أخطر وابشع من الاغتيال بطلقات الرصاص, اغتيال الذاكرة الجماعية وتزييف التاريخ, فإذا كان الاغتيال بالرصاص يسلب الارواح البريئة حياتها, فإن اغتيال الذاكرة وهي مستودع خبرات الوطن واسرار مسيرته وحصادها ونبع هويتها الحضارية، يسلب الأمة أعز ما تفخر به, ويحيل قدرتها على التجدد الى التقاعد القهري ويصيبها بمسخ مزمن لا شفاء منه, ويترك الناشئة نهبا للأهواء والتيارات العبثية بلا بوصلة ترسم لهم طريقهم, ويقطع صلتهم بأسلافهم. ويحرمهم من القدرة على صنع المستقبل, بعد أن لوث نهر تاريخهم ودنس طهره بمعلومات مزيفة. ومنذ القدم تنبه الانسان الى خطورة لعبة التزييف كأداة لاغتيال ذاكرة الأمة واجتهد المفكرون في صياغة قواعد وأدوات لكشف مدمني التزييف, ومرتكبي جريمة الاغتيال المعنوي لصناع تاريخ الأمة. سبب هذه المقدمة الطويلة ما جرى مؤخرا في أكثر من عاصمة عربية, وعلى ساحات متعددة, من محاولات لطمس حقائق واضحة وضوح الشمس في يوم لاغيوم فيه, وبدت هذه المحاولات وكأنها متفرقة لا رابط بينها, إلا أن قليلا من التدبر يكشف عن نسق مترابط بإحكام, يقف وراءها, وهدف واحد لتنظيمها, ألا وهو اغتيال ذاكرتنا العربية ونسخ شخصية الاجيال المقبلة. فعلى سبيل المثال, انتفض المثقفون العرب في مصر مؤخرا, واجبروا بحركتهم وزارة الثقافة على وقف تداول موسوعة مترجمة للأطفال, غفل ـ للأسف ـ مترجموها وهم عرب عن تصحيح اخطاء متعمدة لهيئة تحرير الموسوعة الاجنبية, وتناولهم لجغرافية وتاريخ فلسطين المحتلة, من وجهة النظر الصهيونية. ففي هذه الموسوعة قدمت الاراضي العربية المحتلة في فلسطين لأطفالنا على انها أرض الميعاد للصهاينة من يهود الشتات, وتحولت الاسماء العربية للقرى والمدن الفلسطينية الى اسماء عبرية, وكأن الارض لا تتكلم عربيا كما كنا ننشد ونغني حتى وقت قريب. وبعيدا عن الانفعال اللحظي او الوقوع في آفة ابراء الذمة دون اتخاذ موقف ايجابي, وبدون ادعاء حكمة, يجب ان نعترف بأننا مطالبون بأداء فريضة الدفاع عن تاريخنا والحفاظ على ذاكرة اجيالنا المقبلة, فالخطر مقبل وآت من كل اتجاه, والطوفان يستهدف طمس كل الحقائق التي صانت لنا وجودنا, وطابور المزيفين لا نهاية له. والاخطر, هو مطالبة هؤلاء المزيفين لنا بإرتكاب خطيئة تغييب وعينا أو فقدان ذاكرتنا, حتى نتواءم مع اهدافهم تحت مسميات مضللة وخادعة باسم ثقافة السلام... وعليكم السلام سيد زهران