الجمال المفقود في الفردوس الموعود لم تكن مفاجئة لأحد من المهتمين بالفن السابع تلك النتيجة التي حققها فيلم (الجمال الأمريكي) عندما حصد خمسا من أصل ثماني جوائز في أكبر مسابقة سينمائية عالمية يحلم بالفوز بترشيحاتها جميع العاملين في هذا الفن, حيث يعتبر (الأوسكار) نوبل السينما, ويدخل الفائزون بجوائزه تاريخ الابداع السينمائي من أوسع أبوابه. الجوائز الخمس التي فاز بها (الجمال الأمريكي) كانت: أفضل فيلم سينمائي, وأفضل إخراج لمخرجه البريطاني الشاب (سام مينديس) , وهو مخرج مسرحي معروف يخوض تجربة الاخراج السينمائي للمرة الأولى من خلال هذا الفيلم. كما فاز بطله (كيفين سبيسي) بجائزة أفضل ممثل متغلبا على منافسه دينزل واشنطن الذي كان اسمه مطروحا للفوز بهذه الجائزة. وكانت من نصيب الفيلم أيضا جائزتا أفضل سيناريو وأفضل تصوير سينمائي. هذا الفوز الذي جاء متوقعا كانت له ارهاصات تمثلت في منح رابطة الممثلين الأمريكيين لـ (الجمال الأمريكي) عددا كبيرا من جوائزها قبل إعلان الأوسكار بأيام قليلة, مما عده النقاد تهيئة وتعزيزا لفرص فوز الفيلم بجوائز الأوسكار. وبعيدا عن التقييم الفني للفيلم وتجنبا للدخول في متاهات يتطلب الخروج منها مهارات لا ندّعيها نتجّه إلى جانب آخر من الموضوع يطرح نفسه بقوة علينا, ونحسب أنفسنا قادرين على الخوض فيه دونما خوف من تهمة الادعاء التي ربما وجهت إلينا فيما لو خضنا غمار النقد السينمائي الذي له فرسانه حيث لا نعد أنفسنا منهم, ندع هذا المجال جانبا ونتجه إلى زاوية أخرى من الصورة نسلط الضوء فيها على قصة الفيلم التي تركز على شريحة من المجتمع الأمريكي نستطيع القول إنها تمثل الغالبية العظمى من أفراد المجتمع حيث تبتعد عن الصفوة التي يمثلها السياسيون والمليونيرات, بما تحفل به حياة هؤلاء من صراعات كبرى على مواقع السلطة والنفوذ والمال. كما ترتفع عن قاع المجتمع مركزة على الطبقة الوسطى التي تعد نمطا نموذجيا للأسرة السعيدة في مجتمع الفرص المتاحة الذي يؤسسه النظام الرأسمالي ويغلب عليه الفكر البراجماتي. مسرح الأحداث في الفيلم ضاحية جميلة من ضواحي إحدى الولايات الأمريكية, أما شخصياته فهم أفراد عاديون نقابلهم كل يوم في الشارع ونتعامل معهم, وربما كانت هذه الواقعية هي سر نجاح الفيلم حيث لا نشاهد فيه أناسا يعيشون في أبراج عاجية أو تفصلهم عنا أسوار يصعب اختراقها. ودونما خوض في التفاصيل نستطيع أن نتعرف على فكرة الفيلم وأحداثه من خلال استعراض شخصياته المتمثلة في ساكني أحد منازل هذه الضاحية وجيرانهم وهم: * الأب: هو ليستر برنهام, ويقوم بدوره (كيفين سبيسي) : وهو الشخصية المحورية في القصة, حيث تبدأ أحداث الفيلم بصوته القادم من العالم الآخر وتنتهي بموته. وخلال هذه الرحلة نتعرف على بقية الشخصيات. شخصية الأب في الفيلم تحمل تناقضات عدة وينعكس اضطرابها على تصرفاته غير المتوازنة. فهو عندما يفصل من العمل بقرار من مديره يضطر للموافقة على وظيفة أقل من تلك التي كان يشغلها حيث يعمل بائعا في مطعم للأكلات السريعة يقوم فيه بالخدمة في القسم الخاص بطلبات راكبي السيارات العابرة. أما حياته داخل البيت فهي أميل للرتابة والفشل إذ لا وجود للحياة العاطفية بينه وبين زوجته, يزيد من تعقيد الأمور أن زوجته وابنته تحتقرانه. ونتيجة لما يحدثه ذلك من خلل في تركيبته النفسية تصدر منه تصرفات لا تتناسب مع سنه الذي جاوز الأربعين حيث يقع في غرام فتاة مراهقة لا تزال على مقاعد الدراسة, كما يرتبط بعلاقة صداقة مع ابن جاره الشاب الذي يطارد ابنته ويتعاطى معه المخدرات. تنتهي حياته برصاصة يطلقها عليه جاره (فرانك) . * الزوجة: كارولين, وتقوم بدورها (انيت بيننج) : ترتبط بعلاقة عاطفية مع مديرها في العمل حيث تعمل في مجال العقارات, يشاء حظها العاثر أن تتوقف مع عشيقها عند المطعم الذي يعمل فيه زوجها ليطلبا الطعام وهما يتبادلان القبلات, فيقرر العشيق انهاء هذه العلاقة لتصاب هي بانهيار عصبي يدفعها إلى قيادة سيارتها وسط شوارع الحي حاملة بيدها مسدسا. * الابنة: جين, فتاة جميلة في سن المراهقة, تتعرض للمطاردة من قبل (ريكي) ابن جارهم الكولونيل البحري المتقاعد, (فرانك) . ولان ريكي يعاني من اضطهاد والده له وقسوته عليه فهو يحاول الهروب من ذلك ليقع في بؤرة المتاجرة بالمخدرات والتلصص على جارته الشابة وتصويرها بواسطة كاميرا فيديو. تطلب جين من ريكي أن يقتل والدها لكنه يرفض ذلك ويعرض عليها الهرب للعيش في مدينة أخرى فتوافق على ذلك. * انجيلا: وهي المراهقة الشابة التي يقع في غرامها الأب, فتاة جميلة لا تجد غضاضة في ابداء ارتياحها لمعاكسة الرجال لها, وربما كانت استجابتها لمثل هذه المحاولات هي ما دفعت ليستر إلى التعلق بها عندما شاهدها ترقص ضمن فريق المشجعات في المدرسة ليظل خيالها يطارده طوال الفيلم. هذه النماذج التي يقدمها الفيلم من أفراد المجتمع الأمريكي بما تحمله من تصرفات شاذة إنما تعبر عن شيء آخر لا علاقة له بعنوان الفيلم إن لم يكن نقيضه, فالقبح ظاهر في كل شيء, بدءا من تصرفات الأب غير السوية, ثم تصرفات الأم, فتفكير البنت في قتل والدها, إلى متاجرة ابن الجار بالمخدرات ومطاردته لابنة الجيران, إلى اعتراف المراهقة انجيلا صراحة بأنها ترتاح لمعاكسة الرجال لها, إلى إطلاق الكولونيل المتقاعد النار على بطل الفيلم في النهاية. فأين هو الجمال في كل ذلك إن لم يكن الفيلم اعترافا صريحا بمدى القبح الذي خلفته النزعة المادية في مجتمع لا يعترف إلا بالمصالح الفردية ويسيطر على تفكير أفراده نمط الجزر المعزولة؟! في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1986 احتفلت أمريكا بمرور مئة عام على إهداء فرنسا لها تمثال الحرية الذي صممه ونفذه المثال الفرنسي (فريدريك أوجست بارتولدي) . هذا الاحتفال حضره وزير الثقافة والاتصالات الفرنسي (فرانسوا ليونارد) الذي امتدح التمثال واعتبره رمزا للحرية أعظم القيم الإنسانية في العصر الحديث قائلا إن وجه (مس ليبرتي) يحتفظ بشبابه دون تجاعيد, وإن شعلتها المتوهجة ترتفع عاليا في سماء المحيط منذ مئة عام, ولا تزال تهدي المهاجرين إلى الأبواب الذهبية لنيويورك. وفي الليلة نفسها احتفل السود بالمناسبة باعادة عرض مسرحية (زبيب تحت الشمس) التي سبق أن عرضت في (برودواي) عام 1959 للكاتبة الزنجية (لورين هانزربري) . ملخص المسرحية ان عائلة زنجية تحلم ببيت تدخله الشمس, وعندما يتحقق لها هذا الحلم من خلال بوليصة تأمين على حياة الأب (والتر) يصطدم تنفيذ حلمها بأن هذا البيت يقع في منطقة يسكنها البيض الذين يتحركون لمنع تحقيق حلم العائلة الزنجية, ويعرضون عليهم ترك المنزل مقابل تعويض مناسب يدفع لهم, لكن (والتر الابن) يرفض هذا العرض ويقول لمندوب البيض إنه ينحدر من قوم عندهم كثير من الكبرياء, وان اخته (بنيثا) ستصبح طبيبة, وانه وأسرته قرروا الانتقال إلى البيت الجديد لأن (والتر الكبير) يستحقه. الجمال الأمريكي يتحطم أيضا هذه الأيام أمام المتاجرة بقضية طفل كوبي في السادسة من عمره يدعى (ايليان جونزاليس) انقلب به القارب الذي كان يقله, ورأى أمه تغرق أمام عينيه مع اثني عشر كوبيا آخرين كانوا في طريقهم إلى الفردوس الموعود للهجرة بصورة غير مشروعة, لتلقي به الأمواج على الساحل الأمريكي يحمله طوق نجاة وضعته أمه فوقه قبل أن تغوص هي في مياه المحيط. (الجمال الأمريكي) الفيلم نجح في امتحان الأوسكار وحصد خمسا من الجوائز, بينما سقط (الجمال الأمريكي) كقيمة إنسانية في كل الاختبارات ولم يحصد سوى الانهيار الأخلاقي والاجتماعي في الداخل ونقمة الشعوب وسخطها في الخارج.