في مجتمعات عربية يتجرع افرادها السياسة مع قهوة الصباح ترى على الضفة الاخرى نتاجها الثقافي وتحديداً في مجال الموسيقى والغناء يتجاهل معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية التي تزخر بها المنطقة, وفي الوقت ذاته اخذ صناع الموسيقى ـ ان جاز التعبير ـ في العالم العربي حيزا اعلاميا واسعاً في ظل المتغيرات والقفزات الاعلامية والتقنية الحديثة. وهؤلاء يكرسون بشكل او بآخر هذه الادوات الثقافية في خلق حالة مسخ وتشويه في البنية الثقافية لدى المتلقي العربي... ويبقى التساؤل, هل التيار الذي يسود المشهد الغنائي والموسيقي العربي افراز لتلقائية وسطحية (صناع الموسيقى) ام هو تيار مؤدلج ومدروس بعناية يعي الاوصياء عليه مدى خطورة وظلامية الدور الذي يقومون فيه؟ وعودة الى صلب اطروحتنا في هذا العدد (الاغنية السياسية) اين هي من مشهدنا الثقافي العربي. بنظرة سريعة الى مجمل الاعمال الغنائية التي طرحت خلال العقود السابقة وتحمل بعدا سياسيا ترى مجملها يفتقر الى المستوى الفني والتقني المقبول, ويقتصر طرحها للافكار والقيم الانسانية من الجانب الانفعالي والارتكاز على الموروث الحماسي الذي طغى على ادبنا العربي, وكثيرا ما يأتي هذا الطرح بسطحية وسذاجة في تناول الافكار الثورية, لا يتناسب مع حساسية وعمق قضايانا والتحديات التي تمر بها منطقتنا العربية, وبدلا من ان تشيد الموسيقى والغناء المنغمسان في الهم السياسي حالة من الوعي وإعادة ادلجة التركيبة السيكولوجية لدى المتلقي نحو افاق نهضوية, كانت ومازالت مجتمعاتنا العربية بحاجة ماسة اليها, كان الاسهام الموسيقي والغنائي في غالب التجارب هشا موغلا في الرجعية ومنسجما في افرازاته مع اخفاقات الحركات الثورية والتحررية العربية. الخراب الجميل رغم هذه الضبابية في التعاطي مع (الاغنية السياسية) لا يمكن تجاهل بعض التجارب الناضجة كتجربة امام عيسى وتجربة زياد الرحباني وكذلك التجربة الاميز جماهيريا وفنيا التي خاضها الفنان اللبناني (مارسيل خليفة) تجربة (خليفة) التي تعرضت لعثرات عدة, اعتبرها بعض النقاد بأنها تمثل خرابا للبنية الموسيقية والغنائية العربية, بإنفلاتها من القواعد الموسيقية الرزينة التي عرفتها الموسيقى العربية الكلاسيكية وتقديمها القصائد بقالب يلامس الروح الغربية باسلوب تقديمها للكلمات المغناة... ومن جهته اعلن (خليفة) في اكثر من مناسبة بانه متمسك بهذا (الخراب) الذي أحب ان يسميه (بالخراب الجميل) وهذا (الخراب) هو الامتداد الوحيد والجسر الواصل للبذرة التي اودعها الراحل سيد درويش المؤسس الوحيد لاغنية عربية حقيقية ونقية بالمفهوم الاصطلاحي للاغنية انفلتت من نسق القصيدة المغناة وتواصلت مع واقع ونبض الكادحين. (الحلوة دي.... صباح الخير يا (اسطة) عطية صباح الخير صبح يا عليم والجيب ما فيهوش ولا مليم الفقير له رب كريم واستطاع (خليفة) عبر تجربته الخروج من نمط الثائر الذي لا يتغنى سوى برحى الحرب والانقضاض على العدو... فقد كان لهذا الثائر طابعه الانساني ونكهته البشرية الطبيعية التي صبت العمل السياسي والنضالي العربي في قالب يواكب الرؤى التحررية العالمية. ووقع متلقو (خليفة) بإشكالية التعصب لقضاياهم ومفاهيمهم السياسية واحاطوه بجدار ايديولوجي, حرمّوا فيه على الثائر الخروج الى فضاء كوني رحب, فضاء العشق والتعبير عن النزوات الانسانية البسيطة العميقة.... من دون ثنائية مارسيل خليفة والشاعر الفلسطيني محمود درويش لما كانت لتكتمل تجربة خليفة الابداعية التي كان للكلمة سطوتها عليها... وسطوة الكلمة كانت في بعض الاعمال على حساب الموسيقى وحرمت خليفة في بداية تجربته وبأوج شعبيتها من اعطاء الحيز المناسب للابداع الموسيقي, الامر الذي تداركه (خليفة) , ربما متأخرا بتجسيد للنقد الذاتي بعمله الموسيقي المهم (جدل) , حيث قال حينها خليفة (اندثر زمن الكلمة) وكان هذا الموقف ناتجا من تبعيات الانهيارات السياسية التي شهدها العالم, وصمتت الكلمة وجف لسان خليفة, ليطلق العنان عبر (جدل) لاحاسيس وهواجس الموسيقى المجردة وحدها القادرة على استنطاقها. ومع التحولات الجذرية في مسار الحياة العربية خلت الساحة الغنائية من التجارب المعنية بالحدث السياسي او القضايا المصيرية ورغم تحسس الاعلام العربي الرسمي من هذا المصطلح تبقى الاغنية التي يفرزها اي مجتمع هي حياة قائمة تشكل طقوسنا ووعينا وقدرتنا في الانخراط بالركب الحضاري الانساني الذي سيحمله التاريخ الذي لن ينصف سوى المنتصرين. وبإطلالة على الطرف الاخر ترى تفاوتا ملحوظا لدى الغرب بين انهماك تلك المجتمعات مؤسسات وافراد في خوض غمار مرحلة العولمة وما بعد الحداثة, ترى نخبة من الاعمال الغنائية تزخر بالافكار الليبرالية والراديكالية وتمجد الرموز الثورية في زمن يفترض به فناء هذه التوجهات. أغان بيضاء لمناضل أسود (الوجود العدمي لا يعني البقاء) من اقوال المناضل الجنوب أفريقي (ستيف بيكو) .. رجل الدين والزعيم السياسي الزنجي الذي طرح فكرة النزاع السلمي مع البيض.. وركز على ضرورة تشبع مجتمع السود بموروثه الثقافي الافريقي والايمان بعظمة الامة الافريقية لمواجهة المد الحضاري المتمثل بدعاية سيادة الجنس الابيض او الانجلوسكسوني صاحب التطور التكنولوجي المبهر.. الفكر الانساني الذي طرحه (بيكو) والنشاط الاجتماعي الذي انتهجه لمحاربة الجهل والفقر المتغلغل في صلب المجتمع الزنجي منح (بيكو) الزعامة وقيادة ثورة الزنوج ضد الاستعباد العنصري الذي مورس ضدهم, فكان اعتقاله في عام 1977 اثناء محاولة فراره من جنوب افريقيا ليدير عمله الثوري من المنفى... واقتيد (بيكو) الى احدى الزنازين التي مورس في ظلمتها تعذيب وحشي في حقه حتى صعدت روحه. الروائي الامريكي (جون بريلي) ارشف نضال (بيكو) من خلال رواية Cry Freedom التي نسجها من واقع علاقة احد الصحفيين البيض مع (بيكو) والذي يدعى (رونالدو ودز) وكان مؤيدا للزعيم الراحل, ومن وحي الرواية انتج فيلماً سينمائياً عن نضال (ستيف بيكو) الذي عشق الحرية ولم يخشى الموت لاجل خلاص شعبه... المغني البريطاني (بيتر جابريل) استوقفته سيرة المناضل الافريقي... فبدأ اغنيته التي حملت اسم (بيكو) بموسيقى تصويرية نقلت غموض الادغال وسحرها, ومن اهازيج وطقوس رجال القبائل الافريقية كشف (جابريل) عن ملامح وتفاصيل لم يعتد المتلقي الغربي على تناولها... بتلك الايقاعات وذاك النشيد الجماعي شكل جابريل ارضية الوجود الثقافي للانسان الافريقي على ارض افريقيا ومن اجواء الطبيعة والبساطة يخرج صوت (جابريل) المفعم بالمرارة معلنا المأساة مستهلا بالتوقيت ايلول من عام 1977 والمكان (الغرفة رقم 619) في دائرة الشرطة. الاحلام الدموية التي تتسلل الى داخل (جابريل) تنذره ان العالم في الخارج منقسم الى ابيض واسود... شمال وجنوب ورغم ذلك عند لحظة الموت الكل ينزف دما احمر... ويخاطب (جابريل) حكومة جنوب افريقيا العنصرية انذاك: يمكنكم ان تخمدوا شمعة لكن لن تخمدوا لهيب الثورة وكلما نفختم الريح ستشتعل النيران الى اعلى. بطل الطبقة العاملة المغني البريطاني (جون لينون) كانت له اسهاماته الرائعة في حقل السياسة اثناء تجربته مع فريقه الاول (البيتلز) .. وفي مرحلة الانفصال والاعمال الفردية كان هنالك نضوج واضح وبات يطرح فلسفة خاصة حول الاضطراب الذي يسود المنظومة الكونية وتناولت اعماله الغنائية القضايا الاجتماعية والسياسية بعدة اطر ايديولوجية.. اسست لثقافة وعي مالت الى اليسارية مازالت سائدة وبقوة في الشارع الغربي. من اهم الاعمال التي قدمها لينون كانت (بطل الطبقة العاملة) التي اهداها الى روح الزعيم التشيلي الراحل (سلفادور الليندي) الذي تم انتخابه رئيسا للتشيلي في عام 1970 واغتيل على يد الديكتاتور التشيلي (اوجستو بينوشيه) في 11 ايلول من عام 1973. اغنية (بطل الطبقة العاملة) مثلت نظرة ثاقبة الى حقيقة العالم القائم على صراع الطبقات وحمل اهداء العمل الغنائي الى احد زعماء ومناضلي العالم الثالث كناية عن صراع الدول المتقدمة مع الدول الاخرى الاخذة بالنمو حسب منظور (جون لينون) في هذا العمل لم يطلق (لينون) الشعارات والاهازيج بل كشف عن طبيعة الحقن النفسية التي يعالج بها فتيان الطبقة العاملة من قبل القوى والمؤسسات التي تدير ايقاع الحياة المدنية. فمن البداية تمارس عملية التضئيل والتحجيم لمكانتك في هذا المجتمع.. في المنزل في المدرسة ومع مرحلة النضوج والخوض في مكامن الذات البشرية, يعالج هذا الانسان الهائم في بحثه عن الحقيقة, بمخدر التلفاز والجنس والمعتقدات البالية. ويبقى هؤلاء يديرون عجلة التفاعل الاجتماعي من أعلى برج المراقبة واذا اردت ان تلتحق بهؤلاء... يجب ان تحترف قتل الحياة والابتسامة لا تفارق فاهك. ويختتم (لينون) كلمات اغنيته (واذا اردت ان تكون بطلا فقط اتبعني) . أمهات المفقودين عند الحديث عن التشيلي نستذكر اغنية (امهات المفقودين) للفريق الايرلندي (U2) , فلدى زيارة الفريق لدولة التشيلي تلمس اعضاؤه واقع المجتمع والجرائم التي خلفها حكم الديكتاتور (بينوشيه) الذي دام (17) عاما وعلى رأس الجرائم التي ارتكبت في تلك الحقبة فقدان عدد كبير من الشبان المناهضين لسياسة السلطات التشيلية فكانت اغنية (امهات المفقودين) لتعبر عن لوعة ولهفة الام للقاء ابنها... ولان فريق (U2) بحكم ايرلنديته.. يعي تماما معنى الحرية والاستقلال لم يكتف اعضاؤه بمعالجة النزاعات التي عصفت ببلادهم. فقد جابت روحهم محطات نضالية كثيرة في عالمنا وكان من اهم اعمال الفريق اغنية (باسم الحب) التي استنسخت معظم كلماتها من خطبة (مارتن لوثر كينج) (لدي حلم) , الزعيم الزنجي الذي اغتيل في عام 1966 بعد ان قاد حركة تحرر سود امريكا ضد نظام التمييز العنصري. وتقول كلمات العمل: (الرجل الذي حارب عنصرية الامبريالية الرجل الذي رفض وقاوم الرجل الذي قدم باسم الحب الرجل الذي تمت خيانته بقبلة) ومن وحي خطبة كينج (لتصدح الحرية في الجبال والوديان) غنت U2 (صبيحة الرابع من ابريل صدحت طلقة في سماء ممفيس الحرية اخيرا اخذوا حياتك لكنهم لن يأخذوا مجدك