لا يأتي اسم (ريميدس فارو) وأسماء نسائية وعديدة, نذكر منها (كارنجتون وتوين ولي ميلر) في مقدمة قائمة طويلة لمؤسسي الحركة السريالية فقط ولكن ما يميز هذه الاسماء هو انها ارتبطت بتغيرات جذرية هامة شهدتها الحركة منذ البداية وأدت بعد ذلك الى الخروج بالمرأة عن الدور التقليدي الذي لعبته كنموذج ملهم فقط لابداعات الفنانين الرجال. وهي المرحلة التي استطاعت ان تعبر خلالها المرأة عن مطالبها الاساسية في المجتمع باستغلال دورها الجديد كفنانة سريالية. تعتبر لوحة (محركات الشعر) وهي واحدة من بين الاعمال الـ 77 التي عرضها متحف الفنون النسائية في واشنطن في شهر فبراير الماضي لفارو, أهم الاعمال التي تطرح وجهة نظرها في الحضارة او ما يعرف بديناميكية ونشاط الحضارة ـ وهو ما ترمز اليه فكرة (الدراجات غير المرئية) . حيث تبدو صورة رجال ثلاثة بلحى طويلة مقوسة وشوارب شبيهة بمقاود الدراجات يسيرون بحرية بالاعتماد على هذه المحركات. فيما تظهر امرأة عائمة في الهواء موصولة بلحية رجل اخر دون حراك وهوما يشير الى دخولها في منافسة مضمونة الربح بالنسبة للرجل. ان اكثر ما استطاعت ان تقوم به فارو في المرحلة المبكرة للسريالية هو اختراقها حدود الهوة الفاصلة ما بين السريالية والفانتازيا في الفن. كما انه يتجلى ايضا في الاكثر غير المحدود الذي تركته في الكثيرين من اتباع مدرسة ما بعد حداثة السرياليين وغيرهم. وبالنسبة لها كامرأة فإن اهم ما تمثله هذه الفنانة السريالية هو الريادة على مستوى العمل النسائي الهادف الى تحرير المرأة وهو شيء لا يمكن لنا ان نقصره على الفن بل ان ذلك يمتد ليشمل جوانب الحياة كلها. بل وكل ما سعت عن طريقه الى تجسد وعي انثوي جديد بالحياة المعاصرة. كلاسيكية البداية ولدت فارو في اسبانيا. وتخرجت من معهد (سان فيماندو) في مدريد سنة 1930. ومثل الفنان السريالي الشهير سلفادور دالي تمكنت من الاستفادة من الاسلوب الكلاسيكي التعليمي في بداية حياتها الفنية وتميزت اعمالها الاولى بشدة العناية بالتفاصيل وبرسم الاشكال الغريبة الخيالية. واذا كانت السريالية قد عبرت عن نفسها بهذا الشكل فإن بدايتها هذه تعود الى تأثيرها بالنظريات التحليلية التي اسس لها عالم النفس الشهير (سيجموند فرويد) والتي تلخصت اهدافها في السعي الى اكتشاف الاعماق الباطنة للعقل. وهي كما تجسدت في ابداع دالي, صور خيالية غريبة مغايرة لكل ما هو طبيعي ونموذجي. كتلك الصور التي تطالعنا من خلالها ساعات معلقة على أغصان الاشجار او رأس مفصولة مسنودة بدعامة مؤلفة من منظر طبيعي على سبيل المثال. وفي صورة اخرى ترسم فارو شكلا بشريا وقناعا يتدلى على وجهه ورأسا مفصولة تتدلى موصولة به بواسطة لحية. لكن الكثيرين يربطون هذه الرأس بوالدها الذي لعب وجوده في حياتها دورا كبيرا تجلى بشكل اكبر في رعاية موهبتها. كانت (ماريا دولو ريميدس فارو ايرانجا) قد قضت الجزء الاكبر من طفولتها المبكرة في بيئة ثنائية الفلسفة. وبينما كانت الطقوس الكاثوليكية هي الموروث العائلي الحقيقي الذي تمسكت به امها وحاولت فرضه بالقوة وكان الاب من جهة اخرى مهندسا متواضعا قليل الولاء لتلك المعتقدات التي استبدلها كما فعل اخرون بمبادئ الفلسفة العلمانية الاكثر تحررا والتي كان الوسط الثقافي في اسبانيا قد تعرف اليها في مطلع القرن العشرين. مما حمله في نهاية الامر على تلمس ابعاد الاستقلالية الفكرية والموهبة الجادة التي تمتعت بها فارو خلال مرحلة المراهقة وهو الخيار الذي تمثل في ادراج اسمها في قائمة المقبولين للدراسة في مدرسة (اكاديمية (سان فيما ندو) ) التي انضم اليها سابقا العديد من مشاهير الفنانين التشكيليين, من بينهم سلفادور دالي. ثقافة جديدة في سنة 1930 وبعد تخرجها من اكاديمية سان فيماندو تزوجت فارو من (جيراردو ليزاراجا) الفنان والسينمائي المعروف في ذلك الوقت, ثم توجه الاثنان الى باريس المكان الذي اتيح لها اثناء التواجد فيه التعرف على نمط مختلف من الثقافة المتحررة من عناصر التقليدية المتجهة نحو الكوزموبوليتانية او العالمية. وكانت عودة الاثنين الى اسبانيا بعد معاناة طويلة بسبب سوء الاحوال المادية سببا اخر اضاف الى جملة الاحباطات التي اصيبت بها فارو ولكنها قادتها الى واحدة من اهم التحولات الفنية. فعلى يد فارو ومجموعة من جيل الطليعة من الفنانين الاسبانيين تأسست جماعة ما كان يعرف في اسبانيا بـ (المعارضين للمنطق) وهي مجموعة اظهرت في وقت مبكر ولاء شديدا للسريالية. الا ان التحول النوعي الحقيقي في حياة فارو كان هو الذي بدأ في اعقاب ارتباطها بالفنان والشاعر السريالي الفرنسي المعروف (بنجامين بيريت) بعد انفصالها عن ليزاراجا حيث وضعت نفسها وللمرة الاولى في صميم المسألة النسائية وكما تقول (ليونورا كارنجتون) ان فارو وبصحبة نساء ذوات ميول فكرية مماثلة تمكنت من خلال اعمالها من استعادة حقوقهن للبدء في العمل بها. وكغيرها من الرسامات السرياليات نجحت فارو في الابقاء على مسافة فكرية بينها وبين غيرها من الرسامين الرجال. وهو ما يرجعه اشخاص مثل اندريه بريثون لمبررات ايديولوجية او فروق نظرية بين الاثنين. اما المبرر الحقيقي الهام فهو كما يرى وآخرون يكمن في مشاعر وسلوك الاستقلال التي تميزت بها فارو وارادت ان تطبقها من خلال عدم الانصياع الكلي لما يقال ودون حدوث رجعة او ارتداد وهو ما يميزها بشكل عام كنموذج ثوري حتى بين اقرانها من الفنانين السرياليين. فخلال المراحل الاولى لارتباطها بالحركة السريالية ادخلت فارو عناصر جدل جديدة قائمة على الاستبصار وبعد النظر الذين يتجاهلان مسألة التلقائية وتجنب التفكير الواعي. الامور التي اعتمدت عليها السريالية في البداية. ثم اضافت لها فارو ومن بعدها نساء اخريات بعدا جديدا تأسس على الوعي بمشكلات المرأة الحقيقية. وكإدراك جاء متأخرا عن توقيته المفترض فإن ما توصف به هذه التحولات الان هو انها حركة فنية خيالية نسائية حدثت في داخل التجمع السريالي. تجسيد مشكلات المرأة لكن شيئا اخر يمكن اضافته عن حياة هذه الفنانة التشكيلية الهامة, الاسبانية الاصل التي قضت جزءا من حياتها بعد التخرج من اكاديمية مدريد للفنون في المكسيك. وقدر لها ان تعيش فترة من حياتها في معسكرات اللاجئين الناجين من مخاطر النازية. ومع ذلك فقد استمتعت اثناء وجودها في المنفى برفقة مبدعين سرياليين اخرين منهم ليونورا كارنجتون وجوردون اونسلو و اوكتافيوباث, خرجوا في النهاية بحلقة سريالية غير رسمية. كما لعب ارتباطها وهو الثالث بشخص مثل (ووتر جروين) دورا كبيرا في اعادة توجيه جهودها وحصرها في الفن. مما افسح المجال لظهور اعمال جديدة اكثر قدرة على تجسيد الوعي بمشكلات المرأة الحقيقية. كما ارتبطت تلك الاعمال بالقدرة على التعبير عن مكنونات لم تكن اشياء اخرى في حياة فارو لتعبر عنها التعبير الصادق, اشياء مثل الرمزية الغنية للأيقونة الكاثوليكية التي استمدت مادتها مما اوحت به فنون العصور الوسطى ذات الطابع المتزمت. ولابد للمشاهد ايضا ان يتابع في رسومها شيئا مثل الخلفية ذات العلاقة بالفنون الميكانيكية والصناعية التي ورثتها عن والدها. فهناك آلات غريبة الشكل تستخدم في الغالب لتعزيز رأيها في ظواهر اجتماعية مختلفة وهناك اشارة الى شيء كعلم الكيمياء. ومع ذلك فإن فارو لم تحصل على الاهتمام الكافي بها الا في اخر ايام حياتها. وسواء كان الذين فعلوا هذا هم النقاد ام الجمهور فإن اهم ما يشير الى تميزها الابداعي كان هو اللقب الذي منحتها اياها الاوساط الثقافية المكسيكية باعتبارها (فنانة امريكية لاتينية) ايضا. واليوم وبعد مضي حوالي 36 عاما على وفاتها في عام 1963 يأتي اسم (ريميدس فارو) مقرونا بالعالمية لدى تذكر اسماء المبدعين الحقيقيين.