بينما يلمس العالم خطواته الاولى في مياه الالفية الثالثة يزداد تألق حلقات التراث وتعود اوروبا الى فتح ملفات الفن والادب والفكر, علامة على استمرار الحوار وانه لا انقطاع بين الماضي والحاضر على الاطلاق, بل ان الماضي لايزال يملك زخمة وتأثيره على الساحة الفنية والمعرفية الراهنة ومازالت له القدرة على صياغة نبضات الوجدان وتشكيل قسمات الوجه الثقافي. وتزدحم لندن بعشرات المعارض وجميعها تملك الصيغة المدهشة من حوار الماضي مع الحاضر وتداخل الكلاسيكي مع اللون المعاصر حيث تتدفق حلقات الابداع دون ان ينشب الشجار عن ما هو احق بالبقاء القديم بكلاسيكيته او الحديث بكل الوان الطيف والابداع؟! وقد عاشت لندن مع اطياف مونيه في عودة جديدة الى سحر الرومانسية الخفي, وتجليات اللون وابهار ايقاعات الذات في التلاقي مع الموضوع الخارجي. وكانت زيارة مونيه للندن تحمل هذه الدلالة الواضحة عن بقاء تألق الماضي وهيمنة واضحة على الحاضر, ليست من خلال الجمود والانغلاق, وانما عبر تألق الابداع الذي لا يعرف الخضوع لقوالب الزمن والانحسار. واذا كانت لندن نظرت في مرآة فن القرن التاسع عشر واستضافت مونيه فانها عادت للوراء الى القرن السابع عشر لتفتح الابواب امام الفنان الهولندي العملاق رامبرانت ليطل من نافذة الزمن على مشهد هذه الايام ويقول بصوت فني بليغ, انه باق معنا لان الفن الجميل لا يموت. وجاء رامبرانت بهذا الصخب الجميل وبحشد من اللوحات تعزف على حياة الفن نفسه وصوره الشخصية, فقد كان مغرماً برسم نفسه في العديد من الاشكال وادمن عملية التنكر والتخفي والوقوف امام المرآة. وتقف لوحات رامبرانت في المتحف الوطني البريطاني شهادة على القرن السابع عشر, عندما بدأت هولندا تنهض وينتعش بلاط الفن. ويرسم رامبرانت نفسه في عشرات اللوحات التي تسجل حياة الفنان الشاب, ثم تواصل الرحلة الى نهاية العمر واخفاء شمعة التوهج. وهذا معرض فريد يحتله الفنان نفسه فهو الموضوع والحدث, حيث يرحل مع سنوات العمر في تأمل مثير للغاية مع بداية صور الحياة في وهج الشباب واستمرارها الى مرحلة الشيخوخة والافول. وتبدو لوحات الهولندي (رامبرانت) مرثيات للعمر الجميل وتسجيلا لسيناريو شخصي عبر حلقات الحياة. ورسم (رامبرانت) كل هذه الوجوه لتيار الزمن عبر اقنعة تترجم ايقاع الزمن الداخلي. وجاء حصاد الرحلة غزيرا ليدل على خصوبة الابداع لدى فنان عملاق اطل على حياتنا منذ اربعة قرون ولايزال يجد الحفاوة والانبهار بهذه الاعمال المتألقة. وفكرة ان يرسم الفنان نفسه قديمة, غير ان رامبرانت توسع في ارتداء ازياء التنكر والوقوف امام المرآة للقيام بهذه العملية ومتابعة اطوار العمر, حتى انه الفنان الوحيد الذي ترك خلفه هذا الارث الطويل والمميز. وتكشف بعض الصور انجذاب رامبرانت الى روح الشرق وتألق عملية الاندهاش بإرث مخالف للحياة الاوروبية. الا ان انجذاب الجمهور لعالم هذا الفنان لا يأتي من رغبة الجمهور بالعودة الى الماضي والانغلاق عن روح العصر بل المسألة معكوسة تماماً ومن يتجول في أروقة هذا المعرض الجميل, لا يشعر انه يعود الى القرن السابع عشر وانما يرى نفسه في صحبة فنان يفتح امامه ـ البومه ـ الشخضي ويتجول من خلال هذه الصور في مشوار رحلة العمر الانساني. وسيظل رامبرانت حياً بهذا الالبوم لانه لم يرسم سوى نفسه, ولم يعشق سوى الذات, انعكف عليها يتأمل سنوات الحياة ويرسم ملامح الوجه في طور الشباب وعندما تزحف اليه خيوط الزمن القاسية. ورامبرانت يرسم نفسه من افضل الاحتفالات الفنية الجميلة التي شهدتها العاصمة البريطانية مؤخراً لانها تعيد الى الاذهان صور مبدع وفنان عملاق لا تزال بصماته واضحة وجلية في تاريخ ومسيرة الفن حتى يومنا الراهن. لندن ـ يسري حسين