نال المصور الصحفي ويليام فولي جائزة بوليتزر نظراً لخبرته الطويلة التي تمتد عبر 24 سنة وقام خلالها بالتصوير في 47 دولة, وقد نشرت الصور التي التقطها في كبريات الصحف والمجلات في جميع انحاء العالم, كما نشرت تلك الصور في عديد من الكتب وعرضت في معارض كثيرة. وتتنوع خبرة فولي لتشمل عمله مع المخرجين والمنتجين السينمائيين للقيام باعمال التصوير الفوتوغرافي لانتاجهم ونجوم افلامهم وصور وملصقات الدعاية اللازمة. كلف فولي بالعديد من المهام في اطار التصوير الصحفي ومعظمها في الدول العربية واثناء الحروب والمعارك والازمات مثل حرب لبنان والحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج وغيرها. ونال عدة جوائز منها: جائزة حرية الصحافية من لجنة حماية الصحفيين 1991, جائزة التميز من الاتحاد القومي للمصورين الصحفيين 1988, جائزة مجلة (اسكواير) عن افضل رجال ونساء الجيل الجديد تحت سن الاربعين الذين يقومون بتغيير امريكا 1984, جائزة بوليتزر عن التصوير في موقع الاحداث عن سلسلة مذابح صبرا وشاتيلا, جائزة اتحاد ورؤساء تحرير الصحف الخاصة بالتصوير الاخباري 1983. ليس من قبيل المبالغة القول ان اسم المصور الامريكي ويليام فولي اصبح مرادفاً للفن الابداعي الملتزم في عالم التصوير بشكل عام والتصوير الصحفي على وجه الخصوص. فقد استند الى خبرة لا تقل عن ربع قرن قام خلالها بالتصوير في سبع واربعين دولة يغطي فيها احداثاً ساخنة استحوذت على اهتمام المجتمع الدولي ودفعته الى ادراك ما يتعرض له ملايين الناس من مآسٍ واحزان ونكبات وحروب. اليست الصورة بديلاً عن عشرات الكلمات؟ هذا ما ادركه ويليام ببصيرته قبل ان ينظر بعينه المجردة, فاذا هو جزء لا يتجزأ من الصورة ايماناً منه بأن هدفه الاسمى ليس رصد الحدث ولكن قدرة القصة (الصورية) على تغيير العالم وايقاظ الضمير العالمي ليتنبه الى معاناة الناس كل الناس في جميع انحاء العالم. اثناء عمله مع وكالة انباء (اسوشيتد برس) (1978 ـ 1984) قام بتغطية اهم الاحداث التي دفعت في منطقة الشرق الاوسط بما فيها على سبيل المثال لا الحصر: مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية في كامب ديفيد واغتيال الرئيس المصري انور السادات. والاجتياح الاسرائيلي للبنان ومجازر صبرا وشاتيلا وتفجير السفارة الامريكية وثكنات قوات البحرية الامريكية في بيروت. اما خلال الفترة 1990-1984 حيث كان متعاقداً مع مجلة (تايم) الامريكية, فقد قام بتغطية العديد من الموضوعات المحلية والدولية مثل الحرب العراقية ـ الايرانية وعملية درع الصحراء والانتفاضة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والانتخابات في هاييتي ومواضيع اخرى مثل مأساة المشردين في الولايات المتحدة والزيارة الاولى التي قام بها نيلسون مانديلا لمدينة نيويورك. اثناء تواجد ويليام فولي في دبي كان لنا هذا اللقاء الذي تحدث فيه بداية عن تجربته الغنية وخبرته المتميزة في مجال التصوير الصحفي وكذلك الاحداث التي قام بتغطيتها في العديد من بلدان العالم قبل ان يدور بيننا الحوار التالي: الصورة رسالة * يبدو واضحاً لمن يطلع على بعض ما التقطته من صور انك تهدف الى توجيه رسالة معينة الى المسئولين والرأي العام. الى اي حد تعتقد انك نجحت في إيصال تلك الرسالة وما الاثر الذي تركته؟ ـ اعتقد ان الصور التي التقطتها في كثير من مناطق العالم تركت اثراً بالغاً لدى السياسيين وصناع القرار الذين شاهدوا هذه الصور وكذلك لدى الرأي العالمي ونظرته لما يدور من احداث, وخصوصاً انه بفضل تقنية المعلومات وثورة الاتصالات اصبحنا نعيش في قرية عالمية وبات من المتعذر بل من المستحيل عدم الاكتراث بما يدور في مناطق العالم بغض النظر عن قربها او بعدها عنا جغرافياً. لقد شاركت منذ سنوات قليلة في ندوة حول العلاقات الدولية وكان موضوع النقاش تحديداً حول قدرة الصور على احداث تغيير في توجهات الساسة وصناع القرار والرأي العام. ان التجارب اثبتت بما لا يقبل الشك ان للصورة تأثيرا على كل من يشاهدها. وقد حدث هذا فعلاً في يوغسلافيا ولبنان وحرب الخليج الثانية. لقد ساهمت الصور في تسليط الاضواء على قضايا عديدة وادت بالتالي الى تحول في طريقة تفكير وتصرف المسئولين وعامة الناس على حدٍ سواء, الامر الذي دفع السياسيين لاتخاذ خطوات عملية لوضع حدٍ للمجازر والاعتداءات ووقف معاناة المدنيين الابرياء والعمل على تقديم المساعدات اللازمة لهم. ان اي عمل لا يهدف الى تحقيق هدف معين او ايصال رسالة محددة لابد وان ينتهي الى الفشل. * ما هي فلسفتك في مجال التصوير؟ ـ لا ادري اذا كان بالامكان وصفها بالفلسفة. ولكن يمكنني القول انه لابد من استخدام الصور كوسيلة لسرد قصة محددة بهدف التواصل مع المشاهد وجذب اهتمامه لاحد جوانب الحياة, مثل وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان او غزة, او معاناة الاكراد في شمال العراق او حتى بائع السمك كما حدث اثناء زيارتي لسوق السمك في دبي. فانا احرص دائماً على التواصل مع الاشخاص كلما سنحت الفرصة قبل تصويرهم حتى اصبح اكثر قدرة على التعريف بهم وقصصهم ومعاناتهم واحلامهم وطموحاتهم. لقد عشت بين سكان حي هارلم الزنوج وتحدثت اليهم لما يزيد على ستة اشهر قبل ان التقط صورة واحدة الامر الذي ساعدني كثيراً في نقل صورة صادقة عن حياة السكان هناك مع التركيز على عنصري المكان والزمان. واذكر في هذه المناسبة انه بعد نشر صور حي هارلم موثقة في كتاب, بادرت العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية ورجال الاعمال الى التبرع بسخاء لترميم ذلك الحي وتحسين ظروف المعيشة للناس هناك. لقد تابعت مهمتي في هارلم ورصدت عمليات الترميم واصدرت كتاباً آخر يبين الفرق بين ما كان عليه الحي قبل الترميم وبعده وما تركه ذلك من اثر ايجابي على اوضاع السكان من الناحية الاجتماعية والنفسية. ان سرد قصة هارلم بالصور وما احدثته من تغيير تجسد فلسفتي في مجال التصوير وخصوصاً فيما يتعلق بالعمل الهادف القادر على توجيه رسالة تصل الى المسئولين وتحثهم على القيام بما يجب القيام به. القرب والتقرب * ذكرت في احدى محاضراتك انه اذا لم تكن الصورة جيدة بما فيه الكفاية. هل تقصد بذلك قرب المسافة ام الاقتراب من الاشخاص والتعرف عليهم؟ ـ هذه مقولة وردت اصلاً على لسان المصور الصحفي الشهير روبرت كافا الذي قضى نحبه بانفجار لغم ارضي في فيتنام عام 1954. اميل الى الاعتقاد ان المقصود هو مزيج من قرب المسافة والتقرب من الاشخاص. فالصورة التي تلتقط من مسافة بعيدة تفشل في نقل تفاصيل كثيرة ومهمة للتعبير عن الحالة النفسية من خوفٍ او أمن يعيشها, بؤس او سعادة, امل او يأس. لذلك فان قرب المسافة ضروري وحيوي لنجاح الصورة. اما التقرب من الاشخاص من الناحية العاطفية وإزالة الحواجز النفسية بينك وبينهم فانه لا يقل اهمية وخصوصاً انه يساعد المصور على تحديد الهدف الذي من اجله يلتقط صورة وما هي القصة التي يريد ان يسردها والرسالة التي يرغب بايصالها للمشاهد واخيراً وليس آخراً توقع رد فعل كل من يشاهد الصورة والعمل الذي يريد ان يقوم به مثل تقديم الدعم المادي او المعنوي. دعني اضيف في هذا المجال انه لا يمكن للمصور ان يهبط بمظلة في وسط جماعة ما ويبدأ بالتقاط الصور. ان بعد المسافة وعدم التعرف على الاشخاص يحرم المشاهد من الكثير من المعلومات الضرورية. واذكر على سبيل المثال تجربتي مع الاطفال والمراهقين اثناء عملي في برنامج مكافحة الانتحار. لقد كان الامر في غاية الصعوبة في بداية الامر. ولكن بعد ان امضيت بعض الوقت معهم شعروا بالارتياح ونجحت في نقل قصة مقنعة للمشاكل التي يعانون منها والتي تدفعهم للتفكير بالانتحار او القيام باعمال مخالفة للقانون دون مبرر واضح. ان الدراسة الميدانية للموقع والاختلاط والتحدث مع الاشخاص يعتبران في غاية الاهمية للمصور الذي يحرص على ايصال رسالته بكل صدق وامانة ووضوح. * ما مدى اهمية الكاميرا والعدسات والتجهيزات الاخرى في نجاح مهمة المصور؟ ـ لا اريد ان يفهم من كلامي انني اقلل من اهمية التجهيزات التي يستخدمها المصور ولكن اؤكد ان المهم ليست التجهيزات ولكن الشخص الذي يستخدمها وقدرته على الاستفادة القصوى مما هو متوفر لديه. فالتحديد المسبق للقصة وفهم الاوضاع السائدة والمعطيات المتوفرة وتسخيرها في خدمة التقاط الصورة تعتمد اساسا على تفكير المصور وادراكه اكثر مما تعتمد على ما لديه من تجهيزات. التناسق هو الأهم * ما هي العناصر المهمة التي لابد من توفرها لنجاح الصورة؟ ـ من نافل القول ان الامر يختلف من مناسبة الى اخرى. ولكن تناسق توزيع الاشخاص او الاشياء داخل الصورة والقرب والتقرب من الاشخاص والانتباه لمصادر الضوء وتوزيعه والظلال والحركة والتركيز عن الوجوه وتعابيرها والزاوية التي تلتقط منها الصورة والحرص على تحديد مركز اهتمام واضح داخل الاطار والتأكد من معرفة الهدف من وراء التقاط الصورة كلها عناصر لابد ان تؤخذ بعين الاعتبار. ان الصور الناجحة لا تأتي بشكل عفوي في معظم الاحيان. لابد من التفكير بما تريد ان تنقله من خلال الصورة والاستفادة من كل ما هو متوفر لديك للقيام بذلك على افضل وجه. وفي معرض توجيهه لنصيحة الى العاملين في مجال التصوير اعتبر انه اولا لابد للمصور من الاطلاع على كل ما هو جديد في عالم التصوير وان يعمل على تجديد معلوماته بشكل مستمر. اما الامر الثاني فهو ضرورة الاستمرار بمزاولة التقاط الصور وعدم الخوف من الخوض في تجارب جديدة والتعلم والاستفادة من تجاربه بالاضافة الى تبادل المعلومات مع الزملاء. واخيرا وليس اخرا ضرورة التأكيد على اهمية التفكير وتحديد الرسالة التي يريد ان يوصلها المصور للمشاهد. * ما مدى اهمية المستوى الثقافي والمعرفي لدى المصور فيما يتعلق بقدرته على نقل القصة الصورية بالشكل اللائق والمقنع؟ ـ ان المعرفة والاطلاع على مجريات الاحداث والمستوى الثقافي للمصور تعتبر امورا في غاية الاهمية. نعيش اليوم في قرية عالمية اختصرت فيها المسافات وزالت بينها الحدود واصبح الهم الانساني امرا مشتركا لجميع الناس في مختلف بقاع الارض. ان ما يحدث في مكان ما من العالم ينعكس سلبا او ايجابا على باقي الدول. ولذلك لابد للمصور الصحفي ان يتزود قدر الامكان بالمعرفة والاطلاع على ما من شأنه ان يساعده في تكوين نظرة شمولية للعالم بعيدا عن حدود الاطر المحلية الضيقة.