الضجة التي خلقتها ازمة السينما السورية في الاشهر الاخيرة لم تخلقها ازمة ثقافية منذ وقت طويل وربما ابدا.. وسوريا معروفة بأزماتها الثقافية والتي تتنوع بين فصل كتاب على مستوى عال من الشهرة بتهمة التطبيع مثلا, الى اتهام الدولة بالبخل في الانفاق على الثقافة احيانا اخرى, وآخرها كان ما اثارته ضجة رواية ممدوح عزام (قصر المطر) والتي هدد مشايخ دروز برفع دعوة على صاحبها وهي المرة الاولى التي يحدث مثل هذا الامر وبهذا المستوى. ولكن عودة للسينما.. اذ اصبح معروفا الان ان ادارة المؤسسة العامة للسينما التي شغل المنصب الرئيسي فيها (مروان حداد) من 1980 قد تم استبداله بالمخرج (محمد شاهين) لفترة انتقالية حتى يتم استشفاف المرحلة المقبلة وطبيعة الدعم الذي ستقدمه الحكومة الجديدة للثقافة بشكل عام وللمؤسسة العامة للسينما بشكل خاص. وقد حمل النقاد في معظمهم مدير المؤسسة العامة السينما مسئولية تردي اوضاع السينما في سوريا من مختلف جوانبها سواء كان من حيث الانتاج او العرض والتسويق.. الخ. لكن مع ترك هامش للسؤال هنا فيما اذا كان وضع المسرح افضل من وضع السينما او حتى وضع الكتاب او الجريدة؟ مرة اخرى فإن المسئولية تحملها مدير المؤسسة العامة للسينما في سوريا. واثار الضجة التي لم تكن قد وصلت الى حد الصراخ حينها الصحفي السوري احمد مارديني الذي يعمل مع الصحافة الرسمية (جريدة تشرين) من خلال تحقيق ذي طابع اقتصادي احتل صفحة كاملة في 11/7/1999 تناول فيه ما رآه سببا في تردي اوضاع المؤسسة العامة للسينما, وبالتالي الوضع السينمائي العام بكل آلياته, ومن ما اشار اليه التحقيق حينها الهدر والفوضى في الانتاج, والتسيب في المتابعة والمزاجية في الادارة, وغياب التسويق الفعال لأفلام المؤسسة وحتى محاولة عرضها الجماهيري بشكل لائق, اضافة الى اتهامات طالت مدير المؤسسة في دعوة مخرج يهودي من مناصري الصهيونية (المخرج البولوني زنوسي) ليترأس مهرجان دمشق السينمائي قبل الماضي كرد على تهمة مشابهة القاها المدير على المخرج (محمد ملص) في دورية عربية تصدر في لندن.. وتركز التحقيق ذو الطابع الاقتصادي على البحث في المال وكيفية صرفه ومن تساؤلاته ما جاء الرد عليه في بيان السينمائيين الثاني (الحياة 2/11/1999) كالتالي: (ثم تأتي التهمة الموثقة حسب رأي الصحيفة لتقول ان 350 مليون ليرة سورية قد وصلت المؤسسة في ثلاثين عاما فأين ذهبت؟ 350 مليون ليرة سورية, انتجت المؤسسة خلالها ما يقارب اربعين فيلما روائيا, وعشرات الافلام الوثائقية والقصيرة, وانتشلت من البطالة ما يزيد على 350 الف فني وموظف.. (350 مليونا تقسيم 30 عاما يساوي 11,66..!) (ويضيف الموقعون على البيان الثاني) ان هذه الملايين البائسة, التي يدعي محرر الصحيفة حرصه عليها, هي بحد ذاتها ازورار واختلاس فاضح لطاقات السينمائيين واعمارهم على امتداد عقود ثلاثة) . الا ان تحقيق (مارديني) يتناول جوانب اخرى ليست علاقتها الاهم تلك التي تنبع من ضعف الاجور او التمويل في المؤسسة العامة للسينما وهي سمة لا تتميز بها هذه المؤسسة فقط بل كل المؤسسات السورية! وانما الجانب الاهم هو الهدر الذي يحدث في تلك المؤسسة تحت مراقبة وموافقة الادارة.. اذ تتضاعف مدة التصوير لفيلم مدته ساعتين (المتفق عليها عالميا بستين يوما) الى 120 يوما واحيانا الى 150 يوما مما يضاعف من التكاليف المترتبة على الانتاج, ويسوق التحقيق حديثا لأحد المهتمين بشئون السينما حيث يقول بأن المونتاج المفترض لفيلم ساعتين يستغرق ستين يوما في اكثر الاحوال, بينما تصل مدته في ظل المؤسسة الى ستة اشهر! ومن جملة الهدر الذي تحدث عنه الكاتب ايضا والذي لم يستطع ان يجزم ان كان هدرا مقصودا ام لا. وهو ما نقل الموضوع الى مناقشة استهلاك الافلام الخام وصل الى حد الهدر. ردود الفعل وكان اول رد على تحقيق (تشرين) حينها جاء من مجموعة سينمائيين ونقاد عبر بيان مشابهة للبيان سابق الذكر تم نشره في صحف عربية (لم تنشره الصحافة الرسمية) ومن جملة ما قاله البيان الاول الذي عنون بـ (ارفعوا ايديكم عن المؤسسة العامة للسينما): (الذي يعنينا نحن السينمائيون, المصير الذي يريدونه لمهنتنا, وكذلك المعاملة المجحفة التي تعامل بها مؤسستنا من خلال اصرار بعض الجهات المسئولة في الدولة على انهاكها كي تصبح كبش فداء سهل يجز على مذبح التطهر من تاريخ طويل من سوء التخطيط وقصور القوانين الادارية والمالية الذي طبع السنوات الماضية بطابعه. وهذا ما لن نسمح به) ورأى اصحاب البيان ان السينما امانة في اعناق اصحابها, وان الدعوة الى التفتيش الوسط الفني من خارج الفني, دعوة امية ومستنكرة, واعتداء على حرية التعبير.. ويضيف البيان الذي نشرته كاملا ومقتطعا صحفا عربية منها (السفير اللبنانية) 20/7/1999: (جفت حلوقنا ونحن نصرخ ونناشد المسئولين من سنين, وفي شهادات موثقة نابعة من ضنى تجاربنا وأوجاعها, بتغيير من قوانين المال والادارة في مؤسستنا, والذي جعل ويجعل المؤسسة رهينة محبسيها, لكن لا من مجيب طبعا ولا من معين!) وجاء تخوف السينمائيين السوريين حينها (حسب البيان المذكور) من تصفية المؤسسة العامة للسينما عبر بيعها للقطاع الخاص وبالتالي تحكم الاخير (بطموحات) السينمائيين وجاء ختام البيان ليقول: (فبالله عليكم, ارفعوا ايديكم عن مؤسستنا, فنحن ادرى بها من عقبانها وغربانها. فلا الحيلة تنقصنا, ولا المقدرة ايضا, كي نجد للسينما السورية الحل المشرف الذي يقيها ليل السكاكين الطويلة) . وجاء النقد الذي وجه للبيان ليزيد من اشتعال الموضوع, خاصة وان اتهامات وجهت لكتبته (هو بالاحرى شخص واحد) حول طريقة الصياغة والكتابة التي تحول الامر لقضية سياسية وتساءل البعض عن ما اذا كانت نجاحات المؤسسة القليلة والمتقطعة تبيح لنا حمايتها من هيئات تحري الفساد والرقابة والتفتيش؟ وبما ان طابع الهيئة اقتصادي فإن طابع المؤسسة اقتصادي ايضا والمال هو مال عام وبالتالي ما الذي يمنع موظفي المؤسسة من الفنانين وغيرهم من المساءلة القانونية عن هذا المال وكيفية صرفه خاصة عند النظر للانتاج الضعيف والبائس للمؤسسة؟ تبادل الاتهامات وتساءل احد الصحفيين عن ما اذا كان الانتقاد يجب ان يوجه للصحافة (حين تكتب ام حين تسكت؟) ويستكمل الصحافي السوري (حكم البابا) في مقال نشر في جريدة تشرين الرسمية ايضا بتاريخ 25/10/1999 وذلك بعد قراءته البيان الثاني الذي جاء استكمالا للأول ولكن دون تعرض لهيئة الرقابة والتفتيش التي كانت قد احتلت غرفة في الطابق الاول من بناء المؤسسة. يقول (البابا) : (قرأت البيان الثاني اكثر من مرة, وانا انظر بعجب ودهشة لهذا الالتفاف غير الموفق, الذي حاول فيه الموقعون على البيان, وضع انفسهم كحائط صد لتلقي الاتهامات الموجهة للادارة, وتأملت مليا الاسماء الموقعة على البيان متذكرا كلام (سمير ذكري) الذي وصف الادارة بـ (الشلة البيروقراطية المنتفعة) مجلة (الفن السابع) عدد (6), ووصف (نبيل المالح) لآلية توزيع الفيلم السوري بـ (الآليات المتخلفة) مجلة (الفن السابع عدد (6), وكلام (عمر اميرلاي) عن التشوه الخلقي الذي اصاب المؤسسة ـ (استعمل هنا (اميرلاي) مصطلحا في غاية الدهاء حين كتب ان (حال السينما في سوريا لا يصلحه لا عطار ولا حداد) .. (تشرين عدد 7407).. وغيرهم من الذين وقعوا على البيان دفاعا عن المؤسسة, وهم الذين صرحوا اكثر من مرة متهمين الادارة بالتجاوزات, ووقعوا على بيانات ضد هذه الادارة) فعلى حد تعبير الكاتب ان السينمائيين كانوا اعدوا بيانا قبل كل هذه الضجة ضد المؤسسة العامة للسينما يتهمونها بالاساءة لوضع السينما من خلال سوء الادارة ولكن البيان لم ينشر بسبب مقايضة احد مخرجي المؤسسة هذا البيان بفرصة فيلم رأى النور مؤخرا.. وهنا مازلنا نحن في معرض رد (حكم البابا) على البيانين الصحافيين (انسحب قسم من موقعي الاول (26 موقعا) لينضم اخرون (32 موقعا) الى الثاني والانسحاب تم بسبب توقيع بعضهم على (بياض) في البيان الاول وتبرئهم من لهجته فيما بعد..!) ويصف الصحافي السوري كل موقعي البيان بالمستفيدين بشكل او بآخر (في حقيقة الامر يمكن استثناء اسماء كثيرة لم ولن تستفيد من المؤسسة ولكن دون المراهنة على ثقلها الفني ايضا) من ذلك سواء بالحصول على فرصة عمل جديد او من خلال عدم تضييع فرصة عمل قديمة. ويرى كاتب المقال ان من حق الصحفي التساؤل لأن دعوة الزميل (مارديني) للتفتيش في هذه الامور ليست تدخلا في موضوع الفيلم او حتى من هو الممثل او مساعد المخرج او مهندس الديكور. بل هي تدخل بكم يكلف المشهد الذي رسمه المخرج, وما هو اجر هذا الممثل الذي اختاره المخرج, وكم من القماش استهلك الثوب الذي حدده مصمم الازياء, وما هي تكاليف بناء الديكور الذي تصوره مهندسة, وهذه مسألة مطروحة في الصناعة السينمائية ام ان الاخوة السينمائيين يعتبروننا جهلة ويريدون بيعنا الترمواي؟) الخوف من البطالة (هيثم حقي) من جهته اعلن رأيه في ما قيل بمقال (تاريخ 1/11/1999) نشر في جريدة (تشرين) ايضا رأى فيه (السينما ليست فقط الانتاج الذي يبدو في اتعس حالاته, بل ايضا العروض التي وصلت الى الدرك الاسفل على يد ادارة المؤسسة, فمشكلتنا مع تمويل المؤسسة العامة للسيما للأفلام هي انها تأتي من مصدر قام بتخريب السينما عندنا تخريبا تاما, فمقابل نصف الفيلم المنتج سنويا, تقوم المؤسسة باستيراد اردأ افلام الكاراتيه والميلودراما الهندية وافلام العنف درجة عاشرة, لتملأ بها صالات بلدنا التي تقلصت بفضل هذه السياسة وسياستها الى الربع, وتحولت الى مقاه وكباريهات رخيصة) .. ويصف (حقي) في معرض تناوله لأزمة السينما السورية بأنها اشبه بمحاولة تمويل (عروض الباليه عن طريق ارباح المخدرات) . ومن ثم يضيف بأن السينمائيين السوريين يقبلون هذه الحالة ويدافعون عنها (لأنها فرصتهم الوحيدة لانتاج فيلم) . ويستكمل (حقي) قائلا: وهكذا تستمر اللعبة ويستمر السينمائيون السوريون بتجرع هذا الكأس المر راضين قانعين خاضعين للشرط القاسي المفروض عليهم, وهم يخشون شيئا واحدا: البطالة بمعنى عدم قبض الاعانة الشهرية التي تسمح لهم بالحد الادنى من العيش. وكلهم في احاديثهم المنشورة او في الندوات او في المهرجانات يتألمون لهذا الحال ويطالبون بتغييره. ولكن حين فتح الملف سارعوا للوقوف في وجه التغيير الذي لم يروا فيه الجانب الايجابي الذي طالما بحثوا عنه, بل احسوا به زلزالا سيقتلع مؤسستهم الغالية من جذورها ويرمي بهم الى قارعة الطريق, وهو ما لم يذكره احد ولم يطالب به احد, واما الخروج من الازمة فيلخصه (هيثم حقي) مستدركا: المطالبة بتغيير القوانين وتغيير هيكلية المؤسسة العامة للسينما وايجاد صيغ اقرها مؤتمر السينمائيين التحضيري, كالمجلس والوطني للسينما, وتشجيع الانتاج وتغيير واقع الصالات وانهاء حصر الاستيراد الذي جلب لنا اردأ الافلام وابعد الجمهور الحقيقي عن صالات العرض واستبداله بضريبة استيراد الافلام وبطاقات الدخول التي يعود ريعها على الانتاج السينمائي وفرض نسبة من الانتاج الوطني على الصالات. كل هذا سيعود بالنفع على الجمهور اولا ثم على السينمائيين, ويختتم (حقي) : (علينا ان نغتنم فرصة فتح ملفات السينما عندنا بهذه المطالبة الجدية بالتغيير) . وهنا اقفل الملف على صفحات الجرائد على الاقل.. اما لجنة الرقابة والتفتيش فما زالت في الطابق الاول ببناء المؤسسة العامة للسينما في دمشق, وتنتظر السينما (سينمائيون وجمهور) ما ستأتي به رياح (التغيير) في سوريا من قرارات. دمشق ـ زياد حيدر