سرطان التطبيع مع العدو الاسرائيلي يتمدد في الارض العربية هذه الايام بصورة تدعو للاحباط, الذي لا يبدده سوى التحركات الشعبية في اكثر من مكان لمطاردة التطبيع والمطبعين وفضحهم امام شعوبهم. وليس جديدا ان المفاوض العربي، الذي اهدر كل اوراقه التفاوضية الاستراتيجية على موائد مدريد واوسلو ووادي عربة وشيبردز تاون, وواي وبولينج, لم يعد يملك عمليا الان سوى ورقة التطبيع, وللاسف فان كل الشواهد تشير إلى انه سيتم اهدارها مثلما تم اهدار ما قبلها. وهكذا فوجئنا الاسبوع الماضي بوفد اسرائيلي قيل انه سياحي يدنس التراب اليمني الغالي علينا جميعا كعرب, ورغم ان هذا الوفد لقي ما يستحقه من اهانة وتم طرده شر طردة, الا ان الحقيقة تقول ان باب التطبيع قد تم فتحه ويصعب اغلاقه, لاننا لم نر منذ عام 1977 ان عاصمة عربية اتخذت قرارا بالتطبيع وعدلت عنه رغم كل البشاعات التي ارتكبتها اسرائيل خلال هذه الفترة. ومقابل هذا التراجع في صنعاء فان مثقفي الكويت يتحركون بفعالية هذه الايام لعقد مؤتمر تأسيسي يكون نواة لاول تجمع منظم لمقاومة التطبيع سواء في الكويت أو الخليج عموما, التحرك الكويتي جاء في وقته تماما استباقا لاي ضغوط امريكية لا تتوقف من اجل فرض التطبيع بحجج مختلفة وواهية, تبدأ بأهمية تشجيع حكومة باراك في مواجهة المتطرفين في اسرائيل, وتنتهي بضرورة مسايرة روح العصر والعولمة والكوكبة, وكأن كل ذلك لا يمر الا عبر اسرائيل مرورا بضرورة الاستفادة من الخبرات الاسرائيلية. ولم تعد واشنطن تخفي الان انها تمارس ضغوطا متعددة من اجل فرض التطبيع بين اسرائيل ومن لم يطبع معها حتى الان. كيف نرد على ذلك عربيا؟ الخطوة الكويتية جيدة وهي ترفع شعار (الوقاية خير من العلاج) واعتقد انه بجانب استمرار مناشدة الحكومات المطبعة فرملة هرولتها, فان على كل مثقفي البلدان التي لم تقع بعد في مستنقع التطبيع المسارعة بتشكيل جمعيات وهيئات لمقاومة اي تطبيع محتمل قبل ان (تقع الفاس في الراس) . واذا كان البعض منا تخلى عن الثوابت الوطنية والقومية والاسلامية باعتبارها موضة قديمة, ويسارع في الهرولة باتجاه تل ابيب, فعليه على الاقل ان يفكر بمنطق المصلحة أو حتى بالمنطق الاسرائيلي نفسه, اسرائيل مازالت تحتل الجولان وجنوب لبنان وكل فلسطين بما فيها القدس الشريف, ووزير خارجية باراك يهدد بحرق بلد عربي بأكمله, فلماذا نتبرع بتقديم الخدمات المجانية. هؤلاء المطبعون المكروهون والمعزولون شعبيا, يشنفون آذاننا ليل نهار بمقولات مثل ضرورة ان نصبح براجماتيين وعمليين ونتخلى عن كل ما يمت للعروبة والقومية بصلة لانها بضاعة لم تعد ذات ثمن! لنتفق فرضا انهم على صواب! اذن ماذا قدمت لنا اسرائيل كي نسارع بالارتماء المجاني في احضانها التي اثبتت كل التجارب الواقعية والعملية والنظرية انها احضان مسمومة! واذا كانت بعض الحكومات تتعلل وتتحجج بان ضرورات السياسة تفرض عليها دواء التطبيع المر, فما هي حجج هؤلاء المطبعين في صنعاء أو نواكشوط أو اي عاصمة عربية قد نفاجأ بانها ركبت قطار التطبيع المنطلق بأقصى سرعته؟ المأساة أو الملهاة التي اكتشفناها مؤخرا ان هؤلاء اصحاب مقولات البراجماتية آخر وافشل من يفهم حقيقة هذا المصطلح وانهم اشتروا الترماي الاسرائيلي! عماد الدين حسين