قدمت فرقة مسرح ام القيوين الوطني ضمن عروض مسابقة ايام الشارقة المسرحية امس مسرحية (الياثوم) تأليف سالم الحتاوي واخراج احمد الانصاري وهما الثنائي نفسه الذي حصد جوائز مسابقة الدورة التاسعة للأيام في العام الماضي, ويؤكد الثنائي هذا من خلال عرض الامس على مضيهما في تبني المسرح الذي هب الى المناخات البيئية والتراثية ليستفيد من اساطيره وحياته وشخوصه بطبيعتهم وانماط تعاطيهم مع الحياة, وفي عرض (الياثوم) الذي قدماه بالامس كان واضحا ارتكاز المؤلف على مسلمة واضحة لا تحتمل الشك والتأويل يدخل اليها سالم الحتاوي كمؤلف في تناول جريء لمنطقة تكاد تكون مغلقة او مسورة وهي علاقة الجن بالانس, او تلبس الجان لبني الانسان يعالجها الحتاوي من منظور ديني بحت, بحيث ينتهي العرض باخراج الجنية التي تسكن الشاب صقر وهو تناول يخضع لمنظور ارسطي وهو نشدان الخلاص للبطل والوصول الى مسألة التطهير التي نادى بها ارسطو حينما وضع خطوطه العريضة للتراجيديا التي تحدث عنها, فيما جاء بعد ذلك برشت ليثور على منطق خلاص البطل وتطهيره معتبرا ان المسرح لا يطرح المسلمات بقدر ما يخلق الاسئلة ويثير الاشكال حول ما يتناوله المسرح على خشبته. المؤلف سالم الحتاوي لم يقدم في هذا النص سؤالا بقدر ما احالنا الى مسلمة تقول ان الجن وتلبسه للانسان وارد وان حله يكمن في الاعتماد على آيات القرآن الكريم, اذن هناك واقعية في تناول هذه القضية وهناك كلاسيكية منطقية لوجود الحل, لهذا لا يحيل النص متفرج العرض الى منطقة الحيرة والسؤال والتفاعل, لكن يحسب للمؤلف الحتاوي الدخول الى هذه المنطقة وتقديمها من خلال نص درامي عالي المستوى فمثل هذه الاطروحات مازالت تشغل فكر وعاطفة الانسان بين مشكك في وجود الجان ومؤمن بهذا الوجود, والامر الذي ينقله لنا الحتاوي في مسلمته تلك تدخل في اطار المسرح الارشادي الذي يقترب من الحالة الارسطية وهذا امر محسوب له طالما انها تحقق فرجة ومتعة في الوقت ذاته.. الا ان الامر يختلف تماما لدى المخرج احمد الانصاري الذي صار يعودنا على جمل اخراجية غير متوقعة حتى وهو يعمل في مساحة نص لا يحتمل التأويل والترميز ولا يحتمل خلق دلالات وتوليدها في تصاعد مستمر, في هذه الارضية الثابتة لمسلمة النص, ينجح الانصاري في تكوين فضائه وتأسيس الحالة التي يضعنا فيها كمتفرجين مستفيدا من توترنا الشعوري من هذا (الجان) الذي يدخل في مخيلتنا فيجعلنا نشك في الهواء الذي يلامس اجسادنا ووجوهنا.. خلق احمد الانصاري فرجته البصرية من خلال ديكورات تراثية حققت مستوى جيدا من الاقناع, فيما كان لتعامله الذكر مع تلك المفردات الديكورية اثرا بالغا في تصعيد احداثه من خلال اداءات ممثلية الذين برعوا في تبني الحالة الشعورية للعرض, تألقت هدى الخطيب بشكل رائع في اداء دوري الام والدور الذي تلبستها فيه الجنية, كذلك الممثل سيف عدران في ادائه المقنع لشخصية صقر المصاب بتلبس الجنية روية, كما كانت لكوميديا الممثل جابر نغموش اشعاع جميل في صالة العرض, فيما قدم سعيد عبيد دورا مميزا في دور المطوح خصيف وكذلك كان الممثل سعيد راشد في دور ضاعن, اما الممثلة آلاء شاكر فقد برعت في اداء شخصية الجنية روية في ادائها الصوتي. حقق المخرج الانصاري فرجة شعبية تواصل معها الجمهور وعايشها رغم مسلمة النص وثبوته على رواية القصة بمراحلها الواقعية الثلاث البداية والعقدة والنهاية الثابتة وغير المفتوحة. ويمكن القول ان جمهور ايام الشارقة المسرحية قد تعايش بالامس مع اجواء المكان والبيئة فعلى الجانب الاخر قاد المخرج عمر غباش الجمهور مشيا على الاقدام الى بيت (شما) الذي يبتعد مسافة كيلو متر واحد تقريبا عن قاعة المهرجان الرئيسية ليجلس الجميع في بيت (شما) منتظرا خروجها, وشما هذه امرأة عجوز تعيش في حي هجره اهلها وجيرانها وبقت (شما) وحيدة تسكن بجانب جيران غرباء جاءوا من خارج البلد, هكذا اراد المؤلف والمخرج عمر غباش في مسرحية (شما) التي قدمتها فرقة المسرح الحديث بالشارقة. وتخرج (شما) من غرفتها ملتفة بعباءتها السوداء تعرج في مشيتها المتثاقلة, حاملة (قفه) قالت انها ذاهبة لشراء بعض حاجياتها من السوق لكنها تفاجأ بالجمهور, انهم ابناؤها وناسها الذين غابوا عنها لسنوات, غابوا وتغيرت ملامحهم وسلوكياتهم, اصبحوا اكثر قطيعة لكل شيء يمت الى ذلك الماضي الذي تمجد فيه (شما) رجاله في صراعهم ضد المستعمر الدخيل وضد ظروفهم الحياتية الصعبة, بقيت شما وحيدة في هذا المكان تحتفظ بصورة رجل تعتز بنخوته وعروبته ورجاله ورجال اخرين من ضمنهم زوجها الذي مات بعيدا عنها تاركا لها كل هذا الرايخ. عمر غباش كمؤلف يحيلنا الى ذاكرة عجوز مازالت شاهدا على تبدل التاريخ وتحول الواقع الى صورة قاتمة ومظلمة وغير مبشرة فهي تحمل في صدرها اعتراضات على سلوكنا وحياتنا واتكاليتنا واعتمادنا على الغير في تسيير ابسط شئوننا الحياتية, ويذكرنا عمر غباش المؤلف بماضينا, بكفاح اجدادنا في مواجهة الاستعمار, في مواجهة الدخيل وتذكرنا ايضا بذلك التلاحم الاجتماعي الذي كان يسود افراد ذلك المجتمع قبل ان تتغير ملامح رجاله.. يرسل عمر غباش كمؤلف وعلى لسان عجوزه (شما) اشارات بالغة الدقة الى واقعنا ويحملنا مسئولية هذا الواقع الذي يدينه. اما عمر غباش المخرج فإنه يضعنا منذ اللحظة الاولى في مأزق حالته المسرحية حينما يجعلنا ضيوفا على بيت (شما) انتشر الجمهور في المساحة الترابية لفضائه المسرحي واكتظ جزء منهم خلف اعمدة البيت, جلسنا ووقف اخرون هنا وهناك ليستمعوا الى ذكريات كثيرة وطويلة عشعشت في صدر (شما) . ومزج عمر غباش حالته المسرحية بين المنودراما في حديث (شما) السردي عن ذكرياتها وبين بريشتية المشاهد التي تخللها دخول ممثليه الاخرين شما الصغيرة, شما الصبية, ابنة شما, زوج شما, بوكتاره, بو محزم, غريبة, باليوز شيخ الانجليز, كل هؤلاء واخرون حضروا في ذاكرة الدقائق الاخيرة من حياة (شما) . لم ينفصل المخرج عمر غباش في معالجته الاخراجية ورسم حركته وتوظيف مشاهده عن ذاكرة (شما) وحالتها النفسية, عن عذاباتها, عن موتها البطيء الذي لم يشعر به الا عندما سقطت فجأة حينما تخيلت ان زوجها المتوفي يزورها في بيتها ليأخذها معه, تبتسم شما ابتسامة الموت, بلا لون, بلا صوت, تودع ببصرها كل اجزاء البيت, المكان, التاريخ, ذاكرتها التي تنثرها في احضان المشاهدين وتسقط (شما) ميتة امام رجل زوجها الذي استحضرته من ذاكرتها. ترابط النص الذي ألفه عمر غباش بفكرته الاخراجية باداءات ممثليه فاطمة الحوسني, حسن رجب, فاطمة جاسم, والطفلتين رشا رأفت وعائشة اسماعيل. وكما اراد (لشما) ان تحرك ما بداخلها اراد لنا ان نجلس صامتين امام هذا الوداع الكبير لكل ما يعتمل في صدرها.. والسؤال الحقيقي الذي قاله المخرج والمؤلف عمر غباش في الندوة التطبيقية للعرض يبقى سؤالا مفجرا للعديد من القضايا الملحة علينا سكان هذا المكان وابناء ذاكرة (شما) هل ماتت فينا شما حقا؟!.
في اليوم السادس لأيام الشارقة المسرحية ، الياثوم يدخل الى عوالم الجان والمخرج يعبر به الى فضاء الفرجة ، شما ذاكرة مشحونة بالابطال ترسل اشارتها لانهزامات الواقع
