صحراء, صحراء, كثبان رملية تتمدد مع الريح تذرو ذراتها وتغير معها الاتجاهات. لا لافتة توضيحية تقي السائر متاهات الامكنة ووحشتها, لا بوصلة تريح ابرتها النفوس. مشهد مستعاد من السنوات الاولى للقرن العشرين, اقفلت عليه الامارات القمقم وودعته الى غير رجعة. هي البقعة التي نامت على كنزها الاسود حتى العام 1955, ولم تعلم ما خبأ صدرها حتى وقت متأخر ووضعت يدها على هذا الكنز الوطني في بداية السبعينيات, واستهلت رحلة طويلة مع التطور لم تنته حتى اليوم. قد لا يصدق اي زائر لدولة الامارات العربية المتحدة أو اي متجول بين شوارع دبي الحديثة تلك الحوادث التي كانت تعيشها الطريق من دبي الى أبوظبي حيث كان الناس يتوهون فيدورون ساعات بانتظار الهدف المنشود, فاذا بهم يعودون الى نقطة الانطلاق! لقد سابقت دبي الزمن واختصرت المسافة الحضارية دون التقاط الانفاس والانتقال الهادئ, فأتت صورتها الجديدة بعيدة كل البعد عن القديمة. المكان ليس ذاته بل انحسر داخليا وافسح المجال لمكان جديد لم يعد فيه نمط الحياة مشابهاً ولا المعالم ولا عشرات التفاصيل التي استوطنت ذاكرة من عاصر الفترات الماضية, ولم يقدر على محاكاتها حين اراد ان يشرح لأبنائه, ولم يبق في النهاية سوى مجموعة متاحف تخبر التاريخ على طريقتها, انها الملاذ الروحي الآمن رغم برودة جدرانه واصطناع الضرورات المتحفية التي لم يلق لها آباء ذاك الزمن اي بال. ولان اقدم الجاليات (وهو تعبير لا يجوز بأي حال اطلاقه خلال سنوات العشرينات) هي الايرانية والهندية. استمعنا الى فيجاي بهاتيا ابن اوتماشايز بهاتيا الذي وطأ ارض دبي عام 1922 وارتبط بعلاقة جيدة مع شيوخ الامارة وحكامها وكان شاهدا على مرحلة دبي القديمة والعلاقات المميزة مع الهنود. امساك اول الخيط في ملامح امارة بكاملها ليست بالمهمة اليسيرة, لذا سنعبر على السنوات بخلفية بعض المعالم المكانية وأساليب العيش ومظاهر التجارة والاحوال الاجتماعية. نبدأ من (السوق الكبير) الذي غلب عليه الطابع الهندي في تلك المرحلة, وكان محكم المنافذ بأربعة ابواب لا يدخلها بعد السادسة مساء اي غريب, اذ كان عليك ان تطرق البوابة فيأتيك ناطور يتفقد هويتك وملامحك وهو يدقق فيها على ضوء مشعل (منز) ولا يفسح الطريق قبل التفرس والتعرف على هوية الطارق. وكانت الدكاكين موزعة في الطابق الارضي بينما العلوي تتوزعه غرف يسكنها التجار وتعلوها البراجيل (المكيفات بصيغة الماضي). ان المحال التجارية التي هي في معظمها تعرض انواعا من الاقمشة مازالت قائمة مكان (السكيك) او الزقاق. لقد كانت الاقمشة تتصدر التعاملات التجارية آنذاك, وكان برّ دبي يحتكر هذه التجارة حيث كانت تفرض على من يتاجر بالقماش في ديرة (ويعتبر مخالفا) ضريبة بقيمة 50 روبية وهي العملة التي كانت رائجة قبل الدرهم. واقتصر الحضور في ديرة على شخصين ايرانيين كانا يجوبان المنطقة وعلى اكتافهما جراب الاقمشة. ولم تختلف خيارات اوتماشنز عن البقية, فتاجر بهذه السلعة وشجعته الشيخة حصة آل مكتوم على اقتناء دكان خاص. كانت معظم انواع الاقمشة تأتي من الهند والحرير من الصين ويباع بين روبيتين و50 آنة الى اربع روبيات. وفي تلك الاثناء, لم يكن للدكاكين اسماء بل كانت تعرف بلقب اصحابها, وقد أطلق على دكان اوتماشنز (اوترا) مثلما اعتاد المغفور له الشيخ راشد بن مكتوم آل مكتوم تسميته. ولم تكتسب المحال هويتها الا بعد العام 1962 حيث فرضت عليها رسمياً. من القماش الى اللؤلؤ مع الوقت, تحول تجار الاقمشة الى تجار لؤلؤ طبيعي (طواويش) ساد في فترات سابقة وشارك فيه العديد من ابناء الامارات بين غواص يبحث في قعر البحر عن المحار وآخر يفلقه وآخر يبيعه او يشتريه, حتى حقق هذا النوع من اللؤلؤ مكاسب عالية جدا أثرت الكثيرين وشكلت ثروات ورثها الأبناء والاحفاد, واعتبر اللؤلؤ الطبيعي ميزة ذلك العصر يعاني لأجله الغواصون في الابتعاد اشهر طويلة عن منازلهم وزوجاتهم قبل ان تصنعه اليابان فيخفت ألقه بعد أزمة الثلاثينيات الى ان يندثر وتحتفظ منه الامارات بنماذج متحفية وتقمص لقطات مواسم المدّ (الذهاب) والقفال (الاياب) وما تخلفه من متاعب جسدية ونفسية تثقل على كاهل النساء في تحمل أعباء المنزل والاطفال. وكانت عمليات البيع والشراء تتم بطريقة شبه سرية حيث تمتد الايدي تحت غطاء قماش فتتحسس الاصابع حبات اللؤلؤ الى أن تتم الصفقة, ولو فشلت لا يعرف الزبون اللاحق ما هو السعر السابق الذي عرض في القطعة ولا يتم الافصاح عنه بأي حال. وقد عدّت دبي سوقاً بالجملة لغيرها من المناطق والدول في الخليج وعايشت مراحل ازدهار عديدة. أما الغواصون فيذهبون عادة على شكل تجمعات تضم قرابة عشرين شخصاً, ويقلّهم حوالي 300 مركب اعتادت ان تنطلق مجتمعة مع بعضها من دبي والشارقة والبحرين وكانت ترجع معا. لم تكن آنذاك تتوافر اية وسائط نقل باستثناء الجمال والحمير التي كانت تشتري من العراق بمبالغ تتراوح بين 30 الى 100 روبية, وكان امتلاكها دليل غنى ويسر حال. أما الابقار فمن ايران ويبيعها القصّاب بمعدل يتراوح بين 12 الى 14 آنة والماعز بـ 18. والذهاب الى اي مكان يتطلب دليلا للطرقات والتي لم تكن معبدة انما هي امتدادات رملية صحراوية, وكان المشوار من دبي الى الشارقة يستغرق ساعتين ويقضيه عادة التجار الذين يقصدونها لتحصيل اموالهم المستحقة, فالسفر من امارة الى أخرى لا يرتبط ابدا بمفهوم التسلية والترفيه كما يمكنه ان يكون حاليا نتيجة انتشار اماكن اللهو والمراكز التجارية, ناهيك عن الجهد الذي يبذله المسافر في تحمل الحرارة وغياب اي منظر جمالي يكسر حدة لون الصحراء الصفراء التي تلتهب في فصل الصيف. وكان سائقو سيارات التاكسي التي توفرت بعد مدة يتوهون في الصحراء او بالاحرى يهيمون فيها لهذا يؤثرون السير بمحاذاة البحر كمعلم يساعد على ادراك حيّز تواجدهم. ويتطلب الدخول الى ابوظبي حصول الشخص على تأشيرة (فيزا) من مكتب في جبل علي ويبقى على الطريق حوالي سبع ساعات قبل ان يبلغ ابوظبي. وهذه نقطة تدل على الخطوة الجيدة التي اتخذت لتوحيد الامارات وبالتالي تحقيق التسهيلات والقوة في عملية التكامل فيما بينها. أما مياه الشرب فكانت تجلب من (البصرة) بالجالونات, فيما يدفع لحفّار البئر روبية واحدة وتستخدم مياهه لقضاء حاجات ومتطلبات الحياة وما تلبث ان تنضب في غضون شهر واحد. الجيل الرابع ويعيش اليوم في دبي الجيل الرابع من عائلة اوتما شنز, وقد شاركنا من الجيل الثالث حفيده ديباك بالحديث موضحا ان جدّه لم يصل الامارة الا في سن 22 لان الاطفال والعائلات لم يسمح لهم بالدخول, فالمستشفيات والمدارس كانت غير موجودة, واول مستوصف افتتحه الدكتور محمد ياسين الذي حضر الى البلد في العام 1928. وكان جده واحداً من اصل 25 تاجراً هنديا فقط اسسوا محلات تجارية لهم واصبح متجر (العم) احد اقدم المتاجر في دبي, وجده هو الهندي الوحيد الذي سمح له بشراء ارض وامتلاكها فيما استقر عدد كبير من التجار الايرانيين في منطقة ديرة. وكان سكان ناجار تهاتا (التي اصبحت في باكستان لاحقا بعد انفصالها عن الهند) اول من وطأت اقدامهم المنطقة واشتغلوا مع العرب على ارساء قواعد العمل التجاري بين الخليج وشبه الجزيرة الهندية, وقدموا بين سنوات 1860 و1870 وكانوا يبقون في الامارات بضعة اشهر قد لا تتجاوز الاربعة. ثم يقفلون عائدين الى بلادهم. دبي سوق عالمية دبي لم تستقر على صورتها القديمة ويعتبر المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد آل مكتوم باني نهضتها الحديثة, وهو الذي ركّز دورها التجاري فأعطاه بعدا كان بمثابة الارضية الخصبة لما اصبحته هذه الامارة في صيتها الاقتصادي, فتحولت في وقت من الاوقات الى سوق كبيرة ومركز ترانزيت لبيع وتجارة الذهب والذي كان يصّنع فيها ويباع في الهند, وكان سعر التولا (11 جراما) بحوالي 18 روبية (1952) واصبح 20 روبية (1934), ومعدن الفضة كان رائجا بين 1930 و1940 ومصدره ايطاليا. وبالتأكيد ان أسعار المواد الغذائية قد تغيرت كثيرا كذلك الاحوال المعيشية والتي تزامنت تبدلاتها مع الطفرة التي ظهرت في سنوات السبعينيات فانعكست على أسعار السلع وعلى الرواتب, علما ان الايام الماضية لم تتمتع تنوعاً وكماً بما تتمتعه السوق اليوم مع محدودية في التعاون التجاري, فدبي التي شكلت نقطة محورية في امتدادات علاقات جعلتها صاحبة لقب العاصمة الاقتصادية في الامارات مقابل العاصمة السياسية والفعلية التي هي أبوظبي. كانت تكثر تبادلاتها ان لم تحصرها بين ايران والهند بشكل اساسي. فالبصل والثوم مثلا يستورد من كاتش في الهند في رحلة كانت تستمر عشرة ايام, وكانت الاشياء رخيصة جدا وكانت الخضراوات نادرة و(الخلق) (أكياس الحبوب والانسجة القطنية) الكندي هو الأكثر شعبية وطحين القمح (البشري) المستورد من ايران, وقيمة كيس الارز 50 روبية وايجار المنزل (المعروف بالغرفة) السنوي 300 روبية, وكان باستطاعة الفرد الواحد ان يقتات شهرا كاملا بخمس روبيات. وعلى عكس ما غدت عليه حياة اليوم من استهلاكية وزيادة في التطلب والترف احيانا. كان ابناء الامارات القدماء معروفون بالجلد والصبر والقدرة على تحمل شظف العيش وقساوة الصحراء القاحلة وندرة المهن التي يعتاشون منها. دينامو 1950 لم تكن دبي تعرف الكهرباء والانارة, وأول مولد كهربائي (عبارة عن دينامو) كان في قصر الشيخ سعيد بن راشد آل مكتوم في العام 1950 في حين اصبحت في متناول الجميع بدءا من تاريخ 1961 كذلك بالنسبة للهواتف. واول سيارة سارت في الامارة كانت ايضا للشيخ سعيد من نوع جيب في الاربعينيات. وكانت السيارات المعروفة في اواخر الستينيات من الطراز الامريكي ومعظم سيارات الاجرة من ماركة (دودج) في حين تكثر اليوم المركبات اليابانية وكل الانواع التي تخطر على البال من العادي المتوسط السعر حتى الفاحش الثمن. ويوضح فيجاي ان مبنى المركز التجاري كان الاكبر والاطول, وقد انشئت الجسور والطرق الرئيسية وبرج دوار الساعة في وقت حديث, فقد حطت طائرة والدته المائية لاول مرة في دبي الى جانب جزيرة صناعية قريبة من المكان الذي انشيء عليه جسر المكتوم. الدولة اليوم تحكمها القوانين ولا تترك الامور للفطرة والعفوية برغم حفاظ بعض اهلها على صفاتهم العربية المتضمنة هذين الجانبين, الا ان زحمة الجنسيات والخلفيات بدلت الكثير من المظاهر, اذ لا يمكننا ان نقع على مشهد دكاكين ذهب مشرعة الابواب على مدار 24 ساعة مثلما حصل في اعوام فائتة حيث لا يستر هذه المحال سوى قطعة قماش وحسب. مطار دبي انشيء مطار دبي بعد مطار الشارقة او المحطة الذي اعيد ترميمه كمتحف مؤخراً, واول شركة نقبت عن البترول بريطانية واستقطبت بذلك العمالة الهندية بكثافة. ويتذكر فيجاي ان مهرجان (ديوالي) ويخص الهنود كان يعطى كيوم عطلة رسمية, وان اول مصور في دبي كان الايراني عبدالكريم الذي افتتح (كابتن شوب) . وفيما يخص متحف دبي فانه كان سابقا السجن وكان العقاب فيه صعبا حيث يقيد السجناء والشمس مرتفعة تماما فوق رؤوسهم, وكان البعض يموت عقب شهرين واخرون يوشمون بالمسامير في آذانهم فتظهر آثار ذلك وتغدو بمثابة دليل يوشم المذنب كيفما تحرك في السوق, وكانت تقطع يد السارق. وكانت تقع اول قاعة مسرحية باسم (المسرح الوطني) في ميدان عبدالناصر وكانت تعرض افلاما باللغة الايرانية والهندية والعربية. وجوه كثيرة تغيرت مع مرورها على الامكنة التي انقلبت على روحيتها في احيان استجابة لنداء العصر والتسابق العمراني, وجوه احتفظت بالصور التذكارية التي اصابها برد السنوات, ولعلّ دفء الحنين والذكريات يعيد اليها ألقها ولعلنا نحسن اخلاصا لماضينا لو استدعيناه بوعي لا يغرق في البكاء على الاطلال او يحدث القطيعة مع ما تبقى لنا من جذور, انها خصوصية المكان والبشر رفضناها ام قبلناها ستظل فسيفساء اللوحة التي لا تكتمل هنا.