أصابعنا الصغيرة تحرّك النجوم البعيدة عجيبة هذه الحياة. وأعجب منها نحن معشر البشر, فمنذ اللحظة الأولى التي تقذف بنا أرحام أمهاتنا إليها ونحن نراوح بين الحزن والفرح. نستقبل الحياة بصرخة نحن مصدرها, ونودّعها بصرخات مصدرها الأهل والأحباب. وبين نقطة البداية وخط النهاية تعلو وتهبط خطوط الصراخ والضحك راسمة هذه اللوحة السريالية العجيبة لنفوسنا المعذبة وقلوبنا المتطلعة الى لحظات الفرح المأمولة. تستنزف مرحلة الطفولة منا معظم رصيد السعادة, فننطلق في براءة وصفاء لو نعلم أننا سنفتقدهما في قادم الأيام لأبقينا منهما ولو شيئا يسيرا, غير أننا ـ وذلك جزء من طفولتنا ـ لا نفطن الى ما يمكن ان تحمله لنا الحياة من صدمات ومفاجآت, ولو فطنّا لذلك لضيعنا على أنفسنا بهجة الطفولة وعفوية أفكارها المبحرة في عالم لا وجود له الا في خيالنا الطفولي الجميل, حيث نرسم للاشياء صورا لو ادركنا أنها مغرقة في المثالية احيانا, وفي السذاجة أحيانا اخرى لما عدنا أطفالا نضع رؤوسنا فوق الوسائد فنستغرق في النوم خلال ثوان, ونطوّف في عالم الأحلام بين قصور مشيدة ذات اسوار عالية وأبواب منيعة, يقف عليها حجاب اولو قوة وبأس شديد, ومع ذلك نخترق اسوارها ونعبر بواباتها التي تستعصي على أعتى الجيوش وأشدها قوة وأصعبها مراسا, وفي يسر وسهولة نصل الى عروش لها في مخيلتنا صور زاهية الألوان عجيبة الأشكال. تستهوينا اللعبة فنغرق في الحلم, وببساطة متناهية ننصب من أنفسنا ملوكا على هذا الكون, بإشارة منا يصبح المستحيل ممكنا, والبعيد قريبا, والممتنع طيّعا, والصعب سهلا. ولأن جراثيم التلوث لم تبدأ عملها بعد وتترك اثار اقدامها في مجرى دمائنا فاننا نقيم ميزان العدل, نرى الابيض ابيض ناصعا, ونرى الاسود اسود قاتما, ويختفي من قاموس الألوان في عيوننا اللون الرمادي, إذ لا مكان لدينا للوي أعناق الحقائق وطمس ألوانها الحقيقية. نتصور في لحظة أننا قادرون على إصلاح الكون ووضع الأمور في نصابها, ولا ندرك في غمرة الاستغراق في الحلم ان هذا الكون قد خلق منذ الأزل على هذه الهيئة, وتوزعت فيه الادوار والأنصبة, فأخذت النفوس نصيبها من الخير, ونالت من الشر نصيبا, لتبدأ معركة ميدانها القلوب والعقول, وفرسانها نوازع الخير والشر فينا. النصر فيها معقودة راياته لما زرعته ايادي آبائنا وأمهاتنا ومعلمينا والبيئة الاجتماعية التي احتوت نشأتنا الاولى. وكما ان الحلم في المنام يبدو طويلا, وربما استغرقت احداثه شهورا وأعواما بينما هو لا يتجاوز في الواقع الدقائق او الثواني فكذلك هو حال هذه المرحلة من حياتنا, اذ سرعان ما تمرق كضوء بارق لاح في السماء, وتبدأ مطارق الشباب في عنفوانه الجامح تقرع طبولها, وتدق ابواب التفكير في المستقبل قاطعة علينا ذلك الحلم الجميل لتنقلنا الى فضاءات رحبة, تبدو الآمال فيها بحجم اندفاع الشباب وحيويته وتهوره احيانا, ونطل على لوحة جميلة نرسمها لمستقبلنا لا مكان للقبح فيها, خطوطها رائعة متناسقة, وألوانها زاهية بهية, لم تبدع ريشة فنان لها مثيلا. وبعد ان يكتمل رسم الصورة في أذهاننا ننطلق لمرحلة التنفيذ, شأننا في ذلك كالمهندس الذي يضع تصميم المشروع على الورق, ثم يبدأ مرحلة التنفيذ حتى يجسّده واقعا ملموسا محسوسا, وهنا اما ان يأتي التنفيذ دقيقا مطابقا للتصميم, وإما أن تتدخل عوامل فتنحرف بالمشروع عن الصورة المرسومة. وفي ذروة الإحساس بكياننا ونحن نجلس على مقاعد الدراسة والتكوين في مراحلها الأخيرة في الجامعات والمعاهد العليا, تتبدى لنا جوانب نقص وقصور كثيرة, وثقوب لا حصر لها في كيان مجتمعاتنا. ونتصور أنفسنا جيش الانقاذ الذي سينقض على بؤر الفساد فيهدّها على رؤوس ساكنيها, ويغير مجرى النهر لتتدفق مياهه محركة تلك البحيرات الآسنة التي طالما ازكمت رائحتها الأنوف, ولوثت الهواء, وسدت مسام الصدور. تطول المدة او تقصر.. لكننا سرعان ما نرى سنوات الإعداد هذه تنقضي هي الأخرى, ونجد انفسنا وجها لوجه أمام تحد لم نحسب حسابه بشكل دقيق. مضت سنوات اللهو واللعب والحلم الجميل, وانقضت سنوات اخرى نصبنا فيها من أنفسنا قضاة, وعقدنا محاكمات اصدرنا فيها على من شئنا احكاما شتى, ادخلنا من ادخلنا غياهب السجون, وأصدرنا أحكاما بالاعدام على فئة أخرى, ثم جاءت لحظة وجدنا فيها أنفسنا في مواجهة التحدي الأكبر. مطلوب منا ان نحوّل الحلم إلى حقيقة, والطموح الى واقع, نحن الذين تصورنا يوما ان بإمكاننا ان نصلح الكون, ونعيد الامور الى نصابها, ونقيم المدينة الفاضلة التي وضعنا دستورها وحددنا معالمها وأعلينا صرحها في عالم من الخيال رحب, هناك في سماوات الحلم الجميلة وفضاءاته الواسعة. وعند المواجهة تبدلت مفاهيم كثيرة, وتراجعت احلام كبيرة, وتهاوت صروح حسبناها ذات يوم منيعة, وهبّت على صحائف الفضائل التي سطّرنا وجعلنا منها دستورا لقادم ايامنا رياح عاتية عصفت بها وبعثرتها, فلم تقو أقدامنا على الحركة كي نجمع شتاتها, اذ حالت دون ذلك أثقال شدتنا الى ارض الواقع, وأحمال هدّت منا الكواهل, وأعباء أوهنت منا العزائم, نحن الذين ما خامر الشك نفوسنا يوما اننا أشد ثباتا من الجبال الرواسي, فإذا بنا ورقة تتقاذفها الريح, ويدبّ الاصفرار الى اطرافها مؤذناً باقتراب الخريف قبل الاوان, ولما نقتطف من ربيع العمر سوى اطياف ذكرى تسربت من بين اصابعنا لم ننل منها سوى قبض الريح, ليظل السؤال حائرا على شفاهنا: ترى.. الى متى تبقى قلوبنا مصدات لعوادي الزمن وغدر الأيام وانتكاسة الأمل؟ وهل كلما راح ضوء في سمائنا حجبته غيوم لا يرجى منها مطر؟! يقول الخبير الاقتصادي الامريكي هارلاند كليفلاند: (اذكر عندما كنت طفلا صغيرا اني تعلمت شيئا ارجو ان يكون صحيحا. لقد تعلمت اني عندما احرك اصبعي الصغير فان هذه الحركة تؤثر في ابعد نجم في السماء. وكان يحدث أحياناً أن أكون سائراً بمفردي فأحرك اصبعي الصغير لا لسبب الا لأني اريد أن أجعل هذا النجم البعيد في حالة حركة ويقظة) . فهلاّ حركنا جميعا اصابعنا الصغيرة كي لا يحل السكون على نجوم السماء البعيدة, وتنتقل العدوى الى كوكبنا, فثمة اجيال جديدة تولد كل يوم ربما استطاعت ان تحقق ما حالت دون تحقيقنا له جبال من الجليد تراكمت على مراكز الشعور فينا فأفقدتنا الإحساس بأطراف أصابعنا وأعطاف عقولنا وأعماق قلوبنا التي كتب عليها أن تتحمل نتائج اعمالنا فتنال حظاً من السعادة اذا ما رشدنا ولا ينالها من حماقاتنا سوى التعب والعناء وخسارة العمر الجميل.