في اليوم السابع لأيام الشارقة المسرحية قدم مسرح رأس الخيمة الوطني عرضا متميزا لمسرحية (عايشة) تأليف واخراج د. حبيب غلوم ومع عرض مسرحية (الف باء) من اخراج خالد البناي للفرقة ذاتها يكون مسرح رأس الخيمة قد اعاد احياء ذاكرة المتلقي المحلي بعد غياب متوتر ومتباعد, ان هذا المسرح العريق والذي كان يوما ركيزة من ركائز الحراك المسرحي في الدولة وشاهدا على تطورها من خلال تاريخ طويل من الانجازات المسرحية التي قدمتها فرقته سواء في اعضائها القدامى, ام في اعضائها الجدد فإن هذه العودة تجدد القول ان تاريخ هذه الفرقة لا يسمح لها بالموت او الاضمحلال. بهذا ايضا يتقاطع في التصورات نفسها فرقة مسرح الشارقة الوطني التي تعود بالممثل احمد الجسمي وسيف الغانم في صورة غابت عن المتلقي لسنوات طويلة من خلال عرض (حظوظ حنظلة الحنظلي) للراحل سعدالله ونوس واعداد المجموعة واخراج قاسم محمد, هذا العرض الذي تداعت تجلياته من خلال عطاء متدفق من عملاقين في المسرح المحلي يجدد القول بأن سيف الغانم وأحمد الجسمي كممثلين يمتلكان خبرة طويلة في التعامل مع عروض المهرجانات يعودان بشكليهما الجديدين ليؤكدان ان الفنان المسرحي مهما تعددت اساليبه في الدخول الى اللعبة المسرحية يبقى مخزونه كامنا حتى تحركه شعلة الرغبة القوية في احياء الجسد واطلاقه في فضاء الجحيم المسرحي, او جحيم اللعبة. الفرقتان مسرح الشارقة الوطني ومسرح رأس الخيمة الوطني تدخلان الى الدورة العاشرة لأيام الشارقة المسرحية من البوابة الرئيسية بحثا عن ظلام الكواليس ونور الفعل المسرحي النابض, المشتعل. لن نرى سيف الغانم واحمد الجسمي بعد اليوم في ذلك القالب الذي حبسا نفسيهما فيه لعدة سنوات, ولن نرى د. حبيب غلوم. وخالد البناي في ذلك التواهن الذي تتجاذبه لغات مسرحية متباينة, يدخل خالد البناي بعرضه (الف باء) الى خطابه العالي فيها مفرداته وجمله وحلوله الاخراجية كثور الاسئلة, فيما يعمق د. حبيب غلوم مخرجا دلالاته ورموزه في لغة اختزالية صارخة ليعبر بالحالات في بساطتها الشديدة تاركا الحديث للرمز الذي يتبعثر هنا وهناك في فضائه المسرحي باعثا على القراءات المتعددة عند المتلقي, بلا تكلف ولا فذلكات. ان الشجرة التي ارادها د. حبيب غلوم في مسرحية (عايشة) اخذت حيزا كبيرا من العرض لأنها حملت رسالته في احضانها.. يتكسر الرمز ويبنى من جديد في اتصال جديد لتتحول كلمات عايشة الى خلفية يتفلسف امامها الفضاء بمفرداته الصارخة كأوراق الشجرة الحديدية اللامعة وليونتها في الوقت ذاته. ليس هناك رابط بين حظوظ حنظلة الحنظلي ومسرحية عايشة سوى انهما تعيدان اعضاء الفريقين الى اساليب تحتية ابداعية قد غابا عنها لسنوات طويلة, والعودة اكثر فرحا لنا كمتلقين. وقضية عايشة المسرحية هي هذه الوحدة في حياتها انها تتجمد في فوضى سكونية رتيبة تبدأ بوجدان مكسور وتكثف فزعا وخوفا من سطوة وجود, انه عالم الماضي بكل تراكماته وفعله المؤثر في حياتها.. امرأة باحثة عن دفء المكان وتكسير التقليد بوعي فهي المثقفة المدركة والواعية لما يدور حولها.. انها تريد ان تقتحم هذه الشفرات الغارقة بالوعي الجمعي للذاكرة بمفردات ثنائية جميلة هي ترميز واع لتفكير يدرك الاحساس بالاشياء ومناهض للنفس الذواقة الى حضورها الانساني بجدلية ـ الموت والحياة ـ الفرج الحزن ـ الوحدة والعزلة والمشاركة هي دلالات عميقة لأمرأة يجتاحها عذاب الحرمان وتحاصرها الرغبة لاقتحام جذوة الحياة والهروب من الواقع الاليم فهي محيطة. متكلسة تريد ان توقد أملا اخر حتى لو كان في خيالها بالخروج من الضياع والقهر هو ترميز ذكي تحاول البطلة القفز عليه للوصول الى الوعي الذاتي. ويأتي الاخراج محدودا ومستلا في هذا الواقع انه يكشف الرؤية التشكيلية فالاضاءة الخافتة وبامكانياتها التعبيرية فيها كثير من التكثيف النفسي لأعماق عايشة فهي تتجذر وتطور علاقة مع المكان عبر الشجرة التي خرجت من بعدها النباتي يثير علاقة جميلة بين المرأة والطبيعة كملاذ اخير تجده عايشة للخروج من عزلتها المفروضة عليها.. انها تدخل محرمات كثيرة تتصارع مع قوى مؤثرة مالكة سطوتها وسالبة حقوقها. المسرحية بمقصدها تطرح قضية في غاية الاهمية انها في تداخل حركي قائم على حرث الذاكرة فكانت العناصر متناقضة احيانا وخاصة في توظيف خيال الظل اي ان معنى الدلالة لم يوظف ليمنحنا هذه العزلة. الفنانة عائشة عبدالرحمن كانت في اجتهاد لتحقيق هذا التواصل المبني على رؤيا فكرية عميقة واختلاجات نفسية حادة. وفي عرض مسرحية حظوظ حنظلة الحنظلي لفرقة مسرح الشارقة الوطني نجد انفسنا امام لوحة كولاجية تعبيرية هي نتاج الثقافة البصرية والحس المسرحي لثلاثة من ابرز فناني المسرح في الدولة قاسم محمد, احمد الجسمي, سيف الغانم, انهم تكوين قائم وورشة معملية منقحة فتمكنا من اغراء الجميع بقناعة الصورة التي استحوذت على العين واخترقت حاسة الذهن واصبحت اداة جوهرية للتفاعل تصاعديا مع احداث ممسرحة لا تدخل في اندماج كلي بل توظيفا لتطوير خطاب بصري عقلي بفضاء تمثيلي اثبت فيه الفعل المسرحي قدرته على مواجهة الحداثة بالحداثة.. لذلك تركوا قوالب المسرح المعروفة واستخدموا ادوات ممسرحة جديدة تعدم الواقع وتفكك الركب محطمة نموذج الشخصية بمعناها المعروف ـ بطولة مطلقة وأدوار هامشية وتطيح بالحبكة لكنها تنمي الحدث في زمان ومكان معينين. ولعل اتكاء الاعداد على مسرحية الكاتب الراحل سعد الله ونوس جاء من باب الوفاء لرجل أغنى التجربة المسرحية بكثير من الاضاءات الكاشفة فإن مسرحية حظوظ حنظلة قد وظفت لنفسها تأليفا جديدا بخروج من عباءة النص الاصلي الى فضاء اوسع في (دراماتوجية) مفسرة وواضحة تأخذ من الانسان وسيلة لمحاكاة قيم عليا.. انها التصاق بوعي فطري ينطلق في مسرح يولد وعيا.. انسحاق الانسان وغربته هي نتيجة حتمية للضياع في عصر مهمش غرائبي بعد ان صرف الناس عن الاهتمام بقضاياهم المصيرية والهائم باشياء جانبية انها مسرحية تدعونا الى تغيير القدر الراهن في اطار فني بالغ. فالذي نشاهده ممكن ان يحدث لي وللآخرين ان اللعبة المسرحية هي واقع وهنا تأتي الاشارات والدلالات دون ان يتدخل الممثل انها في سياق الوعي الجمعي فهي عملية التواصل والتفاعل بكثير من العقلانية وتفجير الطاقات الكامنة عند الفرد فالقضية المطروحة ليست شكلانية بقدر ما هي قضية مضمون, انها تجربة حية ينبغي استعادة حضورها المتوتر لتحديد نقاط التلاقي بين ما كان وبين ما هو كائن بهدف استخلاص العبر والدلالات فالحوار يحتل حيزا هاما لأنه يدعو الى كشف الحقائق والنوعية بها من خلال المتعة والكوميديا معتمدا على اثارة الفكر قبل التسلية ومن ثم المشاركة والامتاع مع المتلقي فهما واعيا مدركا. اخراج حظوظ حنظلة جاء مكملا للرؤيا العامة للفكرة انه ملحمي باستعارة شكلية ولن تعرف الاستفهام بل تذهب الى الذهن الواعي محللة عظمة هذه المعاناة التي تدعو الى المشاركة.. انها تصاعد بياني يتناسب طرديا مع المتلقي والاهم انها تحاكي هذه الشرائح على مختلف مستوياتها الفكرية والاجتماعية. ان الحديث عن مسرحية حظوظ حنظلة تحتاج الى الكثير من التأويل والتفسير لاعتبار أن العرض قبل ان يدخل الدهشة دخل الى المتعة والفائدة. اما التمثيل فاننا وجدنا طاقة هائلة من التعبير الوجداني والاداء الفني التقني عند الممثل انها كتل بشرية مزدوجة ببرمجة واعية في التفاعل مع المتلقي انهما نظامان محسوسان في الوعي في جوف وقدرات وخزين احمد الجسمي وسيف الغانم. تغطية: مرعي الحليان ظافر جلود
في اليوم السابع لأيام الشارقة المسرحية ، عايشة حصار الضمير الجمعي وذكاء التميز ، حظوظ حنظلة الحنظلي تعيد الجسمي والغانم اكثر تألقا
