الارادة المحفوظية في يوم الجمعة الرابع عشر من ديسمبر, عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين, في تمام السادسة, خرج نجيب محفوظ من منزله كعادته منذ سنوات طويلة, قاصداً مقهى قصر النيل ليلتقي برواد ندوته الاسبوعية. جلس في السيارة الى جوار صديقه ومريده الدكتور فتحي هاشم. الذي اعتاد مصاحبته يوم الجمعة, تقدم شاب في الثانية والعشرين منه, مجهول له, ومد يده فظن الأستاذ أنه يريد مصافحته, مد يده كما يفعل مع محبيه الذين يصافحونه, لكن الشاب لم يكن محباً, كان متعصباً, جاهلاً, تلقى أمراً بقتل نجيب محفوظ, وجاء لينفذه, غرس مطواة في عنق الرجل الهرم, الذي كان يخطو نحو عامه الرابع والثمانين. كان قد تبقى شهران على عيد ميلاده. يصف نجيب محفوظ ما جرى, بأنه فوجىء بوحش هائل ينشب أنيابه في عنقه, كان الشاب يحاول ذبحه بالمطواة, صرخ د. فتحي هاشم: (ماذا تفعل؟ ماذا تفعل يامجنون؟) نزل ليطارد الشاب الذي انطلق هارباً, ولكنه لم يتبعه إنما فكر في شيخه الجريح, عاد بسرعة ليسد الجرح بيده, ويقود العربة بسرعة الى الخلف حيث مستشفى الشرطة على بعد أمتار قليلة, صرخ في حارس البوابة.. (افتح.. نجيب محفوظ مذبوح) . هكذا تدخلت العناية الإلهية, فصديق محفوظ المسئول عن مصاحبته يوم الجمعة طبيب, ومستشفى الشرطة مقابل البيت, وأشهر طبيب جراح للأوعية الدموية في مصر, الدكتور سامح همام أمكن الاتصال به واستدعائه الى المستشفى, كان على وشك ركوب المصعد ملبيا دعوة للعشاء. قدر لي أن أشهد الأحداث بعد وقوعها بحوالي ساعة, عندما اتصلت بي إبنة محفوظ الصغرى, فاطمة, وقالت عبر الهاتف بصوت دامع: (حاولوا قتل بابا يا عم جمال) نزلت من ضاحية المعادي حيث أقيم الى مستشفى الشرطة بعد أن اتصلت بالأصدقاء الحميمين للأستاذ, يوسف القعيد, عماد العبودي, حسن ناصر, وغيرهم. لم أفارق المستشفى تلك الليلة إلا حوالي الواحدة صباحاً, بعد نجاح العملية, ودخولي غرفة العناية المركزة, ورؤيته, وسماعه يطلب نظارته الطبية والسماعة *** مازلت أذكر شرح الدكتور سامح همام لما جرى في العملية الجراحية, كان الحاضرون من كبار رجال الدولة يتقدمهم وزير الداخلية, والأصدقاء المقربون من محفوظ, قال الدكتور سامح إن الضربة من قاتل محترف, إذ كانت تستهدف الشريان الذي يوصل الدم من القلب الى المخ (السباتي), ولكن انحناءة الشيخوخة جعلته لا يصيبه تماما, أما النصل فقد مس العصب الذي يتحكم في اليد اليمنى. ماذا ترتب على ذلك؟ أصبح محفوظ, أعظم روائي عربي, عاجزا عن الكتابة, لايستطيع التوقيع باسمه, وعندما رأيته مضطرا الى التوقيع بختم صغير أعده لينهي به معاملاته في البنوك والجهات الرسمية بكيت تأثرا. نجيب محفوظ عاجز عن التوقيع بيده اليمنى, تلك اليد التي خرجت منها الثلاثية وأولاد حارتنا والأعمال العظمى التي أصبحت جزءا من تكويننا الروحي. غير أن نجيب محفوظ يتمتع بقوة ارادة رفيعة المستوى, محركها الأساسي حبه للكتابة, من معايشتي له يمكن القول إنها غريزة لديه, تماما مثل غريزة الحياة, والجنس, بل إنها لديه أقوى, بدأ محفوظ علاجاً طبيعياً لتمرين يده اليمنى على الحركة, ولمدة ثلاثة أعوام راح يواصل العلاج بدأب أسطوري, وتصميم قوي, وخلال لقاءاتنا المنتظمة كنت مع الأصدقاء نتابع حالته وحركة يده. بعد عامين من الإصابة أصبح بمقدرته أن يوقع اسمه, توقيعا مضطربا كطفل يتعلم الكتابة من جديد, لكن مع مرور الأيام بدأ يتحسن, نجيب محفوظ يتعلم الكتابة من جديد, لكن وهو في الرابعة والثمانين. خلال زيارتي له كنت ألاحظ الأوراق البيضاء التي يتعلم فيها الكتابة, كان يكتب اسمه مرات متعددة, نجيب محفوظ, نجيب محفوظ, وكأنه من خلال التوقيع يؤكد إرادته وحضوره. قدرة محفوظ على التكيف لا حدود لها. في عام واحد وتسعين سافر الى لندن لاجراء عملية جراحية دقيقة, تم خلالها استبدال الشريان الموصل من القلب الى المعدة, بعد عودته كان بصره قد أصابه الوهن, أمره الطبيب أن يقرأ أو يكتب لمدة ساعة واحدة يوميا, واختار أن يستغرقها في الكتابة, أما القراءة فتولاها الأصدقاء, في المساء نقرأ له النصوص الأدبية من شعر وقصة, وخلال جلساته أتم أعمالا أدبية كاملة بالسماع, منها رواية (حكايات المؤسسة) , ورغم أنه طوال عمره اعتاد القراءة بنفسه, إلا أنه تكيف مع الظروف الجديدة, وأصبح يصغي إلى مريديه المخلصين الذين يقرأون له يوميا, وأخص منهم بالذكر زكي سالم الذي أوقف وقته كله على مصاحبة الأستاذ في بنوة نادرة, وحب عميق, آخر ما قرأه زكي للأستاذ مذكرات مصطفى النحاس السياسي الشهير قبل ثورة يوليو. يقول لي زكي انه في دهشة من ذاكرة الأستاذ الحديدية, انه يتذكر كافة التفاصيل التي عاشها في الأربعينيات والخمسينيات, وذاكرة محفوظ في هذا العمر المتقدم تبدو مثيرة للاعجاب, اعتدت أن أقرأ له الشعر العربي القديم, يفاجئني بأنه يكمل بعض المقطوعات للمتنبي أو أبوالعلاء المعري من الذاكرة, مازال يحفظ المتون التي أحبها في أول العمر. وعندما أستثير ذاكرته بأسئلة حول شبابه أو معرفته بالقاهرة, يبدو ملماً بالتفاصيل كلها. الشىء الوحيد الذي لم يتكيف معه محفوظ فعل الكتابة, عرض الأصدقاء عليه أن يكتبوا ما يمليه عليهم, لكنه اعتذر برقة. الكتابة عنده فعل خاص جداً, يحيطه بسرية, لا يتحدث عن مشاريعه مقدماً, ولا يقص تفاصيل. استثناء وحيد أذكره في عام خمسة وستين, كان القراء قد اعتادوا ظهور عمل أدبي جديد لنجيب محفوظ في جريدة (الأهرام) كل عام. في هذه السنة قال لي انه لايوجد لديه موضوع محدد هذا العام, لذلك يفكر في كتابة عمل أدبي عن بعض الشخصيات التي عرفها. مازلت أذكر تعبيرات وجهه ونبراته, إنها إحدى المرات النادرة التي يتكلم خلالها من تلقاء نفسه عن عمل يستعد لكتابته, وربما اضطر لقلقه بسبب عدم وجود موضوع محدد. قبل سفره إلى لندن لاجراء العملية الجراحية عام اثنين وتسعين, كنا نسأله عما يكتب, فيقول بلا مبالاة, مجرد قصاقيص, خواطر. هذه الخواطر ظهرت فيما بعد, عملا أدبيا كرحيق الشهد, خلاصة الخبرة, انه (أصداء السيرة الذاتية) . بعد ثلاثة أعوام من محاولة اغتياله, قال بمرح وسعادة: اليوم كتبت سطراً ولم أنزل عنه. كان خبراً هاماً ومؤثراً بالنسبة لنا. بعد فترة بدأت تظهر قصص قصيرة لمحفوظ, قصيرة جداً, ضامرة, محملة بالحكمة, وعادة ما يجيب على أسئلة الصحفيين: إنها من المخزون القديم. غير أن أصدقاءه المقربين يعرفون الحقيقة, ما ينشره محفوظ خلال العامين الأخيرين إنتاجا جديدا, آخر ما يبدع, إنه يكتب بنفسه الآن, كيف وهو لايستطيع أن يرى السطور أو الكلمات. إنه يكتب القصة في ذاكرته أولا, يحفظها, ويجلس الى المكتب, يكتبها دفعة واحدة على ورق أبيض مستدعيا الحروف من ذاكرته لتضيئ العتمة التي فرضتها الشيخوخة على بصره بسبب التقدم في العمر. إنها ذروة الإرادة المحفوظية, ذروة الإرادة الإنسانية في الإخلاص للإبداع, وقهر العجز الإنساني.