اسكندرية مارية ومرية نعم (اسكندرية مارية وترابها زعفران) , هذا ما ظللت اردده في نفسي, وانا عائد إلى منزلي من السهرة التي قضيتها مع احمد حجازي واحمد الحليمي وعلي اوملل في بيت حجازي, انسانا حديث الاسكندرية حديث الشعر, واستغرقنا في شرح دلالات المثل المقترن بالمدينة التي احبها حبي لأبي المولود فيها والذي ظل يعشقها إلى يوم رحيله عن الدنيا, ولعله يزورها بروحه كلما اشتاق إلى مرابع صباه البعيد فيها, وقلت لنفسي: قد يكون صديقنا الروائي الكبير ادوار الخراط أقرب إلى نطق كلمة (مارية) بما ينبىء عن اصلها المسيحي الذي يقترن بمريم البتول, ام المسيح, ماريا أو مريم أو ماري التي تحيط باسمها دلالات البركة والرحمة والنعمة والفرحة والامان, وقد حدثني ادوار, ذات مرة, قائلا: ان جملة (اسكندرية مارية) تحمل معنى القداسة بالتأكيد, اما لان كلمة (مارية) تشير إلى مارية (مريم) أم المسيح عليه السلام, واما لان الكلمة مأخوذة من كلمة (مار) القبطية التي تعني القديس, مثل (مار جرجس) أو غيره من المارات أو القديسين, وسواء كانت الكلمة من مريم أو القديس فان دلالة القداسة تظل عالقة بالمدينة التي اكتسبت مكانة دينية في تاريخ الديانة المسيحية. وسواء صح تفسير ادوار الخراط أو لم يصح فالمؤكد ان عشقه لمدينة الاسكندرية, مربع صباه, فضلا عن حنينه الروحي اليها, هما اللذان دفعا به إلى جعلها فضاء للعديد من قصصه ورواياته, ابتداء من عنوان مجموعة (ترابها زعفران) الذي يحمل ـ ضمن دلالاته العديدة, دلالة العودة إلى الرحم, الارض, الام, الاصل, المنبع, الهوية الاولى, حيث الفرحة التي تقترن بالنعمة والبركة والحنان الذي لا يفارق صدر مريم أو مارية أو ماري أو ميري الحنون. ولكن ما الذي يمنع ان يكون هذا المعنى قد سار جنبا إلى جنب معنى اخر, ليس له علاقة بالاصل المسيحي أو حتى الاصل القبطي, وان كان يلتقي معهما في النهاية حول حذر دلالة الخير والفرحة التي لا تفارق معنى البركة والنعمة والرحمة والوفرة والامن, واذا كنت ذكرت, في الاستراحة السابقة, احتمال الصلة بين عبارة (اسكندرية مرية) ومعنى كلمة (الميرة) التي تؤدي دلالة المؤونة, فان هذا الاحتمال يعززه ارتباط كلمة (الميرة) نفسها, من حيث اشتقاقها اللغوي, بفعل (المَرْي) (بفتح الميم وسكون الراء), وهو مسح ضرْع الناقة لتدر, ومنه قول العرب: مَرَى الناقة مَرْيا: مسح ضرعها للدّرة, والاسم المِرْية (بكسر الميم وسكون الراء), وهي الناقة التي تدر على من يمسح ضروعها, وقيل: هي الناقة الكثيرة اللبن, وعلى ذلك قولهم مارى فلان فلانا استخرج ما عنده, والناقة المَرِيْة (بفتح الميم وكسر الراء) هي الناقة التي تحلب على غير ولد, ولا تدر لبنها على غير ولدها إذا ولدت, فهي مرية ومعها ولدها وجمعها مرايا. والعلاقة وثيقة بين معنى الفعل (مري يمري) ومعنى (المرية) في هذا السياق, فالفعل يشير إلى استخراج ما يغدو مؤونة, وإلى الاستدرار, وإلى المرور, وإلى التدفق وجري السوائل, ولذلك نقرأ في (لسان العرب) ما يذكره عن أقوال العرب من جمل مثل: مرى الشيء وامتراه, أي استخرجه, والريح تمري بالسحاب وتمتريه, أي تستخرجه وتستدره, ومرت الريح السحاب إذا انزلت منه المطر, والمَرِية: الناقة الغزيرة الدر من المري, وفي حديث الاحنف: وساق معه ناقة مرية, وغير بعيد عن ذلك قولنا (هنيئا مرياً) عوضاً عن (هنيئا مريئا) , بالهمزة, وهي عبارة تتصل فيها دلالة كلمة (المريئة) بدلالة (المراءة) التي هي اطيب الطعام والمقام, فقولنا (هنيئا مريئا) على سبيل تمني طيب الطعام هو التعبير الموازي لقول العرب (أرض مريئة) اي أرض طيبة حسنة الهواء. وسواء كانت العبارة الاسكندرية مارية (من مريم العذراء) أو الاسكندرية مرية (من الناقة الغزيرة اللبن) فان ايا من الاحتمالين الدلاليين لا يتعارض مع قرينه, فالمعنى الروحي المرتبط بالبتول الحنون لا يفارق المعنى الروحي المحيط بكلمة (مار) أو القديس أو القديسة. وكلا المعنيين بمثابة الوجه الاخر للمعنى المادي المرتبط بغزارة اللبن الذي تدره الناقة التي تحنو على ولدها, ولا تمنح لبنها لغير هذا الولد, واحسب ان هذا التجاوب هو ما يجعل اهل الاسكندرية ينطقون المثل الدال على خير بلدهم وحنانه مرة باشباع الفتحة التي تغدو ألفا في قولهم (اسكندرية مارية) , ومرة ثانية بتخفيف الشدّة على حرف الراء في قولهم (اسكندرية مَرِية) على سبيل الاشارة إلى بلدهم الذي يدر عليهم الخير كما يدر ضرع الناقة اللبن على ابنائها الذين يجدون في ضرعها وافر الغذاء وعظيم الحنان, واحسب ان اللغة العربية نفسها قد التقطت هذا التجاوب الدلالي في ميراثها القديم, ودليل ذلك ما هو مذكور في المعاجم القديمة من أن (المارية) هي مؤنث الماري, وهو ولد البقرة الاملس الابيض, والمارية البقرة ذات الولد الماري, وانا لا استطيع ان اعبر على صفة (المارية) دون ان تخطر على بالي صفة الامومة التي لا تفارق دلالة الحنان والرحمة والبركة والنعمة والروحانية المتجسدة في صورة مريم العذراء تحتضن ابنها. ومن يدري؟ لعل بعض هذه الدلالات كانت تدور في خاطر مقوقس مصر عندما ارسل هديته إلى نبينا الكريم, وكان منها مارية القبطية التي حملت اسم العذراء البتول التي اقترن اسمها بالعطاء, تماما كما اقترن اسم الاسكندرية بالخير العميم الذي تفيضه على ابنائها الذين تمنحهم خير بحرها الذي انفتحت به قديما على خيرات العالم, كما تمنحهم خير ارضها بترابها الزعفران الذي يؤدي معنى الخير نفسه. ولعل اختلاط معاني الخير والحنو والبركة والنعمة بمعاني الاسكندرية في اذهان ابنائها الذين يحبونها كل الحب, ويجدون في ترابها وبحرها كل ما يؤكد فيهم مشاعر الوفاء والامتنان, هو ما دفع هؤلاء الابناء إلى تذكر الاسكندرية والتذكير بها في غدوهم وترحالهم, وإلى الحنين اليها كلما غابوا عنها, بل كلما رأوا بحرا غير بحرها, وشاطئا غير شاطئها, كأنهم تجليات لانهائية من ذلك العاشق الذي وصفه ابوتمام الشاعر بأنه مهما نقل فؤاده حيث شاء من الهوى, ومهما تباعدت به النوى, فانه يظل على حبه للحبيب الاول الذي لا يعرف سواه حبيبا ابديا, واسكندرية المارية والمرية هي الحب الاول لكل ابنائها, تماما كما كانت بترابها الزعفران الحب الذي ظل يتشوق اليه الشاعر القديم ابوبكر احمد بن محمد الذي ساقته الاسفار إلى ساحل بحر عدن, فقاده بحر عدن إلى تذكر بحر الاسكندرية الذي اعاده, بدوره إلى حبيبه بها, فقال مرتجلا: يا راقد الليل بالاسكندرية لي من يسهر الليل, وجْدا بي, واسهره ألاحظ النجم تذكارا لرؤيته وإن مَرَى دمع أجفاني تذكره وأنظر البدر مرتاحا لرؤيته لعل عين الذي اهواه تنظره