.. ما بعد الحصان الأول (الحصان الثاني ما أحد يعرفه.. لابد أن نكون في المقدمة) . هذا هو المبدأ الذي يحكم سباقات الخيل في كل الأزمنة وفي كل البقاع. أن تكون الأول فلك البطولة, ولك الشهرة والمجد, لك الجوائز, لك العشق والقصائد, ولك التاريخ. أما ما بعد الأول فيتساوى الجميع, لا يهم المركز الذي تحصل عليه, فأنت لست البطل. قانون سباقات الخيل هذا ينطبق على جميع السباقات, وحياة الإنسان كلها سباقات: في الدراسة, العمل, الابتكار, في الإدارة, في الطموح. لابد أن يكون مبدأ (أن أكون الأول) واضحا وأن يتناسب مبدأ الحلم والطموح مع قوة العطاء والجد والثبات في التسابق نحو الهدف الأوحد. (الحصان الثاني ما أحد يعرفه) رؤية في الإدارة والقيادة وأيضا استراتيجية لبناء الإنسان, أكد عليها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حديثه قبل يومين عن المستقبل وعن الحكومة الالكترونية. في لقاء الشيخ محمد مع رجال الصحافة والقيادات الإدارية في الدوائر المحلية رسم صورة جديدة للقائد تختلف عن تلك الصورة الثابتة والجامدة لشخصية صانع القرار أو المسئول في الوطن العربي, وتحديدا منطقة الخليج. المسئول هنا يتخلى عن الطقوس البروتوكولية, يتحدث مباشرة في جو أسري. يصنع المزاح ليكسر حاجز الرهبة في نفوس البعض, يحاول في حديثه أن يضرب أمثلة وأن يستشهد بمواقف وأسماء أشخاص متواجدين في القاعة ليجذب الانتباه ويوصل الفكرة التي يريد أن يتحدث عنها. القائد لا يتحدث من ورقة مكتوبة, أو يتخذ موقعا بعيدا عن الحضور, أو يجلس خلف مكتب فخم في مكان مرتفع أعلى منصة المسرح, لا يتقيد بمراسيم حضور واستقبال وتوديع. يقف مباشرة قرب مقاعد جلوس عموم الحاضرين, يتحدث واقفا, متحركا لمدة زمنية تزيد على الساعة ونصف الساعة, حديثا مباشرا, يتناول شئون الحاضر ورؤية المستقبل, كيف يجب أن تكون. يستخدم في شرحه لتوصيل المعلومة, وسيلة عرض متطورة, فمن غير المناسب أن تتحدث عن الانترنت وثورة التكنولوجيا ولا تستخدم مزايا الحاسب الآلي في حديثك. وكان أمام المحاضر أن يؤشر من بعيد, ليقوم موظف مختص باستعراض شرائح البرنامج التفصيلي على شاشة العرض. لكنه رأى انه من المفيد والأجدى, وللتدليل على إيمانه واهتمامه بالهدف أن يقوم بمهمة التعامل مع الكمبيوتر مباشرة, والتعليق في ذات الوقت على فقرات ومراحل القرار. في اللقاء أيضا, إعلان نظرة جديدة في عمليات اتخاذ القرار لم نتعودها في الوطن العربي. فالقرارات والأوامر الحكومية تعود أن يقرأها المواطن ويسمعها من خلال وسائل الاعلام. هنا القرار يعلن أمام الجمهور, ويسمح صانع القرار لمناقشته, ويسمع الآراء المختلفة حوله. هذه آلية نجدها تطبق في العالم الأول اليوم, ونقطة تحول هامة تحسب لبلدنا أن نسير على هذا النهج. ونلحظ في عملية التنظيم أمرا ايجابيا يحمل دلالة التقدير والانصاف لرجال الاعلام, لأول مرة يجد الزملاء أنفسهم في المقاعد الأمامية, فقلب القاعة مخصص ومحجوز لهم, وأعطي لهم كذلك سبق وأفضلية طرح الأسئلة والمناقشة. تقدير مهم لجهاز يحكم ويشكل هذا العالم. محور حديث الشيخ محمد بن راشد كان يدور حول القرار الذي أعلنه في اللقاء عن تحويل حكومة دبي إلى الكترونية, ماهية وآلية تنفيذ هذا القرار. كذلك الحديث تناول اشارات لقضايا عديدة, في بعضها استخدم سموه التلميح والاشارة لتنبيه الجميع, وفي أخرى كان صريحا واضحا. عندما تحدث عن ثورة التكنولوجيا, أكد ان الاهتمام لابد أن ينصب على الإنسان, فهذا هو الثروة الحقيقية (نحتاج إلى شباب طالعين.. على شبابنا أن يحضر حاله للمرحلة المقبلة.. أي شخص مبدع في أي دائرة سنعطيه الفرصة وسنرقيه ليس درجة أو درجتين إنما إلى مستويات قيادية) . (أريد.. أريد ابداعا, أناسا مبدعين, لا أحب الروتين) . مبدأ المحاسب ومطلب التفوق أكد على انهما من لزوميات المرحلة المقبلة: (أحط كثيرا منكم تحت الاختبار, والاختبار فيه نجاح وسقوط.. وهذه المسيرة الذي يريد يتماشى معها, والذي ما يقدر نشكره على ما قام به ونعطيه حقوقه) . (وعندما نفكر في التطوير علينا أولا أن نحاسب أنفسنا ونتصارح لمعرفة الخلل وسبل الاصلاح حتى تكون خطواتنا مبنية على أسس سليمة ومنهج علمي وعملي) . أما المستقبل في نظر الشيخ محمد, فعامل الوقت أهم مؤشرات كيفية الدخول له وتحديد موقعنا فيه: (الوقت يسير بسرعة, ولا نستطيع التوقف أو المشي فقط. والتطور الذي كنا نريده في السابق كان بسيطا, ولم يعد يكفي, التكنولوجيا تسير بسرعة, والتجارة الالكترونية أسرع) . (العالم أسرع منا, كيف نواجه الآن التجارة الالكترونية, الاقتصاد الجديد لا يحتاج أن يكون في دبي, أو في أي بلد, لا يحتاج إلى المكان, يحتاج إلى تسهيلات من أي مكان.. اللي يقول الثورة التكنولوجية, نحن نستعد لها, إذا جاءت نتماشى معها, بالنسبة لي متأخر, نحن لا نتبعه في مسيرته بل نأخذ زمام الأمر.. المستقبل واضح, لابد أن نتهيأ له, ونهيئكم أنتم له) . يلخص سموه نظرته لدور القائد من تجربة شخصين, صنعا مجد هذا الوطن, في بناء اتحاده واستقراره والحاضر الذي وصلت إليه الدولة وإنسانها. يقول الشيخ محمد (الشيخ زايد, والشيخ راشد لم ينتظرا أن يكتب عنهما التاريخ, هما صنعا التاريخ) هذا هو دور القائد, الدور الأصعب والأهم.. أن يصنع التاريخ.