شهد جمهور ايام الشارقة المسرحية بالأمس عرضين مسرحيين, الاول بعنوان (اخر ليلة باردة) لمسرح دبا الحصن تأليف باسمة يونس واخراج حسين محمود, والثاني لفرقة مسرح الشباب القومي للفنون بعنوان (ما كان لأحمد بنت سليمان) تأليف واخراج ناجي الحاي, وقبل الدخول في تفاصيل هذين العرضين, تجدر الاشارة بموضوعة تخص مسرح دبا الحصن الذي حضر الى مسابقة ايام الشارقة المسرحية اسما وغاب عنها بأعضائه, حيث نقرأ في كتيب عرض (اخر ليلة باردة) ان فرقة مسرح دبا الحصن تتكون من ثلاثين عضوا فيما لم يقدم لنا العرض أحد منهم, وهذا سؤال يوجه الى ادارة الفرقة نفسها التي استعانت بمخرج ومؤلف وممثلتان من خارج الفرقة, فيما اختفى اعضاء فرقة المسرح الاساسيون خلف الكواليس! ونقول لادارة الفرقة ان الدعم الذي ترصده دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة سنويا لتنشيط الفرق المسرحية يتوجب ان يستثمر في صورته الصحيحة وان المجيء الى ايام الشارقة المسرحية ليس بغرض نيل الجوائز بقدر ما هو تفعيل وتنشيط وابراز طاقات اعضاء الفرقة, وفي ظل وجود مخرج متميز مثل حسين محمود شاهدنا له اعمالا جيدة مع فرقة مسرح كلباء الشعبي في السنوات السابقة كان يمكن استغلال تواجده مع الفرقة لبث الحرارة المسرحية في دماء اعضاء الفرقة الذين ـ بلا شك ـ هم متعطشون لهذا الفعل الذي ارتبطوا من اجله بفرقة المسرح.. فكيف فكرت ادارة مسرح دبا الحصن وهي تستقدم منتخبا من العاملين من خارج الفرقة وتترك عناصرها الاصليين خارج اللعبة تماما؟ في عرض (اخر ليلة باردة) قدمت الكاتبة باسمة يونس نصا مسرحيا مترابطا يتناول قضية هامة تعاني منها المرأة في مجتمع مازال ينوء باشكالاته النفسية التي تغلغلت الى ثناياه فاصبحت مبادئا واطرا للتعاملات الانسانية. اختان احداهما عانس والاخرى مقعدة, معاقة سجنها الكرسي المتحرك وثوب زفافها, وفي ليلة انتظار العريس يبدأ النص في سرد لعبته مرسلا اشارته التي ارادتها المؤلفة لتعبر عن هذا الواقع الذي تعيش فيه العانس حبيسة معاناتها مع الوحدة والواقع الاخر الذي يجعل انسانة معاقة تحرم من ان تكون زوجة كبقية الزوجات, تتداعى احداث العرض لنكتشف مسارات الغيرة بين الاختين, الاولى تتهيأ للزفاف على كرسي المعاقين والاخرى تدرك انها ستقضي اشد الليالي برودة ووحدة حينما تغادر اختها. على كرسيها المتحرك.. في ظل هذه الثنائية النفسية المتناقضة يفاجئنا النص ان الاحداث السردية هي مجرد لعبة ذكية من الاخت العانس لتعالج بها اعاقة اختها, تهددها بالسكين فتقف الثانية متخلصة من كرسيها, لتخبرها ان الذي حدث هو وصية طبيب قال لها ان اختها المقعدة بحاجة الى صدمة نفسية حتى تتخلص من اعاقتها, تذهب الاخت الى ليلة زفافها فيما تبقى العانس حبيسة الوحدة.. الى هنا يكون النص قد ادى مهمته, لكن كيف ترجمت الممثلتان حوارات وصراعات النص وخطابه النفسي, وكيف تعامل المخرج مع هذا الطقس الذي يفرضه النص هو الذي يدعو الى سؤال كبير. ما بدا في العرض هو ممثلتان تجتران كلمات النص بسطحية دون انفعال داخلي, فيما لم تبين الحركة المرسومة تعثر الدلالات والاشارات, لقد تم التعامل مع المستوى الخارجي للغة النص واغفلت الخطوط الداخلية, اغفلت الانفعال, والعذابات التي كانت تحملها كلمات النص, ان الحالة كان يفترض ان تدخل بنا عميقا في جوف الممثلتين وان نكون نحن الجمهور اكثر تورطا في تلك العذابات, لكن ذلك لم يتم بدليل ان الجمهور تعامل مع العرض في شكله الخارجي وبانفعال اقل. ويبقى السؤال قائما كيف وصل هذا العرض الى هذا المستوى, وكيف لم يتحقق له اختراق الطريق بين الخشبة والصالة في ظل وجود ممثلتين بارعتين ونص يحمل حالة انسانية متدفقة ومخرج شاهدنا له اعمالا رائعة في الدورات السابقة؟ اذن لابد وان هناك ظرفا مر به هذا العرض. العكس تماما حدث في العرض الثاني (ما كان لاحمد بنت سليمان) لفرقة مسرح الشباب القومي للفنون حينما تم التعامل مع نص قد نقرأ مفاجآته ونكتشف مسلماته وحلوله واضحة, لكن كيف تم تناوله اخراجيا؟ وكيف استطاع ناجي الحاي ان ينحت حالاته المتدفقة في اجساد ممثليه وارواحهم ليجعل النص حيا امامنا؟ تلك اللعبة التي قدمها لنا ابطال العمل برفقة مخرج يدرك تماما كيف يلج الى مشاهده ومن اين؟ موهبة مقتحمة, ذو خيال خصب, متعدد الرؤيا تلك التي تميز الفنان ناجي الحاي عن غيره.. وهذه الموهبة المنفلتة الى الزمن الغائر في الوعي الجمعي تفجرت امس فكان مكتشفا ابداعيا ثريا اغنى ايامنا المسرحية بكثير من التفاؤل لتأصيل مسرح ينطلق الى الابعاد الجمالية ويؤسس مفهوما حقيقيا لاختيار ـ النص ـ المكان ـ الممثلين ـ الحادثة ـ التي تنتهي الى تقديم فرجة مسرحية صارمة المعالم متوغلة في الذات وحارثة في الذاكرة وسابحة في فضاء سينوغرافي الذي كان في لحمة واقعية مع احداث تصورية تنمي للواقع تجميلا بتتابع مشهدي مؤثر. لقد اختار ناجي الحاي نصا مسرحيا مأخوذا من مجموعة روايات في دروماتوجية بالغة الدقة وعكسها لواقع مختلف تماما, مع ان الرؤى تلتقي دائما وتتجسد بالمفاهيم الانسانية باعتبار مسرحية (ما كان لأحمد بنت سليمان) تناولت قضية شائكة في اعرافنا الاجتماعية عبر التفريق في الانجاب بين الولد والبنت, مما منحت العمل بعدا فكريا شموليا لا ينحصر في زاوية معينة بعد استعارة الوحدات التكوينية للحكاية الشعبية ووظائفها وبشكل طقسي فالعرف يقوم على بناء الحكاية بحيث تتوالى وحدات العرض متوافقة وملتحمة في صراع التضاد الانساني بين الرغبة السلطوية المتمثلة (بالاب) والمتصادمة مع ذات الجماعة التي تريد للحقيقة ان تستمر. وتشابك احداث العرض تبدأ من النهاية وتنتهي عند النهاية ايضا باحياء سلطوي ظاهري وعذابات نفسية قاهرة تقتحم موزة ـ المرأة ـ التي يحكمها القدر لانجاب ولد لزوجها (سليمان) فهي تتوسل السحرة والشعوذة اقترابا بطقوس دينية لتحقيق ذلك لكن قدرها كان قاسيا فهي بعد ست فتيات تنظر الفتاة السابعة, وازاء هذا الموقف يتلبس سليمان لعبة شيطانية ويحيل هذه الفتاة الى فتى كضرورة لاقناع العالم برجولته, الفتاة تدخل معاناة البحث عن الرجولة في عالم جسدي انثوي لكنها تعود بالتالي الى غريزتها ومشاعرها كامرأة فتهرب الى عالم مجهول بعد ضعف سلطة القرار. وطبيعي هناك احداث مترابطة تدعم مركزية الحدث الرئيسي فنحن نعيش مع عائلة سليمان المعذبة تحيطها جذور عائلية مركبة ومجتمع مغلق محكم بتقاليده المعروفة. ان مكان العرض هو البطل الحقيقي في اغلب احداث هذا العرض المدهش بصريا حيث تتركب الانساق المكانية في مثل هذه العروض عبر ثنائيات المكان المغلق والمكان المفتوح والمكان الواقعي والمكان المتخيل والمكان الحاضر والغائب معا بحيث يؤدي احساس الشخصية بالمكان وظيفة تكوينية فتحولات الشخصيات هي تحولات مكانية اساسية فهما ينتقلان عبر نثر الذاكرة وتفجيرها في وحدات متشظية والتجوال في امكنة متعددة ساكنة في الذاكرة بحيث تكتسب الشخصية من خلال المكان واقعا خاصا. وهكذا وعبر هذه الثنائيات يكون العرض عالمه المركب فهو يستحضر الماضي ليؤطر به مكانه الخيالي القائم على تمازج الافكار وتداخل الاشكال خاصة في هذه الترنيمات التي دفعت بالعرض الى التوهج والتوقد روحانية وجسديا فالزمن المسرحي عند ناجي الحاي يتركب عبر اليات مغايرة دون اتصال مادي كالشخصية والموقف والمكان وانما عنصر بنائي ليتخلل تلك الشخصيات ويؤطرها بحيث تكتسب دلالاتها من خلال وجودها الزمني في نسق من العلاقات بين المتلقي والحاضر. ولعل دهشة المكان واستغلاله بتوظيفه دلالية مؤثرة غطت على هنات النص الذي فيما يبدو بحاجة الى نمو في شبكة هذه العلاقات الشخصية.. حيث اننا لا نجد نموا واضحا في الشخصية بقدر ما ان هناك بعدا اجتماعيا يحرك نوازعها. وقبل ان اختم موضوعي كان لابد ان اقف عند مجموعة الممثلين المجسدين لهذه الاحداث بصدق فكان حبيب غلوم رائعا في الوصول الى مفاتيح شخصيته ـ قاسيا بل ومدمرا ـ وناجحا, بدرية احمد فاضت بمشاعرها الانسانية, انها المرأة المغلوبة بقدرها, عبدالله صالح (خروشان) نكهة العرض والحديث القادم عبر الامواج, مريم سلطان حضور بارز لمعاناة امرأة مسحوقة, سعيد سالم كوميديا مسحت العرض بشفافية, حميد سمبيج طاقة هائلة من التعبير الفكري والجسدي انه ازدواج متناقض استطاع ان يقف عنده محللا وواعيا. ملاك امرأة من نوع اخر بدور متقن, محسن صالح وناجي خميس شخصيتان مؤثرتان بالعرض منحانا بعدا اجتماعيا. اخيرا يسرا وجه جديد بدور كبير وتجسيد حي جاء برغم فطرته. الموسيقى مؤثرة اطرت العمل بروح طقسية, الاضاءة لم تفعل تأثيرها, السينوغرافيا قائمة في ابعادها الجمالية للمكان. تغطية: مرعي الحليان ظافر جلود

