خارج مسابقة ايام الشارقة المسرحية وانطلاقا من حرص دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة ولجنة تسيير الايام جاءت مشاركة المسرح المدرسي من خلال مدرسة الذيد الثانوية, ومشاركة فرقة المسرح الجامعي لتقدما عرضين مسرحيين في تاسع ايام الشارقة المسرحية. وفي الامس كانت السعادة كبيرة باحتضان مسرحيتي الفيل يا ملك الزمان تأليف سعد الله ونوس, اخراج محمود ابراهيم, تقديم مدرسة الذيد الثانوية للبنين و(في المتحف) تأليف عبدالله اسماعيل تقديم فرقة المسرح الجامعي. وقبل اي تصور او نقد لعرضي امس فإننا نكتشف ان هناك اجتهادا مثمرا يحاول ان يؤسس ويستكمل الخطوات السابقة بجهد خلاق مهما كان العرض شكله او نوعه فإنه هناك مدارك شعورية بضرورة الاجتهاد لأن المسرح المدرسي حقيقة واضحة باعتباره يلعب دورا ايجابيا في بناء الشخصية الطلابية والتي ستدخله الى عالم المعرفة وقوة الشخصية فالمسرح يستطيع ان يبني نموا ذهنيا ويجعلها اكثر نباهة, وبذلك يدعونا جميعا ان نقف ادارة وفنانين مع هذه التجارب بكثير من التشجيع والاهتمام لأن اصول بناء الشخصية تبدأ من المدرسة فالجامعة. فمسرحية الفيل يا ملك الزمان لسعد الله ونوس هي استفهام دائم يجذر العلاقة بين الراعي والرعية ومع اتساع الفكرة وتنوعها فإن الطلبة قدموا فهما للصياغة المسرحية اي بحدود الحوار المنطوق على الخشبة وهذا الحوار هو بالتالي حصيلة وعي مشترك بين الطلبة من جانب والمخرج من جانب اخر والنص مسرحيا.. انهم يدركون ان المسرح تمثيل فجاءوا بهذه النية الصادقة ليعبروا عن مشاركة وجدانية.. وازاء ذلك فإن مقصدية النص او التأويل والتفكير والحل والبطل والمنطقي يأتي بالمرتبة الثانية مع ان هناك حسا جماليا مدركا ثغرات العرض الموجودة تجسيدا على المسرح حيث اننا اكتشفنا ان خلفها رجلا مسرحيا اكثر منه معلما بما عرف ببواطن المسرح وساعيا وراء عرض يمتلك الفرحة والمتعة ازاء موقف صعب في التعامل اللحظوي في تحقيق غاية اللعبة المسرحية.. اكون صادقا لو قلت انني وجدت وعيا في ادراك ترتيب الاشياء على المسرح.. فالديكور حمل دلالات النص والحركة جاءت متوافقة وبناء الشخصية متوافق مع لعبة لصبيان استهوتهم هذه الحكاية والاهم ان الجو العام كان مفعما بكثير من الايحاءات كالاغاني التي عبرت عن روح القضية والتي كانت استدلال او استعاضة البديلة عن مجمل احداث المسرحية او بالاحرى جوهر القضية. وبعد هذا كله فإن امامنا اكثر من سبعة عشر ممثلا شارك في تجسيد هذه الاحداث وهو رقم كبير قياسا لعرض طلابي يقترب من المنهجية الدراسية.. كما انه يكثر وجع الرأس والمشاكسة لأن العملية برمتها هواية غير محترفة وبدورنا فاننا نثني على الجهود الخلاقة التي بذلها المخرج الفنان محمود ابراهيم الذي لعب دورين مهمين هما المخرج المجسد للعرض والمدرب والمعلم الموجه, اخيرا اننا اذ نهيء كادر العرض فإننا ندعو للالتفات للمسرح المدرسي فإنه الخميرة التي ستمنح مسرحنا ديمومة وعطاء. العرض الثاني (في المتحف) تأليف عبدالله اسماعيل والذي يأخذ بعضا من مقاطع لمسرحيات الكاتب محمود دياب ويستند عليها في تكوين هذه الفكرة التي تبحث عن ايجاد علاقة جدلية بين الارض والانسان وبشكل اعمق بين الانجذاب والتراث فالكل بحاجة الى هذه الجذور انها الينبوع الذي يغذي الروح وتستمد الحياة قوتها وعنفوانها منها فهي الشريان الواصل بين الانسان ككائن صانع للحضارة والتقدم وبين هذا الموروث الفني بالدلالات والعبر. وتناقش المسرحية ايضا قضية الصراع الفكري بين الحضارات ومع انها تمتزج برؤيا انسانية واعية مشتركة الهم فإنها تنحو نحو وجدانية وخصوصية هذه الحضارات المتعددة بشعور حي في تركيبة الفرد اجتماعيا وثقافيا. فالمتحف هنا وسيلة للانطلاق ومناقشة قائمة بين الماضي والحاضر وحينما يستحضر سيف شخصية ابن ماجد البحار الشهير الذي استدل العالم من خلاله الى اكتشافات بحرية كانت اساسا لحضارة الوعي الجمعي فإنه يدرك انه امام تاريخ حافل بالمعطيات الفكرية والجمالية فالحوار بين الماضي ـ ابن ماجد ـ والحاضر ـ سيف ـ هي لعبة متخيلة لكنها منطقية تدور في العقل فالتراث جزء منا لأنه يعيش معنا ويسكننا ونحن في علاقة دائمة معه انه يمتد فينا باشكال مختلفة ومتنوعة ومتباينة, لكن حينما يفقد الانسان هذه الذاكرة الحية والحسية فإنه سيمشي مشلولا اذ لا يستطيع ان يتحرك بما يملكه لكي يطوره ويجدده ويحافظ عليه ابداعيا, والمعروف ان هذه القضية مازالت متوفرة في ذهن الكثير من المهتمين حيث يرى قسم منهم الحفاظ عليه ونقله كما هو كنموذج انساني يحتذى به واخر يرى ان يحدث قطيعة معرفية مع هذا التراث لأنه اصبح بدون وظيفة ـ خاصة ان العالم قد اخذ بالتطور الصناعي والمعرفي والمعلوماتي ـ وازاء هذين الموقفين وقف اخرون بعملية توافقية ما بين الموروث المكتسب والتقدم العلماني بتقديم هذا التراث وقد ساد هذا الاعتقاد في كثير من العروض المسرحية وخاصة عند الطيب الصديقي وقاسم محمد والمنصف السويسي وسعد الله ونوس. والمسرحية جاءت بهذه الدلالات وتحركت ضمن هذا الاطار فاختيار المخرج لهذا الشكل له مدلولات واقعية فخروج الشخصية في تاريخها ومتحفيتها جاء تعبيرا لتجسيد واقع هذه الحكاية واضافة البعد الحي للمناقشة بين الماضي والحاضر مع ديكور واقعي تشكيلي. انها محاولات فردية وشخصية متحمسة لذا اتمنى ان تتم دعوة المهتمين بهذا النشاط من تربويين وفنيين وفنانين لتحديد هوية هذا المسرح الذي هو صمام الامان لحركة مسرحية ناهضة وباحثة عن وجودها. تغطية: مرعي الحليان ظافر جلود
في آخر ايام الشارقة المسرحية ، الفيل يا ملك الزمان حضور للمسرح المدرسي وتداعيات للاهتمام بتأصيله في المتحف عرض جامعي يؤجج الاسئلة في خطاب الحضارات
