قليل من الفلسفة صحيح.. قليل من الفلسفة يصلح التفكير, حتى ولو كان تفكيرا في سطور (استراحة) كم تعود المرء أن يأنس اليها ويلقي مراسيه عند مرافئها كي ينعم, ولو في نطاق مساحتها المحدودة, بقدر من النجوي مع القارئ أو مع النفس أو مع كليهما في آن. ولكن كيف ينعم المرء براحة وقد أحاطته من كل حدب وصوب أنباء لاتسر عدوا أو حبيبا. ها أنت تطالع خبر العشرات من البشر, ومنهم أطفال كثر ونساء (78 طفلا حتى الآن) وقد لاقوا حتقهم.. اختيار أو انتحار في آخر (حفلة) انتحار جماعي شهدته أوغندا منذ أيام قلائل. ولقد كانت مثل هذه الأخبار المؤسفة جديرة بأن تمر في الحياة وفي الخاطر مثل غيرها أو سابقاتها من معلومات وأنباء تموج بها خريطة عالمنا الشديد الفوران.. لولا رياح الفلسفة التي أبت إلا أن تهب على الحياة والخاطر ونحن نتهيأ كي نكتب هذه السطور.. قبلها كنا نقرأ عن مذهب أو رؤية أو تيار فكري يمكن تلخيصه في عبارة واحدة هي: (التدهور التاريخي) بمعنى أن الانسانية أعانها الله على أمرها سائرة أو صائرة إلى حيث تتدهور حياتها وتنضب مواردها وتتخلل منظومات القيم والأعراف والتقاليد التي تعيش عليها, ومن ثم فالانسانية ينتظرها مستقبل حافل بالوعيد يومىء بالنذير حيث تشتد إلى درجة الخطورة آثار المعايب البدنية والنفسانية والأخلاقية التي فطر الانسان عليها, فاذا بالموازين تختل والنواميس يتم اختراقها وبشريعة الغاب تسود واذا بالانسان يرد إلى أسفل سافلين.. وهو ما ذهب اليه مفكرون وفلاسفة كثيرون أطلوا على حياة البشر وكسبهم من منظور التشاؤم وعدم الثقة وكان منهم الانجليزي هربرت سبنير (صاحب مقولة دوام الصراع الشرس حيث البقاء للأصلح وهو الأقوى والأغنى والأوفر عافية وربما الأشد جبروتا) وكان منهم الفرنسي فيريل الذي نعى على البشر انحلال مجتمعاتهم ومنهم أيضا الألماني نيتشه الذي رفض أن يفسح مكانا في المجتمع المنشود للمرضى والمستضعفين. ولقد نتساءل: من باب التفلسف أيضا: ما الذي يدفع رهطا من البشر إلى الانتحار الجماعي وبصورة ما أشد بشاعتها وهي الموت احتراقا.. يستوي في ذلك جماعة ديفيد كوريشن في أمريكا وجماعة الوصايا العشر في غربي أوغندا؟ تقول السيدة أنا بورنيللو مراسلة الواشنطن بوست ان جماعة أوغندا تأسست في أواخر الثمانينات وضمت عددا من الرهبان والراهبات الخارجين على أعراف مؤسساتهم الدينية وأنهم طالما بشروا بأن نهاية العالم ستكون في سنة 2000 بل وحددوا تاريخا بعينه لتلك النهاية التي توقعوها وهو يوم 17 مارس الماضي.. نعم الماضي بحمد الله ومنته. وفي ضوء هذه الدقة في تحديد نزول الستار على كوكب الأرض وأهله, خف أعضاء الجماعة الأوغندية إلى التخطيط بنفس الدقة لاستقبالهم النهاية الموعودة. وباعوا ممتلكاتهم بأبخس الأسعار, وأبلغوا أهلهم وذويهم أنهم ذاهبون إلى الأبد في الموعد الذي حددوه, ثم جمعوا صفوفهم وبلغ حجمهم نحو 400 فرد ضمتهم مزرعة كنيسة.. وأشعلوا في أنفسهم النيران. كانت هذه الجماعة بعيدة عن رصد أجهزة الأمن المختصة في أوغندا.. لم يبدر منها أي سلوك يحض على العنف ولا حتى يبعث على أي قدر من الاستهجان أو حتى الاستغراب العكس هو الصحيح. كانت الجماعة مسجلة بوصفها واحدة من المنظمات الأهلية ذات النفع العام وغير القاصدة للربح (توصف بأنها منظمات غير حكومية في ادبيات الأمم المتحدة) وكانت تتلقى تبرعات سخية من أقطار شتى في العالم ما بين استراليا إلى ايطاليا وزاد حجم عضويتها لتضم أكثر من أربعة آلاف عضو واتضح أن جوهر تعاليمها إن صح أن تسمى كذلك هي تبشيرها بأن ثمة نهاية قريبة للعالم. وليس لنا أن نستعجل الأحكام فنرد مثل هذه التصرفات إلى التخلف أو إلى الفقر أو الاحباط الى روح عصرنا التي انتابها التوتر الشديد. إن حكاية (نهاية العالم) لها بداية في تاريخ البشر الشفاهي والمسجل المكتوب ولكن لم يوضع لها ختام بعد.. تكاد تكون فكرا مشاعا بين الناس, يستوي في ذلك أهل الثراء والفقر.. المتخلفون والمتقدمون, أبناء المجتمعات التي نعمت بانجازات شتى في مضمار العلم والتكنولوجيا, والمجتمعات التي مازالت في حالة تهميش من حيث التقدم العلمي أو السبق التكنولوجي. نكتب هذه الكلمات وأمامنا إمعانا في التفلسف كتاب هام جدا وطريف جدا عكف فيه مؤلفه وهو الكاتب الأمريكي لويس لافام على تصنيف وتدوين المقولات التي توقعت (يوم القيامة) عبر التاريخ الانساني والكتاب عنوانه (نهاية العالم) وقد أورد المؤلف في نهايته جدولا يشمل النبوءات التي انذرت عباد الله بالنهاية.. ابتداء من زرادشت الذي عاش في القرن السادس عشر قبل الميلاد وقال ان النهاية موشكة على الحدوث (مضى على قوله هذا, بداهة ثلاثة وخمسمائة سنة وفي هذا تأخير ليس بالهين ولا باليسير) ومنهم أيضا ويا للغرابة كريستوفر كولومبس البحار الذي سافر من جنوه واكتشف سواحل أمريكا الكاريبية وقد مات كولومبس عام 1506 وكان قد (اجتهد) بأن العالم سوف ينتهي في عام 1650 على وجه الدقة والتحديد. ومنهم أيضا تشارلس رسل (مؤسسة طائفة شهود يهوا) الذي مات عام 1916 ولكنه تنبأ بنهاية العالم عام 1914 (ولعله كان في حال من الارتياع والهلع ازاء ما عايشه أيامها من اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وقد أسماها القوم وقتها بالحرب العظمى وسارت ركبانهم وقتها أيضا بفظائعها ومغارمها وأتونها ويعلم الله ان كانت حرب 1914 مجرد تجربة بسيطة.. بروفة ساذجة إن شئت لبعض ما يجري في زماننا الراهن من حروب.. محلية وليست عالمية (تأمل ما حاق بالبشر من مذابح وشرور ودمار في كمبوديا أو رواندا أو البوسنة أو كوسوفو أو الشيشان) أما عمدة المنجمين الذي كثيرا ما يحيل اليه أهل الصنعة في بلادنا وفي الغرب واسمه نوستراداموس (توفي عام 1566) فقد اختار لنبوءته حيزا زمنيا أطول أجلا ربما من باب الاحتياط. قال السيد المذكور أعلاه ان بداية النهاية للعالم ستحل في عام 1827 و لكن الفصل الختامي لن يحل إلا بوصول ما وصفه نوستراداموس بأنه حلول (ملك الرعب) في العالم وحدد المنجم الشاطر تاريخ هذا الوصول بأنه شهر يوليو من عام 1999. ولسوف تظل آلة التنجيم دوارة بغير انقطاع ولكنه دوران بغير طحن ولا جدوى يفيد منها الناس, اللهم إلا أن يولد المزيد من طوائف المحبطين والمنتحرين والمدمرين وأنت تطل على هذا كله.. فإذا بك تلوذ بظلال أمن وأرض حين تستدعي الى الخاطر ما نادي به الأثر الشريف في عقيدتنا من دعوة الانسان إلى أن يغرس فسيلة في يده تصير شجرة بإذن الله. حتى ولو كان ذلك يوم أن تقوم الساعة. ومن الناس من يستغل ماكتبته التنبؤات هذه لكي يحقق مآربه من الشهرة واتساع الصيت ومن الناس من يؤمن بيقين أن كذب المنجمون ولو صدقوا وان الساعة يظل علمها عند علام الغيوب. ومن الناس, فوق هذا الايمان, من يستغل حكايات نهايات العالم لكي يمارس شيئا من الفلسفة كما فعلنا نحن منذ بداية هذه السطور.