يكتسب التراث الحضارى المصرى اهمية بالغة خاصة فى الاوساط الثقافية والعلمية, باعتبار ان هذا التراث هو الاساس فى تواصل الحضارات الانسانية لاكثر من سبعة آلاف عام, ذلك الوقت الذى بدأ فيه الانسان تسجيل التراث. تعتبر الحلي احد اهم معالم الحضارات القديمة والحديثة, حيث عرفت من قديم الازل كأداة للتزين والزخرفة, يرتديها الرجال والنساء على السواء, لتدل على ثراء صاحبها وتزيين صورته, وقد عرفت منذ فطرة الانسان انها وسيلة للعناية والجمال والتزين كما استخدمت الحلي لاغراض دينية وفى اعمال السحر, حيث اعتقد المصرى القديم ان بعض انواع الحلي له قيمة سحرية تحفظه وتبعد عنه الشرور بل وتوقف تأثير السحر ضده, مثل التمائم التى تعطي حاملها قوة وبركة وحسن طالع وحظا سعيدا حسب عقيدته التى يعتقدها ولهذا فان الحلي لها قوة التميمة السحرية. فما هى انواع الحلي عند المصرى القديم, ومن اى المواد كانت تصنع, وماهى طرق تصنيعها؟! عرف الانسان الحلي منذ عصور ماقبل التاريخ حيث عثر على خرزات او اساور وخواتم او دلايات ذات اشكال بسيطة مصنوعة من الحجر وملونة او من عظم او عاج او حتى من الطين وذلك فى مقابر العصر الحجرى الحديث فى الفيوم وفى (مرمدة بنى سلامة) وترجع الى الالف الخامس والرابع قبل الميلاد, وفى البدارى عثر على اكاليل للرأس او احزمة للوسط مصنوعة من الجلد وفى (العمرة) ظهر القيشانى واستعمل ا لذهب والنحاس فى صناعة الحلي كما عثر على تمثال لسيدة تلبس خلخالا حول قدمها, وكانت تماثيل الآلهة فى المعابد تلبس الحلي ايضا وذلك اثناء عمل الطقوس ونعرف ذلك من مناظر الحلي التى كانت تنقش على جدران المعابد والمقابر والتوابيت. تطور الحلي واغراضها يقول الدكتور زاهى حواس مدير عام آثار القاهرة والجيزة كان يوجد تقليد لاهداء كبار الموظفين الحلي فى الاعياد والمناسبات من خلال شرفة التجليات بالقصر الملكى او بالمعبد, كما كانت هناك حلي تهدى مثل الاوسمة والنياشين لقواد الجيش وكبار الموظفين, وهناك حلي توضع على الحيوانات لتزيينها وحراستها من النظرة الشريرة والحسد او من فقدها ولتباركها مثلما كان يحدث مع الكلاب والقطط والبهائم والقرود. وقد تطور لبس الحلي حتى اصبحت تلبس كتميمة ودخلت فيها العناصر الزخرفية التى تظهر جمال من يرتديها واستمدت الحلي مواردها واشكالا من البيئة المصرية فكانت هناك حلي للتزين فى الحياة اليومية وكتميمة للحراسة والحماية وكانت تصنع من الذهب وترصع بأحجار شبه كريمة وتزود بمشابك او محابس او بسلك ذهب او خيوط رفيعة. كما كانت هناك ايضا حلي للتزين والحماية فى العالم الآخر ولها اغراض سحرية لحماية من يلبسها فى العالم الآخر وحماية جسده من كل الشرور وكانت تصنع من مواد غير ثمينة نوعا مثل الخشب المذهب والجص المذهب او الحجر والقيشانى او من العظم والعاج وحتى من الطين, ومن الواضح انه لم يكن من المستطاع ارتداء هذه الحلي فى الحياة الدنيا لثقلها او سهولة كسرها ولعدم تناسبها او ملاءمتها للحياة اليومية. ويشير الدكتور زاهي حواس الى ان هذه الحلي توضع او تثبت بخيط على المومياء وليس لها مشابك وفى بعض الاحيان يصعب تحديد نوع الحلي ان كان للاحياء او للحياة الاخرى, ولذلك فانه يستعان بالرسوم للحلي على توابيت عصر الدولة الوسطى حيث نجد ان ما رسم عليها كان بديلا عن الحلي الجنائزى الحقيقى والذى كان يرسم ليبقى ابدا مادام التابوت باقيا او كان يرسم خوفا من سرقة الحلي الحقيقية ان كانت موجودة بالفعل. انواع الحلي للحلي عند المصرىن القدماء انواعا عديدة اهمها, القلائد العريضة.. وكانت تصنع من صفوف متعددة من الخرز او القيشانى ولها نهاية على شكل نصف دائرة وكانت تغطى اعلى الصدر, وهناك نوع ثان يصنع من خرزات تصف فى صفوف وفى مجموعات منفصلة كل مجموعة عن الاخرى ويفصلها عن بعضها البعض شرائط مختلفة الالوان ثم ان هناك نوعاً ثالثاً تنتهى من الجانبين بحلية على هيئة رأس الصقر بدلا من النهاية نصف الدائرية من المعدن او القيشانى وكانت هناك قلائد جنائزية تنقش على جدران المقابر او على اوراق البردى وكانت التعويذة الخاصة بالقلائد تتلى بواسطة الكاهن اثناء وضع القلادة على الجثة وهنا يطلب الكاهن من ايزيس حماية المتوفى منذ يوم دفنه, وهناك قلائد صنعت من ذهب رقيق مثل قلائد (توت عنخ آمون) التى كانت على هيئة الصقر (حور) . او على هيئة النشرة (نخبت) او على هيئة الاثنين معا لحماية الملك. كما كانت هناك قلائد من الذهب قابلة للانثناء مصنوعة من قطع صغيرة منظومة فى خيوط او اسلاك من الذهب وكانت ترصع بأحجار شبه كريمة وبالزجاج الملون كما ظهرت انواع اخرى من القلائد فى مقابر تاينس لملوك الاسرتين الـ21 والاسرة 22. الرخاء والحياة والنوع الآخر من الحلي هو الصدريات.. وهى عبارة عن حلي تلبس على الصدر مربعة او مستطيلة الشكل او على هيئة شبه منحرف. وكانت تعلق بواسطة خيط منظوم به خرزات ومن اهم الصدريات تلك المعروفة من عصر الدولة الوسطى حوالى (1900 قبل الميلاد) والمصنوعة من الذهب والمرصعة باحجار شبه كريمة مثل حجر (الجمشت) لاماتيست والعقيق البنى والفلسبار واللازورد والفيروز والبللور الصخرى والاوبسيديان. وكانت الصدريات تزخرف برموز مقدسة واسماء الملوك وتستعمل كحلي, ولذلك فانها كانت تضمن الرخاء او الحياة او الدوام حسب مايدل عليه الشكل المنقوش عليها. ومنذ عصر الدولة الحديثة بدأنا نرى صدريات تعطى للمتوفى كتمائم تزخرف بصور الحياة الاخرى الى جانب الارباب التى يعبدها المتوفى ويطلب حمايتها مثل (ايزيس) و(اوزيريس) و(انوبيس وعمود الجد ) الثبات) وعقدة (ايزيس) (للسحر) ومركب الشمس وعليها الجعران وهنا كانت وظيفة الصدرية تأمين اعادة الحياة للمتوفى وتأمين مصاحبته لرب الشمس فى رحلته فى العالم الآخر. اما النوع الثالث فهو الاساور والخلاخيل.. وقد لبست الاساور والخلاخيل لما فيها من قوة سحرية, فالاسورة تحيط بالمعصم او تلبس على الذراع لتصنع دائرة سحرية او (تحويطة) وكذلك الخلخال الذى يلبس عند القدم. وهذه الاساور والخلاخيل معروفة فى مصر منذ عصور ماقبل التاريخ وكانت تصنع من العظم والقرن والحجر والخشب والجلد والشعر ثم عملت خرزات فى خيوط منظومة. وكانت هذه الخرزات تصنع من الاحجار او العظم او العاج او من المعدن. وصنعت تلك الاساور والخلاخيل بعد ذلك من المعدن وكانت ترصع باحجار شبه كريمة او بالزجاج. ومن اقدم الاساور التى عثر عليها فى مصر فى العصور التاريخية اساور عثر عليها فى مقبرة (جر) فى ابيدوس من عصر الاسرة الاولى. وكانت الوان الحلي او مواد تطعيمها ذات لمعان ايضا فاللون الازرق كان يمثل الحماية من النظرة الشريرة او العين الحاسدة. واللون الاخضر يمنح الرخاء واعادة الشباب والحياة وكان الجعران يصنع من القيشاني الاخضر او الازرق او من احجار شبه كريمة وكان يرمز لرب الشمس المتجدد الذى يعتقد آنذاك انه يولد كل يوم لكى يضمن شبابا او ولادة جديدة لصاحب تميمة الجعران واخيرا فانه من الملاحظ ان اشكال الارباب التى كانت تلبس كتمائم فى الصدريات او غيرها كان يطلب منها الحماية والحراسة لمن يلبس التميمة وكانت توضع على الجسد فى الاماكن التى كانت معرضة للاخطار مثل الرقبة والرسغ ومفصل القدم والاصابع والوسط. أساور الاميرات ويشير د. زاهى حواس ان اجمل الاساور ما عثر عليه فى مقابر اميرات الاسرة الـ 12 (خنوميت وسات حتحور وسات حتحور ايونيت ومرت وورت ونفروتباح) فى دهشور واللهون وهواره وكذلك ماعثر عليه فى مقابر الملكة (اياح حتب) من عصر الاسرة السابعة والملك توت عنخ آمون من عصر الاسرة الـ 18 واساور الملك رمسيس الثانى واساور يانجم الثاني والاساور التى عثر عليها فى تانيس للاسرتين الـ ,21.22 * حلي الرأس: بدأت حلي الرأس كاكاليل من اغصان الشجر واعواد الزهور وكان هناك شرائط من القماش لربط الشعر حتى لايتدلى الشعر او الباروكة على الوجه اثناء العمل وكذلك للزينة. ثم صنعت بعد ذلك من معدن الذهب او النحاس. كما صنعت باروكات وقلنسوات من شعر مستعار من جدائل الكتان او الصوف او الشعر وزخرفت بدويرات من الذهب مطعمة بأحجار شبه كريمة او بزجاج ملون مثل الاكاليل التى لبستها الملكة (نفرت) زوجة (رع حتب) او بنات خنوم حتب او اكاليل ملكات عصر الدولة الوسطى. * حلي الاذن: بدأ المصرى القديم فى لبس الاقراط منذ عصر الانتقال الثانى (حوالى عام 1650 قبل الميلاد) وربما كان اول من لبس الاقراط من الملوك هو تحتمس الرابع 1410 قبل الميلاد. حيث ظهر ذلك من حلمة اذن موميائه المثقوبة. وكانت هذه الاقراط من الذهب او من الذهب المطعم ومن ا جمل ما عثر عليه من اقراط ملكية تلك الخاصة بالملك (توت عنخ آمون) او تلك التى تحلت بها الملكة (نفرتارى) فى مناظر مقبرتها بوادى الملكات او اقراط الملك سيتى الثانى او مقابر تانيس لملوك الاسرتين ,21 22. حلي الاصابع: فقد استعملت حلي الاصابع منذ عصور ماقبل التاريخ ايضا وتطورت تطورا كبيرا فى عصر الدولة الحديثة ومن اجمل الامثلة للخواتم هو ماعثر عليه فى مقبرة (توت عنخ آمون) او فى مقابر تانيس لملوك الاسرتين 22,21. اسرار التمائم التمائم ورموزها ومعانيها: كانت التمائم ترتدى كحلي وبغرض الحماية وابطال فعل الاذى والاخطار غير المتوقعة وكانت تستخدم ايضا لدفع الشر واعمال السحر كما كانت تمد حاملها بالقوة والحظ السعيد والبركة, فلذلك كانت التميمة تصنع على هيئة اشكال الارباب او الرموز المقدسة, ويمكن ان تأخذ التميمة شكل ثعبان الكوبرا لتمد الحماية لمن يحملها او من يصنعها فى قطعة من الحلي. ويؤكد خبير الآثار المصرية زاهى حواس ان التميمة كانت على شكل جعران تضمن لحاملها بعثا وتساعده على تجديد شبابه وتمده بالحظ السعيد خاصة اذا كانت مصنوعة من حجر او قيشانى اخضر او ازرق او بنى كما كان يعتقد وقد ذكر فى قرطاس بردى موجود فى متحف برلين الآن ان ورقة شجر الجميز تحوى اشياء نافعة. ولبست التمائم ايضا لايقاف الاصابات الجسدية او الاخطار غير المتوقعة او مالا يمكن اتقائها, وكانت الحيوانات تزود بتمائم ايضا لحمايتها او لزيادة خصوبتها. وكانت تميمة الاصبعين المصنوعين من حجر الاوبسيديان تساعد على ايقاف فعل السحر الشرير. اما تميمة مسند الرأس (ورس) فكان لها تعويذة خاصة من كتاب الموتى والتى كانت تساعد فى حفظ وصل الرأس بالجسد. وكانت تميمة عمود (الجد) تزود الجسد بالدوام والقوة فى حين كانت تميمة الذراعين المرتفعتين تضمن وجود القرين بالقرب من صاحبه ليتقبل القربان. اما تميمة ساق البردى (واج) فكانت تزود من يحتفظ بها بالنضارة الجسدية وكانت ترمز لقوة الشباب وحيويته. اما العين المقدسة (وجات) فكانت تضمن سلامة الجسد وتمده بالحماية ضد العين الشريرة والسحر. وكان الخاتم (شن) يصنع دائرة سحرية (تحويطة) حول الاصبع لحمايته من الكسر ويمد من يلبسه بقوة فى حين يقوم صولجان (واس) بضمان رخاء من يحمله وعقده ايزيس (تيت) كانت تساعد على حل المشاكل الخاصة بالحب وتميمة (المنيت) والتى صنعت من الخرز او تستعمل احيانا كمعادل ثقل للقلائد تمد حاملها بقوة التحمل والسكينة وكانت رمز للخصوبة والمساعدة فى الولادة والرضاعة لارتباطها بالربة (حتحور) . وقد ضمنت علامة (نفر) الشباب الابدي والجمال اما تميمة القلب فكانت ترمز للمعرفة والقوة والمقدرة على التنفس مرة اخرى. اما علامة (سما) فكانت ترمز للوحدة بين اجزاء الجسد المختلفة وتمائم التيجان (الابيض والاحمر) كانت تمد الملك او الموظف بالسلطة والقوة فى حين ساعدت تميمة مخلب الطائر فى الدفاع عن النفس. القاهرة كمال عمران