يوم جاء جدي في مدخل البيت الرطب الظليل, حيث القمة الخفيفة, وقف (مصطفى) مستنداً بكتفه للحائط الخشن المجاور لشرفته في الدور الاول يتفرج عليهم. كانوا يلعبون الكرة في الحارة الصغيرة المسدودة من جنوبها ببيت قصير مقفل النوافذ, خشية القيظ المشتعل, والشمس القاسية ـ تلك التي تألق الاولاد سابحين فيها وهم يتقافزون. مصطفى يتعجل ان ينتهي هؤلاء الاولاد الكبار من لعبهم, حتى ينقضون هم ـ من في سنه ـ ويحتلون الملعب على الفور. وقدام كل بيت, كان ثمة عدد من الاولاد يتفرجون من مداخل بيوتهم المعتمة الرطبة. والى يساره, كانت الحارة مفتوحة على (شارع مستشفى كتشنر) الواسع المفضى للشارع الآخر, الذي تجري فيه كل العربات المجنونة المسافرة نحو الشمال, والقطارات ـ عبر السور الممتد ـ لا ينقطع صغيرها وجعجعتها. لمح العربة الحنطور تتهادى بطيئة من ناحية المستشفى, وما لبثت ان توقفت امام الحارة بالضبط. كان الحصان الرمادي يتململ في لسعة الشمس, ويهز رقبته هزات قصيرة متلاحقة الى اعلى والى اسفل. هبهط الشيخ معطياً ظهره لمصطفى. راح يلم نفسه, قبل ان يستدير ويواجهه بلحيته البيضاء بلون اللبن وطربوشه الاحمر يتلألأ بين طيات الشال الابيض الناصع, تمهل معلقاً عصاته الداكنة على رسغه, وهو يعدل من وضع الاكياس الثلاثة التي احتضنها, ومضى يخب في القفطان الواسع السابغ. تلفت حوله وبدا خائفا, حين كاد ان يصطدم باللاعبين, في الحارة التي كان عليه ان يقطعها, حتى يصل الى الجانب الآخر, وهو يحاول المحافظة على اكياسه بين ذراعيه, بينما عصاه المعلقة تهتز مرتفعة عن الارض. كان مصطفى قد اعتدل, وابتعد خطوات عن مدخل البيت ثم تسمر في وقفته. جدي الشيخ (هاشم) .. هو بعينه جدى الشيخ (هاشم) ... هكذا قال مصطفى لنفسه, وهو يجهد في تذكره على نحو غامض. منذ فترة بعيدة, تركنا بيت جدي في (المنصورة) وعدنا الى القاهرة, ثم تنقلنا في بيوت كثيرة كثيرة, قبل ان نسكن هنا بالقرب من القطار. هل تذكرني يا جدي؟... انا اذكرك لما اضحك لك حين ارى وجهك المحمر يبتسم لي. ستفرح امي, وسوف اراها تصيح باكية لما تلقاك. حين وصل الى نهاية, انحرف ناحية الاولاد المتجمعين خلف الحجرين المتباعدين المكونين للمرمى. مال على واحد وراح يشير له بوجهه, ويفتح فمه في الشمس اللاهبة: لوّح له ولد تجاه البيت, فاتخذ طريقه, وهو يغير من وضع الاكياس الثلاثة بين ذراعيه. مر بجوار مصطفى واتجه الى السلم المظلم. سعل واصطدمت عصاه بالارض في خبطات قصيرة متلاحقة. كيف عرفت ياجدي اذن اننا نسكن هنا؟... قال مصطفى... نعم... انت جدي, بالرغم من انك حاذيتني وانت داخل, وانا ابص عليك دون ان تتعرف عليّ. لقد رأيت وجهك المحمر, ولحيتك البيضاء التي احبها تحيط بوجهك هكذا, وملابسك الواسعة مبللة بللا خفيفاً عند رقبتك. لقد تذكرت. هما عامان انقضيا في المدرسة منذ عودتنا من المنصورة, رجعت وانا في سنة ثالثة, والآن انا في خامسة/ثاني. ارتقى مصطفى درجات السلم ركضاً, وانحرف من باب الشقة المظلمة الى الصالة التي تطل عليها الابواب نصف المفتوحة والناس المتصايحون. اطل من باب حجرته, ورأى امه تبكي وتتمتم مختنقة بوجها المختلج. كان يضحك قائلاً بصوته الخشن المبحوح: (ازيك يا بنت يا كريمة... ازيك يا بنت...) قبل ان يوسع لنفسه مكاناً على الكنبة المستندة الى الحائط, والمفروشة بملاءة زرقاء باهتة بالقرب من باب الشقة المفتوح في الدور الارضي. خلع عمامته وانتقى لها مكاناً نظيفاً بجواره, ثم لمح مصطفى فتهلل وجهه وفتح ذراعيه مقهقهاً: (تعال يا شيخ مصطفى... بسم الله ما شاء الله..) خطا اليه الولد خجلاً في البداية, قبل ان يندفع ليتلقاه بين ذراعيه, ويدخله الى صدره, راح يشم رائحة ملابسه النظيفة الداكنة, ودارت رأسه مستسلماً للذراعين المطوقتين لكتفيه. ربت على رأسه وقبله في جبهته صائحاً: (اين (منى) يا شيخ مصطفى... والله كبرت...) كان الولد محاصراً في المسافة الضيقة بين السرير والكنبة, وكان يسمع اصوات اللاعبين تتسلل اليه من الشرفة المفتوحة. بدت له الحجرة ضيقة, وامه قاعدة على الارض بجوار الباب, بعد ان اخرجت الصينية من تحت السرير. كانت ترتدي جلباباً خفيفاً يميل لونه الى البنفسج الفاتح بنصف كم, وتربط رأسها بالمنديل الابيض, ولم يكن ثمة الا مساحة بالغة الضآلة بين السرير والدولاب القابع مجاورا لباب الحجرة, حيث اشعلت وابور السبرتو ووضعت براد الشاي, وهي ترتجف باكية, ثم استندت بظهرها الى الدولاب, وسمعت طقطقة المفاجئة وتركت عيني تتطلعان لها باسمة. قال مصطفى: (ازيك يا جدي.. اوحشتني.. وخالاتي..و خالي ايضاً..) . ضحك الجد قائلاً: (والله كبرت يا شيخ مصطفى.. والبنت (منى).. كبرت مثلك؟...) . رد مصطفى: (سأدخرها لك يا جدي.. حالاً..) . وانفلت منه يكاد يركض, لكن جده زعق: (انتظر يا شيخ.. انتظر..) . ادخل يده في كيس بجواره, واخرج الموزة الغضة الصفراء, وتدفقت رائحة عذبة ملأت الحجرة, استدار مصطفى مرة أخرى قابضاً على الموزة, غير ان الجد عاود الصياح: (الصبر يا شيخ مصطفى ـ الصبر.. على مهلك..) . فتح أزرار القفطان, وضرب يده الى الداخل ليخرج المحفظة الغامقة الجلدية المتغضنة. فردها والتقط ورقة جديدة بعشرة قروش, ثم دسها في يد مصطفى الذي استسلم له. استدار مرة اخرى قابضا على الموزة والورقة بعشرة. لما خرج من الصالة احاطت به القمة, واتجه الى حجرة (أم فاطمة) الخرساء. وهناك وجد الباب مواربا والحجرة خالية. ولكن كيف جئت يا جدي؟ وتذكر مصطفى.. بعد ان مات ابي, جاء جدي وخالي بالعربة الكبيرة المقفلة التي تشبه الفيل, ثم ملأها الحمالون بحاجات بيتنا التي كانت كثيرة جدا: حجرة صالون وحجرة نوم وكل الحاجات الاخرى. ذهبوا بنا الى المنصورة. سكنا معهم وكوموا حاجاتنا في الشقة السفلية الصغيرة. عاد ادراجه, وخطا نحو حجرة (سيد) ابن (ام نجاة) قالت ام نجاة وهي متربعة على الفراش تقطف اعواد الملوخية: (العفاريت فوق عند ام محمد..) . ضمت ساقيها, وشدت جلبابها المنحسر قليلا وابتسمت: (من عندكم يا مصطفى؟..) . اسند كتفه الى الباب ورد: (جدي.. كنت ابحث عن منى..) . وقبل ان يسمع ردها, ارتد على اعقابه خارجا وقفز السلالم, ثم توقف على باب المدخل مع الاولاد الذين يتفرجون. وتذكر مصطفى كيف مر العام الاول من موت ابيه.. لم تهدأ امي لحظة واحدة, كانت زوجة جدي السمراء تزعق فينا ـ انا ومنى اختي ـ كلما رأتنا. كان قلبه يدق, وكان يلهث ولا ياد يميز اللاعبين امامه ولا حوله من الاولاد الاخرين. على انه رأى ولدا يلوح له بالقرب منه. زعق الولد: (فيه واحد شيخ كن يسأل عن امك يا مصطفى..) . قال مصطفى وهو يهز رأسه: (آه.. جدي..) . ووجد نفسه يقطع الحارة مندفعا, ثم عبر شارع كتشنر, وانحرف الى الشارع الرئيسي, حيث السيارات المجنونة المسافرة نحو الشمال, بينما القطارات تصفر وتضج مقرقعة مهدئة من سرعتها على أبواب (محطة مصر) القريبة. كنا نأكل مع امي في حجرتنا وحدنا. فكر مصطفى. ولم أكن أستطيع ان اكلم جدي واضحك معه كما اريد, بل ان خالاتي حين كن يعدن من المدرسة, كانت زوجة جدي تجعلني الزم شقتنا الضيقة المزدحمة التي لم اكن احبها حتى ينتهين من مذاكرتهن. اما منى, فقد خافت من زوجة جدي وبقيت مع أمي طوال الوقت. تذكر مصطفى ان عليه ان يبحث عن منى أخته. ولسعته الشمس الحارقة الممتزجة برائحة العادم الدبقة والغبار الثقيل. استدار مرة اخرى وعاود الركض. قال.. لم ينقض هذا العام يا جدي الذي هبطت علينا فيه ـ لا ادري كيف ـ الا وعدنا الى القاهرة. كيف عرفت يا جدي بيتنا اذن؟.. ونحن قد سكنا في بيوت كثيرة كثيرة قبل ان نستقر من هذه الحجرة التي في (عطفة عبدالرحمن خليل) . الفى نفسه يصعد السلالم ويدلف الى باب الشقة. في الصالة, تناهى اليه صوت الجد الخشن حلوا, يقول لامه: (اسمعي كلامي.. انا عارف مصلحتك..) . كان صوت أمه مختنقا تماما حتى انه اقترب برأسه قليلا ليتبين بالضبط ما يجري وكان خائفاً. سمع أمه ترد: (والعيال؟..) تمهل قائلاً: (الرجل موافق عليك وعلى عيالك..) . زعقت الأم منهية الكلام بوقوفها فجأة: (كان من الأول لو كنت عايزة.. رجل غريب على عيالي.. لا.. رجل غريب على عيالي..) . سمع جده يغمغم ويهز رأسه, لكن الام ردت تقاطعه: (أنا لم أطلب حاجة منكم.. ولا من غيركم..) . رأى جده مغمورا بضوء الشرفة المحبوس, مقرفصا على الكنبة بقفطانه القطني المخطط بخطوط طولية فاتحة, وبجواره قفطانه الخارجي مرتبا ونظيفا, بالقرب من أكياسه الورقية الثلاثة. كان جده لا ينظر الى امه وهو يكلمها وظهرها للسرير بعيدة عنه. والتقت عيناه بعينيها ورآهما مغرورقتين ووجهها محمر. اتجه اليها دون ان ينظر الى جده قائلاً: (منى فوق عند ام محمد.. انا طالع لها..) . ثم خرج. قاص وروائي مصري صدرت له المجموعات القصصية التالية: السير في الحديقة ليلا, النجوم العالية, في الظل والشمس, ومن الروايات: نوبة رجوع, رائحة البرتقال, طعم الحريق, الروض العاطر يعمل محررا في اسبوعية اخبار الأدب القاهرية.