ربما كان الغرب صاحب الحصة الكبرى في سوق الإعلام العالمي, لكنه ليس اللاعب الوحيد. والعولمة ليست كلمة مرادفة اخرى للامركة, والتوسع الراهن لصناعة الترفيه الهندية تثبت ذلك. إذ أن بوليوود (صناعة السينما الهندية) وليس هوليوود هي التي تغزل لمئات الملايين من رواد السينما في شتى انحاء العالم أفلام الفنتازيا التي تلهب خيالهم. اصبحت (بوليوود) , أو مومباي مركزاً عالميا في صناعة السينما ولم يعد أقطاب صناعة الترفية الهندية يستهدفون أسواق جنوب آسيا فقط, بل أخذوا يصنعون افلاما واغاني وعروضا تلفزيونية متقنة الصنع للتصدير. كما بدأت الشركات الاجنبية تغزو بوليوود وتمول الأفلام والانتاج الموسيقي, حيث جذبها تنامي الطبقة الوسطى الهندية والبيئة الاستثمارية الأكثر ترحيباً بالاستثمارات الخارجية. وكانت أولى نتائج هذه الاستثمارات الاجنبية مساعدة الثقافة الشعبية الهندية في الوصول الى مزيد من المشاهدين, اضافة لتنظيف صناعة السينما الهندية التي طويلاً ما كان يشار الى علاقاتها بعالم العصابات. ويعتبر المهاجرون من جنوب اسيا إلى الدول الغربية الذين يبلغ تعدادهم حوالي 25 مليونا والمهتمون بإبقاء ثقافتهم الاصلية حية سوقاً جاهزة للسينما الهندية والمستثمرون الاجانب في هذه الصناعة. ويشكل المهاجرون الهنود في بريطانيا والولايات المتحدة فقط حوالي 55 في المئة من السوق العالمي لمبيعات بوليوود. لكن بوليوود أخذت تحظى أيضاً بملايين المشاهدين من غير الهنود في الشرق الأوسط وافريقيا وجنوب شرق آسيا ايضاً, فالغجر في شرق اوروبا مثلاً أصبحوا من بين المشاهدين المهمين لتلفزيون سوني الهندي, شأن عشاق السينما الهندية في فيجي غرباً والفلبين شرقاً. يقول الناقد السينمائي المصري أحمد كمال: (أفلام بوليوود أصبحت جزءاً من الثقافة العربية) . اما في العاصمة التنزانية فتعرض مسارح الهواء الطلق احدث رومانسيات السينما الهندية, حيث يقف المترجمون الفوريون امام الشاشة لترجمة الخطوط الرئيسية للاحداث على الهواء مباشرة. يقول المنتج والمخرج الهندي سوبا ش جاي: (تحظى المنتجات الترفيهية الهندية بقبول عالمي. وباستثناء هوليوود لم يحقق أي منتج ثقافي آخر هذا النجاح الذي يتزايد باستمرار) . دعم حكومي وتسرع الاصلاحات الاقتصادية الهندية هذا النحو. فقد ألغت الحكومة الهندية العام الماضي الضرائب على مبيعات صناعة الترفيه خارج البلاد بالكامل. ولهذا أخذت شركات الانتاج الاعلامي تركز في نشاطها على الأسواق الاجنبية اكثر من أي وقت مضى. وقفزت صادرات السينما الهندية من 10 ملايين دولار قبل 10 سنوات الى 100 مليون دولار العام الماضي, ويتوقع أن تتجاوز 250 مليون دولار في العام الحالي 2000. طبعاً ذلك لايشكل إلا نزراً يسيراً من مبيعات هوليوود الخارجية التي بلغت 6.7 مليارات من الدولارات العام الماضي, لكنه مع تنامي الصادرات الهندية, فإن الشركات متعددة الجنسية مثل سوني ويونيفرسال أخذت تبدي اهتماما خاصاً بالسينما الهندية. واسست هذه الشركات مقرات لها في مومباي مستهدفة السوقين المحلي والعالمي. تقول اميت خانا المنتجة المنفذة في شركة سوبر سينما الهندية بأنه اذا ماكانت بدايات السينما الهندية (سلاحاً لإخراج البريطانيين من البلاد) فإن على (منتجي الافلام في القرن الـ 21 أن يستخدموها وسيلة للترفيه عن العالم) . ويلعب رجال الأعمال المتأنقون والاقمار الصناعية دوراً مهماً في تمكين هؤلاء من القيام بذلك مثلاً. فقبل عامين من الآن وعلى متن يخت فاخر يجول فوق مياه البحر المتوسط اجتمع ملياردير صناعة الفولاذ لاكشمي نواز ميتال الهندي الذي يتخذ بريطانيا مقرا لاعماله وجوكو ل بينياني وهو أحد المليونيرات الهنود في الصناعة المعدنية أيضا والموزع السينمائي كيشور لولا الهندي ايضاً ليقرروا بأن اسواق الهند الخارجية مازالت تحتاج للتطوير. إذا لماذا لا يستخدمون قناة رقمية فضائية لبث اعمال بوليوود على مدار الأربع والعشرين ساعة؟ إذ ان شركة إيروس انترناشيونال التي يمتلكها (لولا) تمتلك حقوق اكثر من 1000 فيلم هندي توزعها على أكثر من 100 دولة. ووجدت الفكرة تجسيدها فعلاً الخريف الماضي بإطلاق قناة (بي 4 يو) (بوليوود لك) في بريطانيا والخليج العربي ثم اطلقت قبل 3 أسابيع ايضا في الولايات المتحدة . وتقدم بي فور يو على شاشتها توليفة من العروض تأخذ جانب التألق. بينما تخرج مذيعات الربط بين كل عرض وآخر لتتحدث بلغة (هنجليزية) . أو انجليزية مبهرة بالهندية. يقول رافي جوتبا الرئيس التنفيذي لبي فور يو: (تركز بي فوريو على أن تصبح لاعباً دولياً في الصناعة الاعلامية وتهدف لتكون مسرحاً مهماً يحمل بوليوود ويضعها على خريطة العالم) . لكن بي فوريو تواجه منافسة شرسة ايضا. ففي عام 1992 أسس سوباش تشاندرا وهو تاجر أرز سابق محطة تلفزيون زي التي كانت أول صيحة تلفزيونية هندية غير حكومية بعد اتخاذ الاقتصاد الهندي منهج التحرر. وينتج تلفزيون (زي) الان عروضاً تلفزيونية وافلاماً سينمائية وعروضاً موسيقية كما تدير اعمالها على الانترنت. ويصل بث تلفزيون (زي) إلى 23 مليون منزل داخل الهند و30 مليون مشاهد في 120 دولة أخرى. ويعمل تشاندرا حاليا على مشروع لوضع قمر صناعي هندي في مداره حول الارض عام 2002 بتكلفة تصل 755 مليون دولار. كذلك فإن رأس المال الاجنبي اخذ يتدفق على صناعة التلفزيون الهندية تجذبه القوة الشرائية المتزايدة للطبقة المتوسطة الهندية والمستقبل الواعد للصادرات الخارجية. حتى روبرت مردوخ عاد للهند, حيث أعلنت قناة ستار بلاس الشهر الماضي خطة جديدة شاملة لمنافسة تلفزيون (زي) تتضمن مزيداً من التركيز على المحلية ومزيدا من البرامج باللغتين الهندية والهنجليزية. الخوف من صناعة الترفيه وتوازى انفتاح الاقتصاد الهندي, بتواري مشاعر التخوف من الأجانب في صناعة الترفيه. فعندما أسست (سوني) فرعها في الهند عام 1991, حذر احد كتاب اعمدة الرأي في صحيفة هندوسية من مخاطر (تلوث) الثقافة الهندية بقدوم المستعمرين الجدد اصحاب التقنيات العالية. لكن تلفزيون (سوني إس إي تي) رد ببث النشيد الوطني الهندي على خلفية مشاهد تصويرية لعلم هندي كبير وراقصين هنديين يؤديان استعراضاتهما بالازياء الفلكلورية. يقول شريدار سوبرامانيام المدير التسويقي لشركة (سوني ميوزيك) : (منذ البداية أكدنا على المشاركة بالثقافة المحلية وقدمنا للفنانين الهنود مسرحاً عالميا للظهور) . وفعلاً نجح هذا الطعم. فخلال سنة واحدة غطت (إس إي تي) نفقاتها وخلال السنوات الثلاث التالية فازت بنسبة 13 في المئة من المشاهدين لتقف الآن نداً لند مع تلفزيون (زي) . وتمتلك سوني الآن في الهند شركة انتاج سينمائي وثلاث قنوات تلفزيونية وشركة موسيقى هندية. وبلغ دخل (إس إي تي) العام الماضي 100 مليون دولار تقريباً. يقول كونول واسجوبتا من (سوني) الهندية: (حينما يصبح مشاهدو القنوات السلكية التلفزيونية في الهند مستعدين لدفع ولو دولارا واحدا فقط, ستكون الأرباح كبيرة جداً) . ويضيف واسجوبتا بأن أسواق التوزيع الهندية مازالت مليئة بالتجار المحليين الصغار والموزعين الذين يتعاملون بالنسخ المقرصنة على نحو مخالف للقانون. لكن طالما يبدأ عمالقة الاعلام والاجانب بدخول السوق ويشرعون بخطط التشفير فإن (البعض سيصبح قادراً على تحقيق تلال من المال في هذا السوق) . والشركات الاجنبية اخذت تطارد ايضا الموسيقيين الهنود, حيث بلغت مبيعات موسيقى البوب الهندية العام الماضي 300 مليون قطعة مما يضعها في المرتبة الثانية بعد نظيرتها الامريكية. يقول رافي شريخاند من أوساط صناعة الموسيقى هذه: (أصبح الهنود الآن قادرين على دفع ثمن اسطوانات الموسيقى. سابقاً كانت الطبقة الوسطى صغيرة ولاتتمتع بما يزيد على تلبية حاجاتها الاساسية من المال) . وحاليا تقوم شركات (سوني( و(إي إم اي) و(بوليجرام) بتربية جيوش من المغنيين الهنود وهي تضع نصب عيونها الاسواق العالمية. كما اشترت (سوني) حق التوزيع الصوتي للفيلم الذي حقق شعبية كبيرة مؤخراً (كوتش كوتش هوتا هاي) (أو .. شيء ما يحدث) الذي يلعب دور البطولة فيه شاروخ خان والذي يصفه الهنود بأنه النسخة الهندية للأمريكي توم كروز. وباعت (سوني) نحو ثمانية ملايين نسخة من اغاني الفيلم وهو رقم غير مسبوق. تقول خانا التنفيذية في قناة (بلوس) التي تبث من مومباي أن (العائلة التي تصلي معاً وتأكل معا تبقى معا) والسينما الهندية هي سينما السعادة والنهايات البهيجة وقصص الحب والعواطف التي تتضمن الكثير من الغناء والرقصات. وهذا ما يجذب المشاهدين من غير الهنود لهذه السينما) . اما الكاتب الصحفي المصري عاصم كامل فيشير إلى ان العداء للامركة في الشرق الاوسط يصب في صالح بوليوود. ويقول: (لقد تزايد التحامل على السينما الامريكية. إذ أن سياسات الحكومة الامريكية أثرت على شعبية الافلام الامريكية بين المشاهدين العرب) . الهند وتغير الثقافة والثقافة تتغير في السينما الهندية حسب جمهورها المستهدف, حيث بدأت بوليوود تفصل أفلاما حسب مقاس المشاهدين الغربيين أو المتغربين. وطالما صور منتجو مومباي سلاسل فنتازياهم في مناطق عجيبة في سويسرا أو اسكتلندا. اما مواقع التصوير الحالية فهي نيويورك ولندن, حيث تقدم القصة دوماً مواجهة بين الهندي المغترب والهندي في الوطن. في عام 1995 تمكن فيلم (القلب الشجاع يفوز بالعروس) من الأخذ بيد بوليوود الى الاسواق العالمية, حيث يتحدث عن شاب هندي يعيش في انجلترا يعود الى الهند ليحظى بالفتاة التي كان والدها يريد اجبارها على الزواج حسب رغبته. اما آخر افلام بوليوود حول مثل هذه المواضع فهو (محبون) والذي يصور بريطانيا على أنها جنة أرضية بشكل دفع سلطات السياحة البريطانية تقديمها للمنتج جائزة خاصة. والسؤال الذي يطرحه المهتمون حول تدفق الاجانب واستثماراتهم على صناعة السينما الهندية, هو فيما اذا كان هؤلاء سيغيرون بنية هذه الصناعة بالكامل أم مجرد الافلام. يتوقع مدراء ومنفذو صناعة الترفيه الهندية أن تنجح الاموال الاجنبية في تنظيف صناعة السينما. وحتى العام الماضي حينما اعادت الحكومة الهندية تنظيم النواحي التشريعية للسينما, ظلت زعامات العالم السفلي المشبوهة تسيطر على هذه الصناعة حيث تمول الافلام وتحقق عوائداً كبيرة. اما المصارف وغيرها من مؤسسات التمويل فظلت تتجنبها, فيما المنتجون والممثلون يتعرضون باستمرار لتهديد وابتزاز العصابات. وعلى سبيل المثال اصيب المنتج السينمائي رايكش روشان بجروح إثر اطلاق النار عليه خارج مكتبه في مومباي لرفضه اعطاء حقوق التوزيع العالمي لاحدى العصابات. وطبعا ًفإن شركات مثل (سوني) و(يونيفرسال) لن تطالب بمزيد من الشفافية في الاجراءات المالية فحسب, بل وستوفر بديلا لاموال عصابات المافيا. تقول خانا: حالما يأتي العمالقة فإن صناعة الترفيه بأكملها ستتغير. وستنتهي ايام اكياس المال المشبوهة. ومن ناحيتهم يعترف المنتجون بانهم يولفون افكارهم الرومانسية التقليدية إلى حد ما لتلائم أذواق المشاهدين فيما وراء البحار سواء كانوا أجانب أو هنوداً مهاجرين.