيتس للتكنولوجيا انه (عندما نفقد لغة, فإن الامر يكون اشبه بالقاء قنبلة على متحف اللوفر) . فباختفاء اللغات تموت الثقافات. ويصبح العالم مكانا اقل جذبا للعيش فيه, ولكننا بذلك نضحي ايضا بالمعرفة والانجازات الفكرية التي تراكمت عبر آلاف السنين. والمسألة الاساسية هنا هي: هل ستكون للثقافات العريقة الحرية في التغيير وفقا لشروطها بحيث تتبنى الجوانب المفيدة في العالم المعاصر بينما ترفض التدخلات التي لا تؤدي سوى الى الاضرار بروحها وتراثها؟ مأساة شعب بينان قد يكمن جزء من الاجابة على هذا السؤال في تتبع ما جرى بقبيلة بينان التي تعيش في بورينو في ماليزيا وآريال التي تعيش في صحراء كينيا شرقي افريقيا. يصطبغ نهر بارام بلون الارض. والى الشمال منه تمتد اراضي ساراواك الى بحر الصين الجنوبي, حيث تنتظر اسراب من سفن الشحن اليابانية الفرصة لشحن الاخشاب الخام من غابات بورينو, موطن قبيلة بينان التي ارتبطت حياة افرادها بتلك الغابات. لقد تميزت العقود الثلاثة الاخيرة في ماليزيا بجنون قطع الاخشاب. وتستحوذ ماليزيا على 33% من صادرات العالم من الخشب الاستوائي, حيث تأتي معظم الاخشاب من ولايتي صباح وساراواك. ومع سقوط الاشجار, حرم افراد قبيلة بينان من قاعدتهم التقليدية للحياة, وتحولوا نحو المستوطنات الحكومية التي اقيمت بهدف جذب الناس الى خارج الغابات. ونتيجة لذلك, لم يعد هناك اليوم سوى 300 شخص من اصل 7000 شخص من قبيلة بينان يعيشون حياة البداوة. انتقل افراد القبيلة للعيش في المستوطنة التي اقامتها الحكومة والتي تحمل اسم لونج ايمان منذ ثلاثين عاما. وعلى الرغم من ان الحكومة قدمت لهم في حينه وعودا كثيرة بتحسين ظروف معيشتهم ببناء المدارس والعيادات الصحية, الا ان هذه الوعود لم يتحقق منها شيء. فالمنشآت لم يتم بناؤها وفرص العمل المتوفرة محدودة للغاية وان توفرت فهي اعمال دنيئة في معسكرات التحطيب. وبالنسبة لأحد ابناء هذه القبيلة المولود في الغابة, فإن استدعاء الماضي ليس مجرد حنين الى الايام الغابرة, وانما هو اشتياق لوقت لم يكن يتعين فيه على اطفاله ان يذهبوا للنوم جوعى, وحيث كان الناس يعيشون من بركة الغابة غير مدركين للتغير العنيف الحاصل من حولهم. ويتذكر ابناء القبيلة تلك الايام السابقة التي كان فيها الطعام وفيرا في الغابة, حيث كانوا يقومون بملاحقة الغزلان وجمع الفواكه الناضجة من اشجار المانجو. وكانوا يقدمون للضيف اطباقا مشكلة من الفواكه والاطعمة المختلفة, اما اليوم فإنهم لا يملكون شيئا يقدمونه لضيوفهم. والافراد الذين لايزالون يعيشون في الغابة لا تقل معاناتهم عن اخوانهم في المستوطنة الحكومية, فهم يواجهون زحفا لا يرحم من الجرافات ومناشير الحطابين التي تستهدف موطنهم الذي عاشوا فيه طوال قرون. وادت احتجاجاتهم الى اثارة اقطاب الحركة البيئية العالمية مما دفع بآل جور الى وصف افراد قبيلة بينان بأنهم الطليعة في المعركة من اجل انقاذ الارض. الا انه وبالرغم من كل ذلك, استمرت عملية قطع الاشجار دون اي اكتراث بما يحدث من احتجاجات. ويقول آسيك الذي يتزعم الجماعة التي صمدت في الغابة: (منذ نشوئنا, حافظنا على الاشجار والحيوانات وكل شيء في الغابة. وهذا امر نعرفه, فهو موجود في اساطيرنا وتقاليدنا. وعندما نفكر في اماكننا وارضنا, تنفطر قلوبنا. وفي كل مكان اذهب اليه, اشعر بالحاجة للبكاء) . موت الغابات وبالنسبة لقبيلة بينان, فإن تدمير غابتهم يمثل اكثر بكثير من ضياع مورد رزق لهم, فهو يعني موت الناس. لأن الغابة هي موطنهم, وكل تاريخهم مسجل في تضاريسها. ويقول بيتر بروسيوس, وهو عالم الانثروبولوجيا في جامعة جورجيا عاش وسط قبيلة بينان لمدة اربعة اعوام تقريبا: (الارض مليئة بدلالات ثقافية. فللجداول وحدها, اكثر من 2000 اسم, وكل واحد مصبوغ بتاريخه الخاص) . وبالاضافة الى اعتبار ابناء بينان للغابة كمصدر رئيسي للغذاء, فإنهم يستمدون منها علاجهم الروحي والجسدي. وهم يعرفون جميع النباتات التي تشفي من الامراض وتلك القاتلة وكذلك الاعشاب السحرية التي تزيد من قوة كلاب الصيد وتطرد القوى الشريرة. ومن اهم الاشجار لدى الـ (بينان) على الاطلاق, نخل الساجو, التي يلقبونها بشجرة الحياة, حيث تسحق اوراقها الفضة ويضاف اليها الماء لتشكل عجينة لدنة, ثم تجفف تلك العجينة في الشمس قبل ان تسحق مكونة عجين الساجو. ويقول ايان ماكنزي, وهو عالم لغات كندي ان (شعب بينان مختلف تماما, فهم لا يملكون تراثا من الكتابة, وبالتالي, فإن اجمالي مفرداتهم في اي وقت من الاوقات يتمثل في المعرفة التي يملكها افضل قاص لديهم. وهناك كلمة واحدة تعبر عن الضمائر (هو) و(هي) و(هو) لغير العاقل بينما لديهم ست كلمات للضمير (نحن) . وهناك على الاقل ثماني كلمات مرادفة لكلمة (ساجو) لأنها النبتة التي تتيح لهم البقاء. ومبدأ المشاركة امر لازم, وبالتالي لا وجود لكلمة (شكرا) في لغتهم. وبامكانهم ان يسموا مئات الاشجار ولكن ليس لديهم كلمة تعبر عن (الغابة) . وفي خطاب له امام تجمع للقادة الاوروبيين والاسيويين في عام ,1990 قال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد: (تهدف سياستنا الى اخضاع جميع سكان الغابة للاتجاه السائد.. ولا يوجد شيء رومانسي بشأن هؤلاء الناس العاجزين الذين يعانون من شبه مجاعة وتحاصرهم الامراض) . ويقول جيمس وانج, وزير الاسكان والصحة العامة في ولاية ساراواك: (نحن لا نريدهم ان يتجولوا كالحيوانات. ولا احد يملك الحق الاخلاقي في حرمان افراد قبيلة بينان من حقهم كالاندماج داخل المجتمع الماليزي) . انتقادات عالمية لقد جلبت السياسات الماليزية الانتقاد لها من علماء الانثروبولوجيا ونشطاء حقوق الانسان بمن فيهم ديفيد ميبوري ـ لويس, استاذ الانثروبولوجيا في جامعة هارفارد ورئىس (كالتشارال سيرفايفال) وهي منظمة غير ربحية تعمل مع الشعوب البدائية التي لاتزال تعيش على سجيتها والتي, يطلق عليها جزافا اسم (الشعوب المتخلفة) ويعتبر ميبوري ـ لويس وضع شعب بينان بأنه وضع دال على وجود معضلة عالمية. ويقول ميبوري ـ لويس ان (الابادة الجماعية اي التصفية الجسدية لشعب ما تلقى ادانة عالمية. لكن الابادة العرقية, اي تدمير طريقة الحياة لشعب ما, ليس فقط لا تواجه الادانة عندما يتعلق الامر بشعوب بدائية, وانما يوصى بها كسياسة مناسبة) . ان الماليزيين يريدون ان يخلصوا ابناء شعب بينان من تخلفهم وهو ما يعني سلخهم عن هويتهم. ويقولون ان الشعوب البدائية كشعب بينان تقف في وجه التطور, الامر الذي يصبح ذريعة لطردهم من اوطانهم وتدمير طريقة حياتهم. ثم يوصف اختفاءهم بأنه امر لا مفر منه لأن مثل هؤلاء الناس البدائيين لا يتوقع بقاؤهم في العالم المعاصر. ويقول ميبوري ـ لويس ان الفكرة القائلة بأن المجتمعات البدائية هي مجتمعات غير قادرة على التغيير ومحكوم عليها بالزوال هي فكرة خاطئة تماما. فالثقافات تختفي فقط عندما تطغى عليها قوى خارجية وعندما تجعلها الظروف المفروضة عليها عاجزة عن التأقلم. ويعلق في هذا الصدد قائلا اننا (نتدخل في كثير من الاحيان بحياة اناس بالكاد نفهمها) . اثيوبيا والصومال ينتصب جبل مارسابت الذي تنتشر فيه البحيرات المتشكلة من فوهات البراكين والمغطى بالغابات الخضراء كحارس خصب على الرمال الجرداء في شمالي كينيا. والى الشرق منه تقع السهول المنبسطة التي تمتد الى الصومال. والى الجنوب والغرب تقع صحراء كايسوت وترتفع فيما خلفها جبال اندوتر, وهي سلسلة من القمم التي يربو ارتفاعها على 8500 قدم. وعلى امتداد آلاف السنين, ازدهر البدو الرعاة هنا نظرا لتنقلهم بحرية هم وحيواناتهم في ربوع هذه الارض. لقد كانت حرية الحركة اساس البقاء. وكان الجفاف لا يعتبر شذوذا قاسيا وانما صفة لازمة للحياة والمناخ. والبقاء في ظل الجفاف كان التحدي الاساسي الذي شكل هوية شعب الصحراء في كينيا. وفي ظل سلسلة من حالات الجفاف المدمرة وخاصة في السبعينيات والثمانينيات الى جانب المجاعة التي نجمت عن الصراع العرقي والحرب في اثيوبيا والصومال المجاورة, وصلت المنظمات الدولية بهدف توزيع المساعدات الانسانية. وقد جذبت مراكز البعثات الانسانية بعياداتها وكنائسها ومدارسها ووجباتها المجانية الناس من الارض القاحلة. وفي الوقت نفسه وعلى الرغم من الشواهد على عكس ذلك, اصبح من المقبول في دوائر التنمية الغربية القاء اللوم على البدو استنزاف البيئة وتخريبها من خلال الافراط في الرعي. وفي عام 1967, قامت الامم المتحدة بجهد كلف عدة ملايين من الدولارات في منطقة مارسابت يهدف الى تشجيع اثنتين من القبائل بشكل خاص هما آريال ورينديل على الاستقرار ودخول الاقتصاد النقدي. وقد انسجم هذا مع مصالح الكينيين الذين اعتبروا البدو رمزا للماضي ورأوا ان التعليم والتحديث هما عنصران اساسيان في بناء مستقبل البلاد. وبالنسبة لمربي قطعان الماشية من قبيلة آريال البالغ عددهم عشرة آلاف, لم تكن الظروف لغالبيتهم العظمى قاسية جدا لدرجة تدفعهم الى الاستقرار. وفي الجانب الغربي من جبل مارسابت وفي سفوح جبال اندوتو, حيث يمكن العثور على الماء بشكل دائم تقريبا, احتفظ ابناء القبيلة بماشيتهم, بينما في السهول المنخفضة تبحث ابلهم عن الطعام في ظل اشجار الاكاسيا. وعلى النقيض من ذلك, فإن مربي الابل من قبيلة رينديل البالغ عدد افرادها ثلاثون الف شخص والذين يتمركزون في صحراء كايسوت, قد عانوا من خسائر رهيبة في موجات الجفاف التي ضربت المنطقة وارتحلوا بالآلاف نحو معسكرات الاغاثة الدولية. وبحلول عام 1985, اصبح نصفهم يعيش في مقر مدقع حول بلدتي كور وكارجي, حيث تعتمد معيشتهم بشكل اساسي على ما تقدمه المنظمات الانسانية من مساعدات. ابقار آريال يحتفظ ابناء قبيلة آريال بتقاليد وطقوس معينة تعتبر جزءا اساسيا من ثقافتهم, وهم يتناقلونها من جيل الى اخر. ومن هذه الطقوس الغريبة تلك التي يحيونها في مناسبات الزواج, حيث يعمل العريس الى صبغ ضفائر شعره الطويل بأكسدة الحديديك الذي يكسبه اللون الاحمر ويزين جسده بالرسوم. ويعد مهر العروس الذي يكون عبارة عن مجموعة ابقار ومعها ثور كبير وينتقل بها الى منزل العروس بصحبة اعز اصدقائه. وعلى الجانب الاخر, يكون اهل العروس بانتظار العريس ومعه الهدية, وما ان يصل العريس وصاحبه الى المنزل حتى تقوم ام العروس بسكب الحليب على ارجلهم. ثم يقوم العريس بذبح الثور وتوزيع لحمه بدقة متناهية ووفق طقوس معينة. ثم يغادر الرجال المنزل من اجل شي اللحم وتناول الشاي المخمر بينما تظل النساء مع العروس الى حين عودة الرجال, حيث يبدأ الرقص العنيف الذي يؤدي بالعديد منهم الى الاصابة بحالة من الهيجان. ويقول جوناثان لنجالين, احد ابناء القبيلة: (اذا فقدنا ابقارنا, فاننا نفقد ايماننا بالحياة نفسها. فجميع طقوسنا واحتفالاتنا تفقد معناها بدون الحيوانات) . حتى عام 1975, كانت كور عبارة عن تجمع مياه موسمي يزوره مجموعات صغيرة من رعاة الابل من قبيلة رينديل. وفي العام نفسه, قامت بعثات تبشيرية ايطالية ببناء عدة مبان لتوزيع المساعدات الغذائية. وفي غضون عقد من الزمان, قامت بلدة بدكاكينها ومدارسها, ومرافقها الاساسية. واليوم هناك حوالي 2500 منزل على بعد مسافة قريبة من مركز البعثة تضم 16 ألف شخص. اما الشيء الذي يفتقده ابناء القبيلة فهو الاشجار التي كانت توفر المأوى في يوم من الايام في الصحراء التي تجتاحها الرياح. وقد تم قطع معظم هذه الاشجار لانتاج الفحم اللازم لطبخ عصيدة الذرة, الطعام الاساسي لهؤلاء السكان. ويتعين على افراد قبيلة رينديل الذين لايزالون يحتفظون بالابل والماعز ان يرعوها بعيدا عن البلدة. وعلى الرغم من ان الجيل الجديد من ابناء القبيلة يذهب الى المدرسة, الا ان هذا التعليم لم يجلب الخير عليهم فنصفهم, على الاقل, يعاني من البطالة وعدم توفر فرص العمل اللائقة. وتبدو مخاطر التعليم على النمط الغربي, الذي يتجاهل تراث القبيلة واضحة للكثيرين من ابناء القبيلة. وتقول لنجوي, وهي امرأة متزوجة في منتصف العمر, من مستوطنة نورونيث الواقعة في سفوح جبال اندوتو: (اننا نرسل ابناءنا الى المدرسة وهم ينسون كل شيء. انه اسوأ شيء حدث لشعبنا على الاطلاق. فهم لا يعرفون سوى كيف يقولون (اعطيني) . واذا كان مقدرا لقبيلة آريال ان تحتفظ بقوة وبروح تقاليدها, فقد يكمن الامل الافضل في فرض نوع جديد من التعليم توضع فيه المناهج وفقا لاحتياجاتهم. وفي نهاية المطاف, فإن الثقافات التي تبقى هي تلك التي تبدي استعدادا وقدرة على تبني الجديد وفقا لشروطها بينما ترفض كل شيء يحمل في طياته انتهاكا صارخا لطريقة حياتها. اعداد: ضرار عمير