دون ريفي وقصة توقيع أشهر عقد قصة اشهر مدرب عرفته ملاعب الامارات واشهر مدرب عرفته الكرة البريطانية ولا ابالغ ان قلت انه كان اشهر مدرب في اوروبا آنذاك (دون ريفي) وكيفية انتقاله إلى الإمارات لتدريب منتخب كرة القدم جديرة بالكتابة, حيث كان ذلك في فترة رئاسة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان لاتحاد كرة القدم, وكانت دولة الامارات تخطو خطوات نحو التقدم في جميع المجالات, وكان الاهتمام بالشباب والرياضة يلقى العناية الكبرى حتى وصل إلى اوج مجده وقوته, وكنت آنذاك أمين السر العام للاتحاد وكان مجلس الادارة له طموحاته ويسعى لقفزة نوعية في كرة القدم ونحن في بداية عهدنا, لا ملاعب ولا اندية ولا منشآت عصرية, الا طموح شباب يريد ان يلحق المستقبل. بدأت الفكرة بالسعي إلى الاتفاق مع مدرب عالمي للمنتخب فاتجهت النية إلى المانيا أو بريطانيا, وبمحض الصدفة التقى احد الاخوة برجل اعمال بريطاني ذكر له انه على علاقة جيدة بالخبير (دون ريفي) ويمكنه ترتيب لقاء له مع المسئولين عن كرة القدم بالدولة وهكذا تم.. لكن كيف؟ كلفت من قبل مجلس الادارة انا والصديق احمد سيف بالحصا عضو المجلس باجراء اتصال به على ان يكون ذلك في اضيق الحدود, سافرنا انا والصديق احمد إلى لندن وقبلها إلى المانيا حيث قابلنا هناك سكرتير عام الاتحاد الالماني, وطلبنا منه ترشيح مدرب جيد لنا, لكن عيوننا كانت في بريطانيا على (دون) تركنا المانيا بوعد بلقاء اخر بعد ان رشح لنا عددا من المدربين المعروفين. ذهبنا إلى لندن وقابلنا الوسيط, كان رجل اعمال وعضوا في مجلس ادارة احد الاندية الكبيرة في بريطانيا, واهم ما اتفقنا عليه هو ان يكون الموضوع سريا جدا, حيث ان الصحافة البريطانية لا ترحم وعيونها مسلطة في كل مكان, و(دون) معروف جدا واي خطأ منا قد يوقعنا في اشكالية تعرقل ما جئنا من اجله. كنا عندما نتحدث في التليفون مع الوسيط لا نذكر اسم (دون) بل اطلقنا عليه اسم (الرجل) إلى ان يتم ترتيب لقاء معه, واتفقنا مع الوسيط مبدأيا على قيمة العقد ومدته والشروط الاساسية فيه, بعد ذلك اتفقنا ان نلتقي مع الرجل, حدث ذلك في موقف عام للسيارات في منطقة بعيدة عن لندن هذه المنطقة تسكنها الاغلبية الاسيوية, وحضر الرجل وانا والصديق احمد ننتظره في سيارتنا في الموقف العام, جاءنا متنكرا في لباسه ومظهره, وبعد السلام والتحية دخلنا في الموضوع, وكانت اهم شروط العقد قد انتهت بيننا وبين الوسيط ولم يبق الا الشروط الخاصة به. قال لنا: ان ترك منتخب بريطانيا والذهاب إلى الامارات مغامرة! قلنا هذا صحيح, لكنها مغامرة تستحق المبادرة, قال: انا لم احدث زوجتي بعد ورأيها مهم جدا بالنسبة لي, وقد لا توافق!! قلنا يهمنا موافقتها ونحن مستعدون لاستضافتها وبسرية تامة في الامارات لترى بنفسها اين ستقيم وهل ستكون مرتاحة هناك ام لا؟ ثم قال: اريد ان آتي إلى الامارات دون ضجة اعلامية قبل توقيع العقد بايام لارى مدى امكانية العمل هناك, قبلنا بذلك, تركناه في موقف السيارات وذهبنا إلى الفندق. في صبيحة اليوم التالي اخبرنا الوسيط ان الزوجة وافقت على دعوتها إلى الامارات بشكل سري للتعرف على مكان عمل زوجها, رحبنا بذلك, واتفقنا على اهمية زيارة الزوجة لدولة الامارات فهي المفتاح وبيدها زمام الامور, وجاءت زوجته إلى دبي برفقة سكرتيرته, اكرمناها ووضعنا تحت تصرفها كل ما امكننا, لكن جميع تحركاتها كانت سرية للغاية وكنا نعتقد اننا اذا كسبنا المرأة فقد كسبنا نصف المعركة. وبعد ان قضت عدة ايام في ربوع دبي وارتاحت مما رأت من كرم الضيافة, وحفاوة الاستقبال قبلت الاقامة في الامارات ولم يتبق الا نصف المعركة, وبعد فترة وعن طريق الوسيط جاء (دون ريفي) إلى دبي من مدينة اسيوية بعد ان قضى اجازته الصيفية هناك. وكان متنكرا ومتخفيا ولم يكن أحد في استقباله, مكث في دبي اياما, مع انه كما ذكرت المنشآت لم تكن مكتملة فالرياضة وكرة القدم في بدايتها انما الرجل اعجبه طموحنا واعجبته الدولة التي سوف يعيش فيها. ومن جهة اخرى كان العقد جاهزا ولم يبق الا التوقيع, وتحدثت مع سمو رئيس الاتحاد لتحديد موعد توقيع العقد وهكذا تم!! فوجئت الاوساط الرياضية بتوقيع اشهر عقد بين رئيس اتحاد كرة القدم بدولة الامارات وبين اشهر المدربين في العالم آنذاك, ونقلت وكالات الانباء الخبر من أبوظبي إلى العالم وإلى عشاق كرة القدم. وكانت ردة فعل الاوساط الرياضية في بريطانيا غير راضية, وهاجمت الصحف البريطانية (دون ريفي) وعلقت اغلبها على انه سوف يدرب (الجمال) فالامارات لا توجد فيها كرة قدم, وصور الكاريكاتير كانت ابرزها تشير إلى هذا المعنى. اما التلفزيونات البريطانية فقد اذاعت الخبر على رأس نشرتها اليومية مرفقة بصور توقيع العقد على مدار الساعة. وكانت اهم التعليقات واهم ما أثار استغراب الجميع هو: اولا: السرية التامة التي تم بها العمل ولم يكن للصحف البريطانية المعروفة بعيونها في كل مكان اي علم بالموضوع سواء من قريب أو بعيد, وفوجئت بالخبر الذي اصابها بالدهشة والغيرة, ومن هنا كانت الحملة على (دون) . ثانيا: ان توقيع العقد مع مدرب مثل (دون ريفي) له مكانته العالمية في التدريب ومع منتخب الامارات لم يكن متوقعا, وكانت اكبر صفقة رياضية على المستوى الخليجي وحتى العربي آنذاك. ثالثا: لم يكن احد في بريطانيا يتوقع ان يترك (دون ريفي) منتخب بريطانيا أو حتى الفرق الانجليزية لتدريب منتخب مغمور في دولة ناشئة. ولم يبق لي الا ان اقول ان توقيع العقد مع دون ريفي دخل تاريخ رياضة الامارات وكرة القدم بشكل خاص, ومن اوسع الابواب حيث اتذكر انه عندما اصيب (دون) بمرض وجاء الخبر عبر التلفزيون البريطاني كان مرفقا بفيلم وثائقي عن توقيع عقده مع رئيس اتحاد الامارات لكرة القدم, وعندما جاء خبر وفاته كان ضمن ما نشر عن اهم اعماله في اجهزة الاعلام البريطانية فيلم عن توقيع العقد ذاك. هذه هي قصة (دون ريفي) وعقده الشهير مع اتحاد كرة القدم بالامارات, لقد قام (دون) بتدريب المنتخب واعداده لدورة كأس الخليج في بغداد في عام 1979 واستمر مع الاتحاد إلى ما بعد تصفيات كأس آسيا وفعلا أوصل (دون) المنتخب إلى نهائيات كأس آسيا في الكويت. اخيرا اقول ان هذه الصفقة لم تكن تتم لولا دعم ومساندة قوية من صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم والذي كان متواجدا انذاك في لندن وبارك لنا خطواتنا, وتفهم سمو رئيس الاتحاد الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان لاهمية رفع مستوى كرة القدم ودعمه لمسيرتها في بدايتها بهذه القوة, ولا ننسى ان نذكر وزير التربية والتعليم والشباب آنذاك الدكتور عبدالله عمران الذي كان له دور كبير في انجاح هذه الصفقة.